الرئيسية في العمق هل تركيا إسلامية أم علمانية؟

هل تركيا إسلامية أم علمانية؟

50 second read
0

هل السؤال مُحَيِّر؟

ربما هو كذلك بالفعل- كما يقول الباحث في جامعة بريستول، أوموت بارماكسيز- لأن أن تركيا لم تكن يومًا مجتمعًا علمانيًا تماما، ولم يسبق أن سيطرت عليها الأفكار الإلحادية أو المادية. بل على النقيض، أصبحت تركيا تدريجيًا أكثر تديُّنًا خلال العقدين الأخيرين، وهي العملية التي بدأت بعد وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في عام 2002.

خصوصية العلمانية التركية

ورغم انتشار التدين، عادة ما يصور المحللون الصراع السياسي في تركيا باعتباره معركة بين معسكرين مختلفين جذريا: علماني وديني. صحيحٌ أن هذا الرأي يحمل بعض الصواب، إلا أن معظم التحليلات غاب عنها فهم أن العلمانية التركية مختلفة جدًا عن العلمانية الغربية.

فعلى عكس أوروبا الغربية، أظهر استطلاع القيم العالمية الأخير في تركيا أن 14 في المئة فقط من السكان يعتبرون نفسهم غير متدينين، لكن معظمهم تقريبًا (96 في المئة) يُعَرِّفون أنفسهم بأنهم مسلمون أو مؤمنون.

بل ذهب الكاتب التركي محمد زاهد جول إلى أن “العلمانية الأتاتوركية المستنسخة للتطبيق الفرنسي زُرعت في بيئة غير صالحة لها، وهذا أدى إلى فشلها في عقودها الأولى، والبحث عن علمانية تتوافق مع البيئة التركية أولا، وتتوافق مع معتقدات الشعب التركي المسلم ثانيا”.

“كولن” و”أردوغان” بعيون علمانية

أحد المسائل التي طفت على السطح مؤخرًا، هي: كيف ينظر العلمانيون الأتراك لـ “كولن” وأردوغان”.

يقول الباحث في جامعة بريستول: “بالنسبة لكثير من العلمانيين الأتراك، ليس هناك فارق جوهريّ بين رؤية “أردوغان” و”كولن” لتركيا. إذ يرون أن رغبة “كولن” في إنقاذ الأمة التركية من “الإلحاد” و”المادية”، وإعادتها إلى ذاتها الأصيلة، تشبه هدف “أردوغان” المتمثل في تربية “جيل تقي”، وإنقاذ المسلمين من قبضة المادية والتفكك الاجتماعي.

كما سبق للرجلان أن تحالفا سويًا لإسكات معارضيهم العلمانيين، وسعيا للهيمنة، وروَّجا للمعتقدات التي يتبنيانها باعتبارها طريقة الصحيحة للحياة الإسلامية”.

هذا الملمح الأخير، هو عين ما ذهبت إليه أسبوعية الإيكونوميست البريطانية، التي أكدت هي الأخرى أن العلمانيين الأتراك لا يحملون وُدًّا لـ “كولن” وأتباع جماعته؛ لأنهم استهدفوهم في حملة تطهيرٍ خاصة في أوائل الألفية الثانية.

استطلاع القيم العالمية

وفقًا لـ استطلاع القيم العالمية، زادت نسبة الأتراك الذين يُعَرِّفون أنفسهم بأنهم متدينون تدريجيًا؛ من 74.6 في المئة عام 1990 إلى 83.5 في المئة عام 2001. وفي السنوات التي سبقت صعود حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، ارتفعت نسبة الأتراك الذين يعتقدون أن “الدين مهم في الحياة” بشكل كبير؛ من 61.2 في المئة  عام 1990 إلى 80.8 في المئة عام 2001.

وبخصوص “الإيمان بالله”، الذي يُعتَبَر مؤشرًا هامًا على التديُّن في مثل هذه الاستطلاعات، فقد استمر هذا الاعتقاد فوق مستوى 95 في المئة، في حين زادت نسبة المؤمنين بالحياة الآخرة بنسبة 10 في المئة، لتصل إلى 90.1 في المئة، خلال عقد من الزمان.

استطلاع مركز بيو للأبحاث

لكن استطلاعا أجراه مركز بيو للأبحاث، ما بين 5 أبريل و21 مايو 2015، كشف أن أقل من ربع السكان في تركيا يرون أن قوانين بلادهم يجب أن تتبع تعاليم القرآن بصرامة.

وبشكل عام، خلُصَ الاستطلاع إلى أن الأتراك أكثر علمانية في ميولهم؛ حيث يفضل قرابة الثلثين أو أكثر من المواطنين إما أن تسترشد القوانين بالقرآن (لا أن تتبع تعاليمه بصرامة)، أو أن يستبعد القرآن تماما.

وأعرب 36 في المئة من الأتراك عن رفضهم لتأثُّر القانون بالقرآن، مقارنة بـ 27 في المئة قالوا بذلك في عام 2012.

وتتأثر الآراء حول هذه المسألة في تركيا بمدى التدين والعمر. فالمسلمون الذين يواظبون على الصلوات الخمس يوميًا هم أكثر تأييدًا لأن تتقيد القوانين بالقرآن (32 في المئة) مقارنة بمن يصلون عدد مرات أقل (9 في المئة).

طبيعة الجيل العلماني الجديد

بشكل عام، يعتبر الشباب الأتراك هم الأقل تأييدًا لفكرة تقيُّد القوانين بتعاليم القرآن بشكل صارم.

لكن في المقابل، يتضح للمتأمِّل أن هذا الجيل العلماني الأصغر سنًا أقل قلقا بشأن الحجاب، وهي القضية التي كانت مركز الجدل حول العلمانية خلال التسعينيات والعقد الأول من الألفية الحالية، لكن ارتداؤه الآن لم يعد محظورًا في أماكن التعليم والمؤسسات العامة، بما في ذلك الشرطة.

بدلا من ذلك، يشعر هذا الجيل الأصغر بقلق أكبر حيال حماية طريقتهم في الحياة من حكومةٍ تحظى بشعبية جارفة وترى هويتهم الاجتماعية والثقافية باعتبارها تهديدًا. وهو ما يمكن أن يمثل مؤشرًا خافتًا على وجود تحوُّل من الهجوم إلى الرغبة في التعايش.

نقطة أخرى هامة، خلُصَ إليها تقرير نشره موقع ذا سييكر تحت عنوان “هل تركيا دولة علمانية أم إسلامية”: أن “الصراع في تركيا ليس دينيًا بشكل كامل، بل إن أخطر الانقسامات التي تعاني منها تركيا هي إلى حد كبير سياسية وعرقية”.


* المصادر:

– “Secular Turks may be in the minority, but they are vital to Turkey’s future” (Umut Parmaksız- The Conversation, September 6, 2016)

– “The Divide Over Islam and National Laws in the Muslim World” (JACOB POUSHTER- PEW RESEARCH CENTER, APRIL 27, 2016)

– World Values Survey.

– European secularism and the imposition of standards for Turkish secularism” (Mohamed Ghoul, August 15, 2016)

– “A conspiracy so immense” (The Economist, Sep 10th 2016)

– “Is Turkey An Islamic or Secular Country?” (Jules Suzdaltsev- Seeker, Aug 9, 2016)

 

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم في العمق

اترك تعليقاً

طالِع أيضًا

مجلس التعاون الخليجي.. لم يعد له من اسمه نصيب

قمة مجلس التعاون الخليجي كانت بالكاد تكفي لاحتساء فنجان من الشاي، أما تفاؤل أمير الكويت با…