ترجمة: علاء البشبيشي

أحيانًا تصاب الدول، كما الأفراد، بالاكتئاب!

ثمانية من كل عشرة أمريكيين يعتقدون أن بلادهم تسير في الاتجاه الخاطئ، لكن اهتمام الأمريكيين الآن غيرُ مُوَجَّهٍ إلى رئيس فاشل، بقدر تَوَجُّهِهِ لدولة فاشلة!

أحد مصادر هذا القلق ينبع من وضع الرأسمالية الأمريكية التي يُرْثَى لها؛ فبعدما أخبر ما يُعرف بـ “توافق واشنطن” العالمَ بأن الأسواق الحرة وتحرير التجارة قادران على حل تلك المشكلات، ما زالت أسعار العقارات حتى الآن في هبوط أسرع مما كانت عليه من قبل، كذلك البترول أصبح أكثرَ كلفةً مما كان عليه في سبعينيات القرن الماضي، أما البنوك فتنهار، واليورو يحثو التراب في وجه الدولار، أضف إلى ذلك قلة الائتمان، والركود والتضخم اللذين يهددان الاقتصاد، والعولمة التي باتت تحت النار، والتجارة الحرة التي أصبحت أقلَّ شعبيةً في الولايات المتحدة منها في أيٍّ من الدول المتقدمة الأخرى، أما أمريكا التي بُنِيَتْ بجهد المهاجرين فتسعى الآن إلى بناء سياج لإبقائهم خارجها!

هذا الانخفاض في النشاط التجاري والاقتصادي ليس وحده المسئول عن خيبة الأمل الشعبية، فكثير من الأمريكيين يشعرون بأنهم قد فاتهم الكثير، خاصةً بعدما بذلت أمريكا دماءها وأموالها من أَجْلِ هدف متواضع، لم يتحقق منه شيء.

هذه الدماء والأموال لم تُغْنِ عن أمريكا شيئًا، ففي العراق يُعْتَبَرُ إيجاد وسيلة للخروج نجاحًا كبيرًا، وفي أفغانستان بدأت الأمور تخرج عن السيطرة، أمّا زَعْمُ أمريكا أنها منارة للحرية في عالم مظلم ، فخفتت جذوته بين أسوار جوانتانامو، وأبو غريب، و انطفأ ضوئُه باستهزائها بمعاهدة جنيف، في ظل ذعرٍ اجتاحها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

لكنّ الاكتئاب الأمريكي له فوائده: فالعالم الآن يبدو متعدد الأقطاب، والأوروبيون لم يعودوا يأبهون بهيمنة أمريكا، والفرنسيون فهموا العالم العربي بصورة أفضل من المحافظين الجدد، أما الروس ودول الخليج العربي والدول الصاعدة في آسيا فقد هزأتْ علانيةً من الإجماع الأميركي. خاصة الصين التي أصبحت شبح العم سام، وربما تفعل بأمريكا المزيدَ خلال الأسابيع القليلة المقبلة في مَعْرِض استضافتها لدورة الألعاب الأوليمبية.

في هذه الأثناء ينشغل الأمريكيون بدراسة أسباب صعود نجم الصين، وأفول نجمهم، ويستعدون لوقتٍ يغلب فيه اقتصاد التنين الصيني اقتصادَهم، حتى أضحى إحصاء صواريخ الصين وغواصاتها هوايةً شائعة في واشنطن.

هذا الذعر الأميركي ليس وليد اليوم، ففي خمسينيات القرن الماضي كان الذعر من قوة السوفييت، وفي السبعينيات كانت فضيحة ووتر جيت، وحرب فيتنام، وصدمات النفط، وفي أواخر الثمانينيات كانت اليابان تبدو وكأنها اشترت أمريكا. وفي كل مرةٍ كانت أمريكا قادرةً على النهوض من جديد، لكنّ سياسييها اليوم يبحثون عن كبش فداء ليُخْرِجهم من مأزقهم الذي صنعوه بأيديهم. وإذا فشلت أمريكا هذه المرة في الخروج من هذا المأزق، فلن تؤذي فقط حلفاءها وشركاءها التجاريين، لكنها ستؤذي نفسها أيضًا.

يمر الجميع بفترات عصيبة، يتعلم البعض فيها من مشكلاته التي صنعتها يداه، وهكذا يستعيد قوته. لكن آخرون يلقون باللائمة على غيرهم، وهم بذلك يجلدون ظهورَهم، ويُدَمِّرون أنفسهم أكثر. وقد كان لدى أمريكا من الحكمة ما جعلها تتبع السيناريو الأول مراتٍ عديدة في الماضي، أما اليوم.. فدعونا نأمل أن تكرر ذلك مجددًا!

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم العالم بالعربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

كيف سيؤثر الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد في المستقبل؟

يمكن للمؤسسات (الإعلامية والبحثية إلخ) الحصول على تقاريرنا حصريًا الآن. لمعرفة المزيد حول …