الرئيسية إسرائيليات من الذي يخشى القنبلة الإيرانية؟ (1/2)

من الذي يخشى القنبلة الإيرانية؟ (1/2)

4 second read
0

“أنتَ لا تستطيع أن تحدثني عن الإرهاب؛ فأنا كنتُ إرهابيًا”

الجرأة التي تطلّ من بين حروف الجملة السابقة تنبع من انخراط قائلها، في صفوف ميليشيات الإرجون الإرهابية المولودة من رحم منظمة الهاجاناه الصهيونية وهو لا يزال في عمر الخامسة عشرة، ثم مشاركته لاحقا في حرب 1948.

يُدعى أوري أفنيري، أحد أشهر نشطاء اليسار في إسرائيل، وعضو سابق في الكنيست، وهو أيضًا كاتب المقال الذي تستعرضه السطور التالية:

لا بديهيات في السياسة

أكره البديهيات.

قد تكون المُثُل العليا مسألة بديهية، لكن التصريحات السياسية ليست كذلك. وبالتالي عندما أسمع عن حقيقة سياسية بديهية؛ يتسرب إليّ الشك على الفور.

والحقيقة السياسية الأكثر بداهة في هذه اللحظة تتعلق بإيران: إيران هي عدونا القاتل. إيران تريد تدميرنا. علينا أن ندمر قدراتها أولا.

ولمّا كان ذلك أمرًا بديهيًا؛ فإن الاتفاق المناهض للأسلحة النووية الموقع بين إيران وأعضاء مجلس الأمن الخمسة (بالإضافة إلى ألمانيا) لابد وأنه شيء رهيب. رهيب وفقط.

كان ينبغي أن نطلب من الأمريكيين منذ فترة طويلة أن يقصفوا إيران ويمزقوها إلى أشلاء. فإذا لم ينصاعوا لرغبتنا- وهو السيناريو المرجح- كان يجدر بنا قصف إيران نوويًا بأنفسنا، قبل أن تسنح الفرصة لقادتهم المتعصبين المجانين لإبادتنا أولا.

الجغرافيا أهم من الأيديولوجيا

قال نابليون يومًا: إذا أردتَ فهم سلوك بلدٍ ما؛ انظر إلى الخريطة. ذلك أن الجغرافيا أكثر أهمية من الأيديولوجيا، مهما كانت الأخيرة متعصبة. ذلك أن الأيديولوجيا تتغير مع مرور الوقت، لكن الجغرافيا ليست كذلك.

عندما تأسست دولة إسرائيل في عام 1948، رأى ديفيد بن جوريون في إيران حليفًا طبيعيا. قد يبدو هذا غريبا الآن، لكن منذ وقت ليس ببعيد كانت إيران في الواقع هي أكثر الدول المؤيدة لإسرائيل في الشرق الأوسط.

كان بن جوريون عمليًا لأبعد الحدود. وبما أنه لم يكن لديه أي نية على الإطلاق لعقد سلام مع العرب- لأن السلام كان من شأنه أن يحول دون توسُّع دولة إسرائيل الصغيرة الأصلية بدون قيود- فقد بحث عن حلفاء خارج العالم العربي.

عندما نظر إلى الخريطة (نعم، كان يؤمن بالخريطة) رأى أن العرب المسلمين كانوا محاطين بعدد من الكيانات غير العربية أو غير الإسلامية: المسيحيون المارونيون في لبنان (غير مسلمين) والأتراك (مسلمون غير عرب) والأكراد (مسلمون غير عرب) وإيران (مسلمون غير عرب) وإثيوبيا (غير مسلمين وغير عرب) وغيرهم.

الشراكة مع الأطراف

من هذا المنظور، ابتكر بن جوريون خطة كبرى: “الشراكة مع الأطراف”؛ وهي تحالف بين كل هذه الكيانات المحيطة بالعالم العربي، والتي شعرت بأنها مهددة من القومية العربية الناشئة في كنف جمال عبد الناصر والدول العربية السنية المسلمة الأخرى.

كان من أشد المتحمسين لهذه الفكرة: شاه إيران؛ الذي أصبح أكثر أصدقاء إسرائيل حماسة. كان “ملك الملوك” (شاهنشاه) ديكتاتورًا وحشيًا، يكرهه معظم شعبه. لكن بالنسبة للعديد من الإسرائيليين، أصبحت إيران بيتهم الثاني.

أصبحت طهران قبلة رجال الأعمال الإسرائيليين، وأضحى بعضهم غنيًا جدًا. وقام خبراء جهاز الأمن الإسرائيلي، المسمى الشاباك، بتدريب شرطة الشاه السرية في جهاز السافاك.

سافر قادة الجيش الإسرائيلي رفيعو المستوى بحُرِّيَّة عبر إيران إلى كردستان العراق، حيث دربوا قوات البشمركة الكردية في معركتهم ضد نظام صدام حسين (لم يكن الشاه بالطبع يحلم بمنح الحرية لأقليته الكردية).

لكن هذا الفردوس انهار فجأة عندما عقد الشاه صفقة مع صدام حسين؛ من أجل إنقاذ عرشه. لكن دون جدوى. حيث أطاح رجال الدين الشيعة الراديكاليون، الذين كانوا يحظون بشعبية كبيرة، بالشاه وأنشأوا الجمهورية الإسلامية الشيعية. وجدت إسرائيل نفسها خارج اللعبة.

بالمناسبة، هناك عنصر آخر من هذه “الأطراف” انفصل أيضا. ففي عام 1954، أعدّ بن جوريون ورئيس جيشه، موشيه دايان، خطة لمهاجمة لبنان، وتنصيب ديكتاتور ماروني موالي لإسرائيل هناك.

بيدَ أن رئيس الوزراء آنذاك، موشيه شاريت، الذي كان يعرف بعض الأشياء عن العالم العربي، عارض هذه المغامرة معتبرًا إياها غبية. لكن بعد ثلاثين عاما، نفذ أرييل شارون- وهو جهولٌ آخر- الخطة ذاتها ما أسفر عن نتائج كارثية.

في عام 1982، غزا الجيش الإسرائيلي لبنان، ونصَّب دكتاتورًا مارونيًا، هو بشير الجميل، الذي وقع اتفاق سلام مع إسرائيل، وسرعان ما اغتيل.

رحب الشيعة، الذين يقطنون جنوب لبنان، بالجيش الإسرائيلي بحماس، معتقدين أنه سيساعدهم في مواجهة المسلمين السنة ثم ينسحب.

كنتُ شاهد عيان: قدتُ سيارتي المدنية وحيدًا من ميتولا في إسرائيل إلى صيدا على الساحل اللبناني، مجتازًا عدة قرى شيعية، وكان من الصعب أن انتزاع نفسي (جسديًا) من احتضان السكان.

ومع ذلك، عندما أدرك الشيعة أن الإسرائيليين ليس لديهم نية للخروج، بدأوا شن حرب عصابات ضدهم. وهكذا وُلِدَ حزب الله، وأصبح أحد أكثر أعداء إسرائيل فعالية، وحليف للنظام الشيعي في إيران.

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم إسرائيليات

اترك تعليقاً

طالِع أيضًا

حصاد عام في البيت الأبيض: إنجازات ترامب وإخفاقاته.. بعيون إسرائيلية (2/2)

لا يمكن لأي رئيس، خاصة لو كان يفتقر إلى الخبرة في مجال السياسة، أن يحقق أهدافه دون تعاون: …