هل هذه الحملة الأمنية جديدة؟

لم تبدأ الحملة الأمنية على الطلاب الويغور في مصر الآن، بل هي مستمرة منذ ثلاثة أشهر. الجديد ربما أن التوقيف بعدما كان يستهدف خلال الفترة الماضية الأشخاص الذين انتهت مدة تأشيراتهم، أصبحت السلطات الآن لا تفحص التأشيرات، وبات الاعتقال عشوائيًا.

لا أحد يعرف إلى أين سينتهي المطاف بالمعتقلين على وجه الدقة، بحسب تصريح أدلى به مصدر من الويغور في القاهرة لموقع ميدل إيست آي، لكن بعض المحامين يشيرون إلى اقتياد الموقوفين إلى مراكز شرطية مجاورة لأماكن الاعتقال.

ولأن المداهمات شملت اقتحام المنازل والمدارس والمساجد وأماكن العمل، سرعان ما خلقت الحملة الأمنية حالة من الذعر داخل صفوف مجتمع الويغور في القاهرة، بل دفعت البعض إلى الهروب إلى محافظات أخرى خوفًا من الاعتقال وربما الترحيل إلى الصين.

هل يوجد تنسيق مصري-صيني؟

من اللافت أن توقيت بدء الحملة الأمنية المصرية واكب إصدار الصين قرارًا فى مايو الماضى يقضي بعودة طلاب الويغور فى الخارج إلى مقاطعة شينجيانج الصينية، وهو ما يضاف إلى العوامل التي تثير تكهنات حول التنسيق بين البلدين في هذه الحملة الأمنية التي أسفرت حتى الآن- بحسب تقارير غير مؤكدة نقلها موقع ميدل إيست مونيتور- عن اعتقال 70 شابا وفتاة.

كما تفيد التقارير بأن الحكومة الصينية تطلب من بعض الطلاب العودة إلى الوطن، وتهددهم باحتجاز أسرهم إذا لم ينصاعوا للأوامر. ويقول أحد الطلاب الويغور لـ راديو آسيا الحرة: إن بعض الذين عادوا إلى بلادهم يبدو أنهم اختفوا، “لم نتمكن من الاتصال بأي منهم. هناك سحابة مظلمة تحلق فوق رأس كل طالب من الويغور”.

لماذا الخوف من الترحيل؟

غالبية الويغور الذين يعيشون في الصين من المسلمين، ويشكلون واحدة من 55 أقلية عرقية معترف بها في البلاد. وتبرر الشرطة والمسؤولون فى جنوب شينجيانج هذه الحملة بأنها محاولة للتحقيق فى الأفكار السياسية التي يعتنقها هؤلاء الطلبة، حسبما نقلته وكالة فرانس برس.

لكن بشكل عام، تمارس السلطات الصينية التمييز بشكل منتظم ضد الأقليات المسلمة، بما في ذلك حظر المسلمين من الصيام خلال شهر رمضان، وسن قانون يجبر الآباء على تغيير الأسماء الإسلامية لجميع الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 16 عاما.

وبينما تتهم الصين الويغور بارتكاب هجمات إرهابية، يقول خبراء من خارج الصين إن بكين بالغت فى التهديد الذى يمثله الويغور، ويُحَمِّلون السياسات الداخلية القمعية المسؤولية عن تصاعد أعمال العنف هناك، والتى أسفرت عن مصرع المئات منذ عام 2009.

كيف يمكن الاستفادة من الزخم؟

قد يكون الخطاب العاطفي الذي انتشر على مواقع التواصل مفيدًا من ناحية حشد زخم شعبي مؤيد لحقوق الطلاب الويغور، وضاغط على السلطات الصينية والمصرية من أجل احترام حقوقهم، لكن أثبتت التجارب أن مثل هذا الزخم سرعان ما يتبدد.

توضح دراسة أعدها فريق من جامعات أوريجون والسويد وكندا، ونشرتها دورية “الأكاديمية الوطنية للعلوم” قبل أشهر، أن الحملات الإعلامية قادرة على توليد قدر لا بأس به من الاهتمام والتعاطف، لكن عدم وجود حلول عملية لإنهاء الأزمات يعني: تبديد فرصة الاستفادة من الزخم المؤقت.

وفي حين يمكن للتعاطف الشعبي أن يخلُق دافعا قويا للعمل، فإن غياب الحلول أو البدائل العملية المقنعة والقابلة للتطبيق يعرقل إحراز أي تقدم يُذكَر، ويخاطر بتبديد جذوة التعاطف لدى الجمهور.

هذا التخطيط لا يعني إغفال المطالب الملحة المتمثلة في “الكشف عن مكان وجوده المعتقلين، وأسباب احتجازهم، ومنح المحامين إمكانية الوصول إليهم، وعدم ترحيلهم إلى الصين؛ حيث يرجح أن يواجهوا الاضطهاد والتعذيب”، بحسب سارة ليا ويتسن، مديرة قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش.

هل سلاح المقاطعة قابل للاستخدام؟

حملات المقاطعة الاقتصادية من الأسلحة التي تلجأ إليها الشعوب لفرض ضغط على الحكومات أو الشركات من أجل تغيير سياساتها أو التوقف عن ممارسات ضارة. لكن حتى تؤتي حملات المقاطعة أُكُلها فإنها تحتاج إلى:

– زخم إعلامي وشعبي يحشد الجهود الفردية المتناثرة ويحسن توجيهها؛ لتثمر في النهاية أثرًا ملموسًا، إلى جانب الترويج للنجاحات المرحلية مهما كانت صغيرة؛ لتشجيع شرائح أكبر على الانضمام. والخطوة الأولى في هذا الطريق هي: دراسة التجارب السابقة، للبدء من حيث انتهت بدلا من إعادة اختراع العجلة، والاستفادة من الإنجازات السابقة لتطويرها، والتخطيط الجيد مسبقا للتغلب على المعقوات.

– جهد منظم لرفع الواقع بدقة- حتى لا تُصاب بعض الجهات البريئة بجهالة، أو يُسمَح للجهات المستحقة للاستهداف بالتخفي- وتحديد الأهداف المرحلية، والأهم ضمان المتابعة المستمرة لا الموسمية حتى لا تتاح الفرصة لالتقاط الأنفاس وتعويض الخسائر.

– توفير بدائل مقارِبة في الجودة والسعر؛ لتشجيع شرائح أكبر على الانضمام إلى المقاطعة. وهذا يتطلب أيضًا دراسة عميقة؛ حتى لا تكون البدائل هي الأخرى تستحق الاستهداف لكن لم يُبذَل جهد كافٍ لتتبع أنشطتها. وفي المقابل يمكن مطالبة هذه البدائل بتقديم أي من أشكال الدعم للقضية التي يُدافَع عنها كلما كان ذلك متاحا مقابل الترويج لها (دعم البدائل لا ينبغي أن يكون مجانيًا طيلة الوقت).

– أي حملة مقاطعة ستتطلب تغييرًا- قد يكون كبيرًا، تبعا لشهرة القائمة المستهدفة- في نمط حياة المستهلكين. مثلا: ليست كل البدائل ستكون بالجودة ذاتها؛ وعليه سيتطلب الأمر بعض التضحية من المشاركين. لكن التخلي عن بعض الرفاهية التي يمكن الاعتياد على غيابها لا يوازي شيئًا إذا قورن بالواجب المفترض بذله أصلا لنصرة القضايا الكبرى.

– يجب الاعتراف منذ البداية أن حملات المقاطعة ليست استراتيجية متكاملة قائمة بذاتها تكفي لإنهاء أي صراع، بل هي مجرد وسيلة لابد وأن تتضافر معها غيرها لتؤتي أُكُلها؛ وهذا يتطلب رؤية أكثر شمولا للمواجهة، بموازاة توفير الحلول أو البدائل العملية القابلة للتطبيق المشار إليها آنفًا.

– أحيانا قد لا يكون الهدف هو تدمير مصالح الجهات المستهدفة، ولكن مجرد الضغط عليها لتغيير سياستها الداعمة لبعض الحكومات/الدول/الأنظمة/المشروعات/الممارسات؛ لذلك ينبغي منذ البداية تحديد الهدف من المقاطعة، ما سيترتب عليه تحديد نوع الحملة الأمثل.

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم أقليات

اترك تعليقاً

طالِع أيضًا

ما تحتاج إلى معرفته عن أزمة الروهنجيا