الرئيسية في العمق النزاع المائي بين مصر وإثيوبيا.. إطلالة على الماضي لاستشراف المستقبل

النزاع المائي بين مصر وإثيوبيا.. إطلالة على الماضي لاستشراف المستقبل

2 second read
0

نهر النيل؛ شريان حياة قُدّر له أن يمرّ في قلب المنافسات الإفريقية على أثمن الموارد الطبيعية، حتى أصبح منبعًا لنزاعٍ مُزمِن.

لاستشراف مستقبل هذا النزاع حول حقوق دولتَيْ المنبع والمصبّ، إثيوبيا ومصر، يوفر التحليل التالي- المستقى من توقعاتٍ نشرها مركز ستراتفور- إطلالةً على أبرز محطات التاريخ الحديث.

أبرز التوقعات

– المنافسة على تأمين المياه من نهر النيل سوف يخلق مشاكل لمصر وإثيوبيا، بقدر ما خلقه هذا السباق طيلة قرون.

– مع ذلك، ربما تجد البلدان أرضية مشتركة، على الرغم من استمرار سد النهضة الإثيوبي الكبير، المثير للخلاف.

– انعدام الثقة لا تزال هي السمة الرئيسية التي تهيمن على العلاقات بين القاهرة وأديس أبابا، ولن تنتهي المنافسة المصرية-الإثيوبية على موارد المياه.

خلاف قديم متجدد

استمرت الخلافات بين مصر وإثيوبيا لفترة طويلة من تاريخهما الحديث، ولم يحظَ ملفٌ بهذا القدر الكبير من النزاع مثل محاولة البلدين تأمين المياه من حوض نهر النيل.

طفا هذا الصراع، على السطح بشكل خاص في المفاوضات الأخيرة حول سد النهضة الإثيوبيّ، الذي يقع على النيل الأزرق.

لكن استعراض تاريخ المنافسة على هذا الممر المائي الحرِج يوفر إطلالة مفيدة على سياق الديناميكات الإقليمية التي يتوقع أن تدوم لفترة طويلة في المستقبل.

إشكالية الإطار القانونيّ

تكمُن المعاهدات في قلب الجدل الدائر بين مصر وإثيوبيا حول نهر النيل، ويرجع ذلك في المقام الأول إلى أن معظم هذه الاتفاقيات لم تشمل إثيوبيا كدولة مُوَقِّعَة.

كانت هذه المعاهدات أدوات استخدمها المسؤولون الاستعماريون البريطانيون في القرنين الـ19 والـ20 لإدارة العلاقات بين مقتنياتهما المصرية والسودانية.

كانت إثيوبيا، التي لم تكن مستعمرة، تتفاوض في بعض الأحيان مع الحكومة البريطانية، لكنها لم تتمتع أبدا بثِقَلٍ مُسَاوٍ في تنظيم استخدام نهر النيل.

وكثيرا ما رفضت أديس أبابا الإطار القانوني الذي رُسِم في تلك الفترة لإدارة النهر. أحد المآخذ الرئيسية لإثيوبيا هو: حقيقة أنها، باعتبارها دول المنبع، ليست محمية بالطريقة ذاتها التي تتمتع بها دول المصب مثل مصر.

في المقابل، تمثل مشروعات كبرى، مثل سد النهضة، مشكلة بالنسبة لمصر؛ ذلك أن نهر النيل هو المصدر الرئيس للمياه العذبة وري الزراعة في البلاد الصحراوية، وبدونه لن تستطيع مصر البقاء.

بداية التاريخ الحديث

أحدث الاتفاقات الرئيسية التي تم التوصل إليها بخصوص إدارة نهر النيل كان في عام 1959، وهو ما يمثل بداية التاريخ الحديث للعلاقات المائية المتعلقة بنهر النيل.

وُقِّع الاتفاق بعد وقتٍ قصير من استقلال السودان في عام 1956، وصعود جمال عبد الناصر عام 1956 إلى السلطة في مصر.

حدد الاتفاق كمية المياه التي يمكن للبلدين استخدامها، ودشن عددًا من المشاريع المشتركة للحد من هدر المياه نتيجة التبخّر في قطاعات معينة من النيل. لكنه مرة أخرى لم يشمل إثيوبيا.

بطبيعة الحال، لم يكن عبد الناصر غافلا عن قلق إثيوبيا، أو أهميتها للأمن المائي المصري.

وحتى قبل عبدالناصر، حاولت مصر كسب مزيد من السيطرة على النيل الأزرق، أحد الروافد الرئيسية لنهر النيل.

إسفين الناصريّة

بدلا من محاولة إجبار إثيوبيا عسكريا، حاول عبدالناصر العمل مع أديس أبابا دبلوماسيا.

علاوة على ذلك، تواصل مباشرة مع حكام إثيوبيا. وقد كان خلال حياته المهنية كضابط عسكري، متمركزًا في السودان، ما أتاح له التفاعل بشكل وثيق مع المسؤولين الإثيوبيين.

ومع ذلك، فشل عبدالناصر في إقناع الإمبراطور الإثيوبي بزيارة مصر. وعلى الرغم من اهتمام إثيوبيا بالتعاون مع مصر حول قضايا نهر النيل، إلا أن نموذج القومية العربية الذي روَّج له عبدالناصر في بلاده والمنطقة دقَّ إسفينًا عميقًا بين البلدين.

حيث اعتبرت إثيوبيا هذا الفكر يمثل خطرًا على الأنظمة الملكية، وبالتالي تهديدًا لها.

علاوة على ذلك، كان الإثيوبيون أفارقة، وليسوا عربًا، لذلك كانت أديس أبابا مرتابة من أي دوافع خفية محتملة قد تكون وراء محاولات عبدالناصر لبدء الحوار.

لهيب الحرب الباردة

بالإضافة إلى هذا، تورطت البلدان في سياسات الحرب الباردة؛ ففي حين دعم الاتحاد السوفياتي مصر عبدالناصر، أيدت الولايات المتحدة إثيوبيا.

بالنسبة لإثيوبيا، كان ذلك يمثل تهديدا وجوديا: ذلك أن الشيوعية، التي تعارض مفهوم الملكية بشدة، جعلت حكام إثيوبيا يرفضون الشيوعية وجميع وكلائها.

في نهاية المطاف، أسقطت الشيوعية الملكية في إثيوبيا، عنما سيطرت لجنة التنسيق المشتركة، المكونة من القوات المسلحة والشرطة والجيش الإقليمي (مجلس عسكري ماركسي لينيني يشار إليه اختصارا باسم “ديرج”) على البلاد في عام 1974.

نتيجة لذلك، بدأت حكومة عبد الناصر تقويض الحكومة الإثيوبية. وبدعم إريتريا والصومال، حاولت مصر إلهاء أديس أبابا وإضعافها بتحريض السكان المسلمين في إثيوبيا على مقاومة الإمبراطور المسيحي، جزئيًا عبر عمليات دعائية من إذاعة القاهرة.

كما وفروا تسهيلات للثوار الإريتريين لبث دعايتهم الخاصة، بل وفّروا التدريب العسكري للإريتريين، الذين أصبح الكثير منهم الآن جزءا من الطبقة الحاكمة بعد استقلال إريتريا في عام 1991.

كما استغل عبدالناصر الصراع العرقي الصومالي لتوحيد الصومال الكبير، الذي يمتد عبر جنوب شرق إثيوبيا.

ومع ذلك، أدى هذا التدخل في نهاية المطاف إلى نشوب حرب بين إثيوبيا والصومال على إقليم أوجادين المتنازع عليه.

انحسار الصراع

بحلول ذلك الوقت، كان الشيوعيون قد وصلوا إلى السلطة في إثيوبيا، ولم يعد عبدالناصر حاكما لمصر.

في النهاية، هزم الجيش الإثيوبي الصومال، بعدما وقف الاتحاد السوفياتي مع أديس أبابا، ما دشّن بداية عصر الشيوعية في إثيوبيا.

خلال هذه الفترة، أصبح أنور السادات رئيسا لمصر، وتغيرت أولويات البلاد. ولم تكن إثيوبيا في موقفٍ يسمح بمواصلة المنافسة مع مصر.

وهكذا، لبعض الوقت، تراجعت محاولات كلا البلدين لتقويض الآخر بشكل ملحوظ.

مياه ثمينة

تجددت التوترات في عام 2011، عندما بدأت إثيوبيا بناء سد النهضة بالقرب من الحدود السودانية.

لضمان أن السد لن يعرقل تدفق مياه نهر النيل، شاركت مصر في جولات متلاحقة  من المفاوضات. ومنذ ذلك الحين تقدم بناء السد والعملية السياسية المحيطة به بخطى بطيئة لكنها ثابتة.

على الرغم من التعاون بين البلدين، استنادًا إلى حقيقة أن مصر ببساطة تمتلك القليل من البدائل لوقف بناء السد، فإن المخاوف التاريخية بين القاهرة وأديس أبابا لا تزال تلقي بظلالها على المشهد.

حتى الآن، تواجه إثيوبيا اضطرابات داخلية وقودها السخط العرقي، وظهرت مرة أخرى اتهامات لمصر بتقديم الدعم لمقاتلي المعارضة.

كما شاركت بُلدان أخرى، مثل المملكة العربية السعودية، بدلوها؛ على أمل أن تستخدم سد النهضة كأداة للتأثير على مصر، التي سعت مؤخرا إلى قدر أكبر من الاستقلالية على صعيد السياسة الخارجية في الشرق الأوسط.

وفي النهاية، تقضي الجغرافيا بأن تستمر المنافسة بين مصر وإثيوبيا.

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم في العمق

اترك تعليقاً

طالِع أيضًا

محمي: هل محمد بن سلمان متهور حقًا؟.. قراءة مغايرة للتحولات السعودية

لا يوجد مختصر لأن هذه المقالة محمية بكلمة مرور. …