الرئيسية عروض كتب عرض كتاب “جيمي كارتر”: بوسعنا تحقيق السلام في الأرض المقدسة: خطة ستنجح

عرض كتاب “جيمي كارتر”: بوسعنا تحقيق السلام في الأرض المقدسة: خطة ستنجح

8 second read
0

(خطة كارتر للسلام) التي قال في العام 2009 بإمكانية تطبيقها خلال أربع سنوات، وهو ما لم يحدث حتى الآن.

الكتاب: بوسعنا تحقيق السلام في الأرض المقدسة: خطة ستنجح

المؤلف: جيمي كارتر

ترجمة وعرض: علاء البشبيشي

الناشر: سيمون أند شوستر

تاريخ النشر: 20 يناير 2009

عدد الصفحات: 256

اللغة: الإنجليزية

تدفع كل المؤشرات في الآونة الأخيرة باتجاه صعوبة تحقيق السلام في منطقة الشرق الأوسط، على الأقل في المدى المنظور، إلاّ أن الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر بدا متفائلاً، بشكل رآه البعض مفرطًا، حين أكد أنه (بوسعنا تحقيق السلام في الأرض المقدسة)، مشيرًا إلى إمكانية التوصل إلى تسوية خلال فترة الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما.

ربما هو عصر التفاؤل؛ فعلى الرغم من التحديات الجسام التي تواجه أمريكا، على المستويين الداخلي والخارجي، والعنصرية المتأصلة داخل هذا المجتمع، خرج أول مرشح أسود للرئاسة ليؤكد (نعم.. نستطيع)، وها هو كارتر يحذو حذوه، ويرفع شعار (بوسعنا تحقيق السلام في الأرض المقدسة)، بل يستطرد في لهجة الواثق ليؤكد أن هذه الخطة “ستنجح”.

أنسب الأوقات

ويرى الرئيس الأمريكي السابق- والحائز على جائزة نوبل للسلام- جيمي كارتر، في هذا الكتاب أن اللحظة الراهنة هي الأنسب لتحقيق السلام في منطقة الشرق الأوسط، لذلك يطرح خطة وُصِفت بـ “الجريئة والشاملة” للوصول إلى هذا الهدف.

ومما يؤهل كارتر للقيام بهذا الدور –وضع خارطة طريق للحل- أنه على دراية وثيقة بكل ما يتعلق بالأرض المقدسة التي كان اهتمامه بها ملحوظًا طيلة حياته، وخاصة خلال العقود الثلاث الأخيرة، وفي سياق عمله كرئيس لأمريكا. وكمؤسس لمركز كارتر، درس الرجل القضايا المعقدة والمتشابكة في صراعات المنطقة، وكان منخرطًا بشكل فعّال في تسويتها.

أضف إلى ذلك معرفته الوثيقة بكل قادة الأحزاب والفصائل في الإقليم.

والرئيس إذ يرى إشارات مشجعة في هذه الأوساط، يصف جهود السلام السابقة، ويشخص الأسباب التي أدت إلى إخفاقها، ويؤكد أن طريق السلام مفتوح الآن، ويحتاج إلى دعم دولي وإقليمي أوسع.

ولأنه لن يكون هناك تقدم في مسار السلام بدون قيادة أمريكية تتسم بالشجاعة والتصميم؛ يرى كارتر أن وقت التحرك قد حان، لا سيما وأن الرئيس أوباما تعهد ببذل جهد شخصي من أجل تكريس ذلك.

جولة تاريخية

أول جملة في الكتاب يقول فيها كارتر: “إن الطريقة المثلى لفهم الأوضاع الراهنة في الشرق الأوسط هي استعراض سريع لتاريخ المنطقة”. لذلك تحدث ابتداءً عن تاريخ الصراع بين إسرائيل وجيرانها، مضمنًا ذلك انخراطه الذي استمر (35) عامًا في عملية السلام، آملا أن يتمكن الرئيس الجديد من تحقيق اختراقٍ في سلم المنطقة.

وبجانب درس التاريخ الذي استغرق خمس صفحات ونصف كاملة، حول منطقة الشرق الأوسط، وشمل فترة تقارب الأربعة آلاف عام، ما بين رحلة سيدنا إبراهيم إلى أرض كنعان وحرب الأيام الستة، ركز معظم الكتاب على الأربعين عامًا الماضية من المفاوضات بين إسرائيل وجيرانها. وقد كُرِّست فقرات طويلة ومفصلة للحديث عن الدراما المكثفة للمفاوضات في كامب ديفيد، والتعقيد الذي اتسمت به الانتخابات الفلسطينية عام 2004، وهما الحدثان اللذان كان كارتر على صلة وثيقة بهما.

ويتحدث الكتاب أيضًا عن ريجان، بوش الأب، كلينتون (1981-2000)، ثم يتناول أيام بوش الابن الأولى (2001-2005)، ثم يتطرق للانسحاب الإسرائيلي من غزة، ويسلط الضوء على نتائجه، ثم يتساءل: إلى أي مدى إسرائيل قريبة من أهدافها الكبرى؟! هل يمكن لحماس أن تلعب دورًا فعالًا؟ وهي الأسئلة التي تساهم في تقييم ما وصل إليه الإقليم.

كما مرّ كارتر مرور الكرام –أو المجبرين- على لحظات تاريخية لم يكن بيديه الكثير ليفعله بشأنها؛ فعلى سبيل المثال لم يتجاوز حديثه عن أوسلو- هذا الحدث المفصلي- سوى بضع فقرات، كما لم يعطِ سوى بضع جمل لـ “قمة بيل كلينتون الفاشلة” – على الرغم من أهميتها – مع إيهود باراك وياسر عرفات.

عنوانٌ أكثر دبلوماسية

وكان كتاب كارتر قبل الأخير حول الشرق الأوسط قد أثار هياجًا كبيرًا؛ ويرجع ذلك بشكل كبير إلى عنوانه الذي اعتبره البعض استفزازيًا (فلسطين.. سلام لا أبارتايد). ولسوء الحظ لم تُتَح الفرصة لمناقشة الأفكار المعتدلة التي طُرحت خلال الكتاب. وقد ساهم في ذلك أن مؤلفه هو الرئيس الذي وُصِف بالكاذب والمعادي للسامية والعنصري والمناصر للإرهاب!

كان على الرئيس أن يتعلم الدرس، وقد فعل.. فقد اختار الرجل عنوانًا أكثر دبلوماسية هذه المرة لكتابه الأخير حول الشرق الأوسط، آملا – ربما – أن تتركز النقاشات حول محتوى الكتاب هذه المرة، وليس عنوانه.

ويبدو أن الرجل نجح في ذلك؛ فقد وُصِف الكتاب الجديد بأنه عمل متوازن وعميق، يُعنى أساسًا بالمفاوضات الدبلوماسية منذ العام 1967، حينما فرضت إسرائيل سيطرتها على قطاع غزة والضفة الغربية.

قالوا عنه أيضًا: إنه إضافة عميقٌ فكرُها، ضروريٌ طرحها في هذا السياق، نجح -رغم نحافة حجمه- في تجنب الاتهامات الحزبية المضادة، والخلافات التاريخية التي تشتعل في معظم النقاشات حول الصراع. ووصفه آخرون بأنه كتاب استطاع من خلاله كارتر تقديم حلٍ براجماتي عمليّ للمشكلة، محاولًا أن يقنع الأطراف بأن السنوات القليلة القادمة ربما تكون هي الفرصة الأخيرة لحل الدولتين، قائلاً: “ها قد حان الوقت”، ومطالبًا الرئيس الجديد بالتقدم، مطمئنًا إياه بأن “السلام يمكن تحقيقه”.

بعيدًا عن طاولة المفاوضات

وعلى الرغم من تأكيده على أهمية الدبلوماسية الطموحة والسياسات الخارجية، أتت أكثر لحظات الكتاب إمتاعًا بعيدة عن طاولة المفاوضات؛ فقد استشهد كارتر كالعادة بجمل من مذكراته الشخصية، معطيًا القارئ نظرة عن قرب حول كيفية صياغة السياسة الخارجية. بعد مقابلته مع ملك الأردن حسين في أبريل 1977، كتب الرئيس: “دعوا (وزير الخارجية) يقوم بجولة حول المنطقة لاستشارة القادة، وليكن استماعه أكثر من حديثه، ثم بعدها نقوم بوضع أكبر ضغط ممكن على مختلف الأطراف من أجل القبول بالحل الذي نؤمن بعدالته”.

هذه التعليقات الصغيرة الشخصية، مزجها الرئيس بدموع مناحم بيجن، وأسلوب خالد مشعل، وعلَّق فوقها سحابة من دخان السجائر الذي كان مكتب رئيس المخابرات المصري معبأ به، ليوصل لنا في النهاية رسالة مفادها: (إن الرجال والنساء المنخرطين في هذا الصراع هم بشر بقدر بشرية من تأثروا به).

خلاصة الحل

يطرح كارتر في هذا الكتاب حلًا بسيطًا ومباشرًا، يتلخص في ضرورة تبني إسرائيل ما يُسمّى “شروط الرباعية”، التي قابلتها إسرائيل بتشكك، وتبنتها مجموعات السلام الفلسطينية، وناشطو حقوق الإنسان في الإقليم (كما يعتقد الكثيرون).

وتتلخص خطة كارتر في اعتناق شروط الرباعية لحل مشكلة الشرق الأوسط، مؤكدًا ضرورة تضمين حزب الله وحماس، وسوريا وإيران في العملية التفاوضية من أجل تحقيق السلام في الأرض المقدسة. كما يرفض الحصار الذي فرضته أمريكا وإسرائيل على حكومة حماس، مطالبًا بضرورة التعامل معها باعتبارها حكومة أفرزتها انتخابات ديمقراطية أشرف عليها الرئيس كارتر بنفسه، وآخرون.

وفي الوقت ذاته لم يتجاهل الرجل الحقائق التاريخية التي تؤكد تجاهل إسرائيل للقرارات الدولية، مستشهدًا بقرار الأمم المتحدة رقم (194) على أحقية عودة اللاجئين، الذين قدرتهم المنظمة بـ (710) آلاف فلسطيني، غادروا وطنهم طوعًا أوكرهًا، ثم لم يُسمح لهم بالعودة.

يأتي هذا بالتوازي مع أطروحة أخرى يرى كارتر أنها ستكون ناجعة في تحقيق السلام لكل الأطراف، ألا وهي المبادرة العربية التي يتم بموجبها تطبيع (22) دولة عربية علاقاتها الدبلوماسية والتجارية مع إسرائيل.

برنامج السلام

في الفصل الأخير من الكتاب، المعنون بـ (برنامج من أجل السلام)، يضع كارتر حدود خطته الرامية لتحقيق السلام في الشرق الأوسط، وعلى الرغم من تأكيد الرجل في البداية أنها خطة لابد وأن تنجح، وإشارته في النهاية إلى أنها سهلة ومباشرة، لم تأت أطروحاته بجديد في سياق هذا الصراع، اللهم سوى جعل الأمور أكثر تحديدًا، ووضع مقاربة أكثر براجماتية، وتبني وجهة نظر أكثر انفتاحًا. وهو الأمر الذي أقره كارتر نفسه حين قال إن خطته ترتكز بشكل كلي على الوثائق المنشورة، والتي يعتقد أنها حظيت بقبول كبير لدى مختلف الأطراف، مثل قرار مجلس الأمن رقم (242)، وخارطة الطريق التي وضعتها الرباعية من أجل السلام.

قيمة خطة كارتر، والكتاب عمومًا، تكمن في أنها بداية نقاش، أو باعتبارها نقطة للقفز إلى النقاشات حول كيفية “استبدال البهجة والاحتفال بالألم”. وهو ما لا يمكن تحقيقه إلاّ إذا كان كل المعنيين في هذا الصراع بنفس تفاؤل السيد كارتر.

وقفة مع كارتر

يوصف كارتر بأنه أحد المؤمنين بـ (قوة الدبلوماسية)، وهي الجملة المحورية التي يمكننا بوساطتها الحكم على أطروحاته في هذا الكتاب، بل هي مفتاح شخصية الرجل.

و”قوة الدبلوماسية” التي يؤمن بها كارتر هي التي دفعته إلى اعتناق مبدأين أحدهما: الانفتاح على المقاومة (حماس وحزب الله)، ودول الممانعة (سوريا وإيران)، والآخر “الانخراط في العملية التفاوضية”، وهما الطريقان اللذان يريد كارتر لهما أن يتوازيا، ليصلا في النهاية إلى نقطة الحل الذي يشمل كافة الأطراف.

ومن الإنصاف أن نذكر للرجل مطالبته بإشراك كافة الأطراف في العملية السياسية، بما فيها المنظمات التي تعتبرها أمريكا “إرهابية”، والدول التي تنظر إليها بوصفها “راعية للإرهاب”. كذلك اعتباره إسرائيل دولة احتلال، وتأكيده ضرورة إقامة دولة فلسطينية تكون القدس الشرقية عاصمة لها.

لكن كارتر ينطلق من بعض المفاهيم التي يعتبرها من المسلمات، ويرى أن جميع الأطراف في المنطقة مجمعة عليها، كعرضه شروط الرباعية باعتبارها الحل الذي حظي بمباركة الجميع، والمبادرة العربية بوصفها ضامنة الالتحام بين المتنازعين. وعلى الجانب الآخر يوجد الكثيرون في عالمنا العربي والإسلامي- وخاصة فصائل المقاومة داخل فلسطين- ممن ينظرون إلى هذه الشروط والمبادرات على أنها محل جدل كبير، يحتاج بعضها إلى التشذيب، وبعضها الآخر إلى الإعدام! أضف إلى ذلك مسألة حل الدولتين، والمفاوضات، والتخلي عما يعتبره الغرب عنفًا، ويعتبره أبناء فلسطين المحتلة مقاومة ودفاعًا عن المقدسات. كذلك مطالبته الفصائل المعنية بالتخلي عن قناعة إزالة إسرائيل من الوجود، مقابل منح الفلسطينيين دولة مستقلة، وانسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها في عام 67. وهي الأمور التي ربما يتفق كثيرون معها باعتبارها مناورة تكتيكية، وليس استراتيجية عامة.

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم عروض كتب

اترك تعليقاً

طالِع أيضًا

عرض كتاب “إعادة التفكير في الإسلام السياسي”

الكتاب: إعادة التفكير في الإسلام السياسي المؤلف: شادي حميد (محرر)، ويليام مكانتس (محرر) ال…