أقباط مصر عالقون بين: وعود الحكومة التي دعموا وصول رأسها إلى السلطة، وطمأنة القيادات الكنسية التي ألقت بثقلها السياسي خلف النظام الحالي، والخوف من الإسلاميين الذين يشعرون بالسخط حيال موقف المسيحيين السياسي. بينما ترقب إسرائيل الوضع عن كثب، وتصطاد في الماء كلما تعكَّر، عساها تظفر بالمزيد.

شكوك قبطية

قبل التفجير كان المسيحيون العاديون يشككون في وعود الطرفين: الحكومة من ناحية، والقيادة الكنسية الموالية لها على الجانب الآخر. فماذا بعد أن سالت دماء العشرات على أرضية الكنيسة؟!

لاحظت سارة يركس، الزميل الزائر في معهد بروكنجز، أن “المسيحيين المصريين أصبحوا يتحدثون علنا، على نحو متزايد، ضد الحكومة المصرية، ويتجاهلون رغبات الكنيسة”.

وفي الآونة الأخيرة وقّع 82 قبطيًا رسالة احتجاج على دعم الكنيسة واسع النطاق للسيسي، وأعربوا عن إحباطهم من عدم تحسن أوضاع المسيحيين، حتى في عهد الرئيس الذي دعموا مجيئة للسلطة.

في بعض الجوانب، يعاني أقباط مصر من أسوأ ما في العالمين: الحكومة والمعارضة، وهم عالقون بين الرئيس السيسي، الذي يقدم نفسه باعتباره الحليف والحامي، والخصوم الإسلاميين الذين يشعرون بالامتعاض من موقف الكنيسة السياسيّ. ويزداد الطين بلة الآن بعدما اتضح- بما لا يدع مجالا للشك بعدما سالت دماء الأقباط- أن حماية الرئيس ليست كافية، على حد قول أسبوعية الإيكونوميست

صحيفة التايمز وصفت الحادث بأنه “عار”، واعتبرت أن التفجير هو جرس إنذار مروع بأن النظام العسكري المتشدد فشل في حماية أكبر أقلية دينية، وأثبت أنه يحارب تمردا الاسلامية بأسلحة قديمة لم تعد صالحة للمواجهة.

استغلال إسرائيلي

على الجانب الآخر من الحدود، كانت إسرائيل تترقّب، وسرعان ما دانت تفجير الكنيسة القبطية، وأرسل رئيس وزرائها، بنيامين نتنياهو، تعازيه لأسر الضحايا وللشعب المصري، مؤكدًا عبر بيانٍ رسمي أصدره مكتبه على ضرورة توحيد القوى لخوض المعركة المشتركة ضد الإرهاب.

“أكثر الهجمات دموية ضد الأقلية المسيحية المصرية في التاريخ الحديث، وأسوأها منذ تفجير 2011 الذي استهدف كنيسة القديسين في الأسكندرية، وأسفر عن مقتل أكثر من 20 شخصًا” هو الوصف الذي خلعته صحيفة تايمز أوف إسرائيل على الهجوم الذي أسفر عن مقتل 25 شخصًا على الأقل، وإصابة عشرات آخرين.

قبلها بيومٍ واحد، ندد نتنياهو أيضًا بتفجيرين قتلا 38 شخصا في اسطنبول، قائلا في مستهل اجتماعه مع مجلس الوزراء: “تدين إسرائيل كل أشكال الإرهاب في تركيا، وتتوقع من تركيا أن تدين جميع الهجمات الإرهابية في إسرائيل”.

على نسق “كوهين ينعي ولده ويعلن تصليح الساعات”، لم يفوت نتنياهو فرصة تفجير تركيا ليطالب أردوغان بإدانة الإرهاب في إسرائيل، واستغل تفجير مصر ليستحث السيسي على مزيد من التعاون لمكافحة “البعبع” ذاته.

العنف لا يفيد

على منوال الموقف الرسمي، غزل زئيفي بارائيل مقاله عبر صحيفة هآرتس، قائلا: إن مستنقع الإرهاب يحاصر الثلاثي: مصر وتركيا وإسرائيل.

مشيرًا إلى أن البُلدان الثلاثة تدرك أن العنف لن يقضي على الإرهاب المحلي بالضرورة، لكنه أكد في المقابل رأى أن محاولة التفاوض مع الإرهابيين خيانة.

وأضاف: “الهجمات الإرهابية واسعة النطاق اتي وقعت على مدى اليومين الماضيين- أولا في اسطنبول يوم السبت، ثم في القاهرة يوم الاحد- هي تذكير مأساوي بأن الإرهاب لا ينبع من تنظيم الدولة، ولكن من الأحقاد السياسية المحلية”.

وتابع “بارئيل”: لا يزال الأقباط في مصر لا يشعرون بالأمان. وتفجير الكنيسة خلال قداس الأحد يحطم جهود السيسي الرامية لتبديد هذا الشعور، وتهدئة الرأي العام العالمي.

أكثر خطورة

علاوة على ذلك، يمكن أن يشعل هذا الحادث موجة جديدة من الاشتباكات بين المسلمين والمسيحيين، وهو الأمر الذي من شأنه أن يمثل خطورة على السيسي أكثر من مكافحة الإرهاب “العادي”.

وأردف: “كان الهدف من الهجومين، في مصر وتركيا، إلهاب مشاعر الرأي العام ضد الحكومة، وتصعيد الصراعات الداخلية إلى مقدمة اهتمامات الجمهور.

فضلا عن تصوير المعركة التي تخوضها الحكومتين ضد منافسيهما السياسيين باعتبارها غير فعالة:

– على الرغم من التكتيكات العنيفة التي انتهجها أردوغان ضد الأكراد الأتراك- وشملت هدم المنازل وحظر التجول لفترات طويلة، والاعتقالات وقتل المدنيين- إلا أنها أثبتت عجزًا عن منع الهجمات التي أحرجت الحكومة، وسخرت من نهجه في إدارة البلاد بقبضة حديدية.

– وعلى الرغم من حرب السيسي الشاملة ضد جماعة الإخوان المسلمين، فإنه لم يثبت فقط أنه عاجز عن القضاء على أعدائه، ولكن ظهر أيضًا أنه يعرض المدنيين للخطر نتيجة سياساته الصارمة، ورفض المصالحة مع جماعة الإخوان المسلمين”.

عدد المسيحيين

ثلاث روايات حول عدد المسيحيين في مصر:

– وفق رواية الكنيسة، يشكل الأقباط 15% من تعداد السكان.

– أما النسبة المعتمدة في الإعلام الأجنبي فهي 10%. وهو الرقم الذي تكرر في معظم التغطيات التي تناولت خبر تفجير الكنيسة.

– كثير من المصريين، خاصة الإسلاميين، يؤكدون أنهم لا يتجاوزون 5-6%، لكنهم يستشهدون بمصادر تفتقر إلى التوثيق.

لأهمية هذه النقطة، حرص بابا الكنيسة، تواضروس، على استحضارها في أولى حواراته الإعلامية بعد 3 يوليو 2013، وهي عين ما يكرره الإعلام الأجنبي في معظم الأخبار التي تغطي شؤون المسيحيين المصريين.

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم أقليات

أضف تعليقاً

طالِع أيضًا

باتريك إدينجتون- معهد كاتو: الإسلاموفوبيا في إدارة الرئيس ” ترامب “.. مسألة عائلية حقًا

بدخول "سباستيان جوركا" البيت الأبيض، انضم لفريق إدارة الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" عضو ج…