علاء البشبيشي

صحيحٌ أن روسيا أعلنت مرة أخرى خفض قواتها في سوريا، وبدأت فعلا بسحب حاملة الطائرات الوحيدة، الأدميرال كوزنيتسوف، حسبما أكد رئيس هيئة الأركان العامة، فاليري غيراسيموف، يوم الجمعة 6 يناير 2017، لكن لم يتضح على الفور ما إذا كانت طائرات “كوزنيتسوف “المقاتلة سوف تغادر هي الأخرى، أم ستبقى في اللاذقية.

عقب انتصار وقبيل مفاوضات

يأتي هذا الإعلان عقب انتصارٍ كبير أحرزته القوات الحكومية والروسية والإيرانية باستعادة حلب، وقبيل مفاوضاتٍ مرتقبة في كازاخستان، وهي الظروف المشابهة إلى حد كبير مع ما أحاط بالانسحاب الذي أعلنته روسيا العام الماضي.

حينها قال كريستوفر كوزاك، المحلل في معهد دراسات الحرب: “من المرجح أن بوتين يشعر بأنه في وضع يمكنه من استخلاص أقصى فائدة من المفاوضات الحالية بأقل تكلفة ممكنة”.

هذا يعني ببساطة أن “بوتين” يناوِر كعادته، ولا ينبغي الاطمئنان إلى هذا التقليص، مثلما نصح ليونيد بيرشيدسكي عبر نيوزويك قبل عام بعدم أخذ إعلان موسكو غير المتوقع على عِلاَّته.

ألم يُصدِر إعلانات مشابهة في الماضي كي يظهر لشركاء التفاوض الغربيين إلى أي مدى يمكن أن يكون بناء؟ لكن التجارب أثبتت أنه يمتلك دائمًا أجندة خفية.

دروس “أوكرانيا”

لجأ بوتين إلى أسلوبٍ مماثلٍ في يونيو 2014، بموازاة بدء المحادثات التي توصلت لاحقًا إلى أول وقف إطلاق نار في شرق أوكرانيا.

في وقت لاحق من ذاك الشهر، طلب بوتين من برلمانه الشكليّ سحب التصريح الممنوح له بإجراء عمليات عسكرية في الأراضي الأوكرانية.

لم تكن روسيا قامت بذلك رسميًا أبدًا، رغم إرسال القوات والمدربين والأسلحة الروسية لمساعدة المتمردين الموالين لموسكو في شرق أوكرانيا.

ومع ذلك، اعتبر بوتين- وفق المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف- هذا الإعلان بمثابة لفتة ملائمة في بداية المفاوضات بين المتمردين وأوكرانيا ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا.

لكن هذا الوقف لإطلاق النار لم يستمر سوى لفترةٍ وجيزة. وسرعان ما تصاعد القتال مرة أخرى، ومُني الجيش الأوكراني بأكثر هزائمه إذلالا في بلدة إلوفايسك.

مستقبل “الأسد”

بالنظر إلى عدم صدور أي تصريحات مشابهة من إيران أو حزب الله، تدل على أنهم سيسحبون قواتهم، أو يقلصونها، فإن القوات الموالية للحكومة السورية ستظل قادرة- بمعاونة الدعم الروسي المستمر بالطبع- على الاحتفاظ بتفوقها العسكري الحالي.

صحيحٌ أيضًا أن روسيا أكدت في الحالتين استمرار دعمها للرئيس بشار الأسد، إلا أن سعي موسكو إلى وسيلة للخروج من هذا الصراع، قد ينتهي بحكومة سورية يقودها شخص غير الأسد.

مستقبل الرئيس السوري كان محل اهتمام الباحثين بول ماكليري وجون هدسون في مجلة فورين بوليسي، أوائل 2016، وتكرر الحديث عن القضية ذاتها بعد إعلان الانسحاب الأخير، وإن بلهجةٍ أكثر خفوتًا، وأكثر تركيزًا على مستقبل العلاقات الروسية-الإيرانية.

لكن مثلما تحدث أندرو تابلر، خبير الشؤون السورية في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، العام الماضي، عن شعورٍ متزايد بالثقة بدأ يتسلل إلى بشار الأسد بعد الإنجازات التي حققها على الأرض، لدرجة وضع خطوط حمراء بشأن المفاوضات، بدا هذا الأمر واضحًا هذه المرة أيضًا، بل بصخب أكبر.

الأسئلة الأكثر أهمية

يرى البعض أن هذا التقليص، المتبوع بمحادثات كازاخستان، يعتبر هدية روسية للرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب احتفالا بتنصيبه، على حد قول الباحثة حنين غدار.

أما صدور هذه التوصية بتقليص القوات عن وزير الدفاع الروسي، سيرجي شويجو، يوم 29 ديسمبر، وفقا لوكالة سبوتنيك الرسمية، فيعيد للأذهان التحذيرات من خطر الاستنزاف، والانزلاق إلى المستنقع الذي توقعه العديد من السياسيين والمحللين، وأبرزهم الرئيس باراك أوباما.

لكن كل هذه التحركات الميدانية والدبلوماسية لا ترقى إلى مستوى تغيير قواعد اللعبة كما قد يأمل كثيرون، كما أكد من قبل الأمين العام الثامن لمنظمة العفو الدولية، سليل شيتي.

ومهما كانت الوعود التي ستصدر خلال الأيام المقبلة، ينصح “شيتي” بألا ننسى عدة أسئلة حاسمة:

ما الذي يجب فعله لحماية مصالح السوريين العاديين على المدى الطويل؟

ما هو المطلوب لضمان أن الأهوال التي تعرضوا لها لن تتكرر مرة أخرى؟

كيف يمكن حمايتهم من انتهاكات كافة الأطراف، خلال هذه الفترة التحولية وربما الأكثر حساسية؟

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم في العمق

اترك تعليقاً

طالِع أيضًا

الجغرافيا السياسية لدول مجلس التعاون الخليجي (2)

تطرق الجزء الأول من هذا التقرير إلى السعودية والكويت والبحرين وعمان، ويتناول هذا التقرير ا…