الرئيسية في العمق كوهين ينعي ضحايا مسجد الروضة ويحارب الإرهاب

كوهين ينعي ضحايا مسجد الروضة ويحارب الإرهاب

5 second read
0

لم تُعلِن أي جهة مسؤوليتها حتى الآن عن هجوم مسجد شمال سيناء، الذي وُصِفَ بأنه الأكثر دموية في تاريخ مصر الحديث؛ وبالتالي فإن كل ما قيل عن الفاعل لا يزال محض تكهنات وإن تباينت قوة حجتها وكثرة شواهدها، ولا يمكن الجزم بتأكيدها أو نفيها حد اليقين.

وإذا كانت ولاية سيناء- المتهم الأول في الحادث- وجدت من يشكك في ارتباطها ببعض الهجمات التي يربو عددها عن 800- بحسب واشنطن بوست- وسبق أن تبنتها منذ عام 2014، فكيف بالهجوم الذي لم يرفع أحدٌ صوته حتى الآن ليقول: ها أنذا مرتكبه؟

اتهام مبكر

غير أن معظم الصحف الناطقة بلسان العرب والعجم على اختلاف مشاربها اتفقت على الإشارة بأصابع الاتهام مبكرًا إلى فرع تنظيم الدولة في مصر، مستندة إلى شواهد عديدة أبرزها:

(1) انتماء رواد المسجد المستهدف للطرق الصوفية، حسبما رصد جيسون بورك مراسل صحيفة الجارديان البريطانية لشؤون القارة الإفريقية،

(2) وأيضًا سجلّ الهجمات السابقة التي أعلن التنظيم مسؤوليته عنها، وهو ما ذهب إليه دافيد جارتنستين-روس المتخصص في مكافحة الإرهاب.

وهذا ليس بِدعًا من تغطياتٍ كثيرة اعتادت الصحف والوكالات الغربية تصديرها أو ختامها باتهامٍ صريحٍ أو مُبَطّن للإسلاميين، وربما استدعت “اضطهاد” الأقباط إلى المشهد مثلما فعلت واشنطن بوست اليوم حين صدَّرت تغطيتها لهجوم المسجد بصورة نساء أقباط يبكون على ذويهم في هجومٍ سابق.

اختلاف جهادي

فإذا تساءَل سائل: أليست الجماعات الجهادية تركز على استهداف أفراد الجيش والشرطة والمسؤولين الحكوميين، لكنها تحاول الابتعاد عادة عن دماء المسلمين العاديين، ولو كانوا صوفيين، كجزء من “استراتيجية القلوب والعقول” التي وضعها الظواهري لضبط “أولويات الجهاد”؟

جاءه الرد سريعًا من جارتنستين-روس؛ بأن هذا التوجًه يتبناه تنظيم القاعدة وليس داعش، وهو لا يعني أن الأول أكثر اعتدالا من الثاني، بل يلفت إلى أن الأول أكثر عقلانية من الأخير.

ثم جاءه صدى صوت ستراتفور يتردد من منتصف عام 2015، قائلا: ألم يسبق أن شن تنظيم الدولة هجمات مشابهة ليس فقط في بلاد الشام ولكن أيضًا على مساجد صنعاء حيث يصلي الحوثيون الشيعة والمواطنون السنة تحت السقف ذاته؟

نقطة تحوُّل

لكن الأهم من هذا كله مسألتين:

(1) أن هذا الهجوم غير مسبوق- أيًا كان من يقف وراءه- رغم فداحة ما شهده المصريون طيلة السنوات الماضية، وقد كان الخبراء حتى وقتٍ قريب يستبعدون رؤية مثله في مصر، لكن يبدو أن أم الدنيا ليست منيعة كما يُعتَقَد، ويمكن أن يصيبها ما أصاب غيرها مهما بدا ذلك بعيد الحدوث.

(2) أن تداعيات مثل هذا الهجوم قد تكون على المستوى ذاته من الاستثنائية، وقد لا تتوقف عند حدود الغارات الجوية التي شنتها الطائرات الحربية في غضون ساعات قلائل على غير العادة، مقارنة بحوادث أخرى كان المصريون عطشى فيها ولو لبيان تقليدي من جهة رسمية.

وفي هذه المرة، لا تحتاج المسألة إلى تفويض شعبيّ محليّ، لأن الإدانة جاءت من كل فج وصوب، بل طالب مراسلون أجانب مثل جيسون بورك مباشرة بعدم تضييع دماء الضحايا سدىً، وأن يكون هجوم سيناء نقطة تحوُّل في مسار الحملة المصرية لمكافحة الإرهاب.

ومراسل الجارديان يستشهد هنا بهجوم الأقصر الذي كان نقطة تحوُّل في حرب مصر ضد “الإرهاب” عام 1996، ويُلَمِّح إلى إمكانية الاستفادة من الغضب الشعبي المرجح ضد المتطرفين الذين سينظر إليهم باعتبارهم باتوا يستهدفون دور العبادة.

ورغم أن الاجتماع الأول لمجلس وزراء دفاع التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب، الذي ينعقد الأحد في العاصمة السعودية الرياض تحت شعار “متحالفون ضد الإرهاب” كان محددًا مسبقًا، إلا أن توقيته جاء مواتيًا جدًا، ويصب في الاتجاه المرغوب تماما.

نعي وإعلان

مما أظهره الحادث أيضًا أن كوهين ليس وحده مَن يستغل نعي الموتى للإعلان عن إصلاح الساعات؛ إذ لم يُفَوِّت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرصة استغلال هجوم سيناء للترويج لتوجهاته بحظر السفر وخطته لبناء جدار على حدود المكسيك.

وحين قدَّمت إيران عزاءها في ضحايا الحادث حرصت على إبارز خطر “الإرهاب” الذي يرتكبه “التكفيريون” (المنتمون للسنة في هذه الحالة)، وهو ما انعكس على صياغة الخبر الذي احتل الجزء الأكبر من الصفحة الأولى في صحيفة كيهان الإيرانية التابعة للمحافظين وحمل عنوان “الإرهابيون التكفيريون يقتلون المئات في سيناء المصرية”.

وكوهين الذي يُضرَب به المثل لا يتجسد دائمًا في صورة يهودي بأنفٍ معقوف، بل قد يأتي في هيئة ترامب أمريكا (الحظر والجدار) أو ملالي إيران (إدانة الإرهاب السنيّ) أو حتى نظام حكم شرق أوسطيّ لا يرى في دماء الضحايا إلا وسيلة لترسيخ حكمة وتعزيز سلطاته والإطاحة بخصومه كلما كان ذلك متاحا.

نقطة اتفاق

وفي خضم هذا المزيج من اللغط والاستغلال، تبرز نقطة أخرى يتفق عليها الجميع هي: فشل مصر طيلة السنوات الماضية في القضاء على التمرد في سيناء، كما أشارت صحيفة نيويورك تايمز في سياق تعليقها على الهجوم الأخير، وسبق أن فصَّلته صحف ووكالات ومراكز أبحاث على مدى السنوات الأربع الماضية.

لكن في المقابل، من الواضح أن استراتيجية النظام المصري لمكافحة الإسلاميين المعارضين نجحت إلى حد كبير، وقد لخصتها دورية ناشيونال إنترست قبل سنوات في ثلاث مراحل: (1) فصل (2) إسكات (3) تحييد/عزل. هذا يعني: فصلهم عن بقية المصريين وعدم السماح لهم بالتجمع أو التعبيرعن آرائهم، وصولا إلى عزلهم تمامًا عن الشعب/إبطال مفعولهم، وهو التوجُّه الذي يعززه الهجوم الأخير، أيا كان مرتكبه.

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم في العمق

اترك تعليقاً

طالِع أيضًا

مجلس التعاون الخليجي.. لم يعد له من اسمه نصيب

قمة مجلس التعاون الخليجي كانت بالكاد تكفي لاحتساء فنجان من الشاي، أما تفاؤل أمير الكويت با…