ترجمة: علاء البشبيشي
رغم سيل الاحتجاجات التي حدثت الصيف الماضي، لا تزال عملية السلام الكردية هي المبادرة السياسية الأكثر أهمية لتركيا في العقود الأخيرة، فقد انطلقت العملية في أواخر عام 2012، عبر حوار بين زعيم حزب العمال الكردستاني PKK المسجون عبد الله أوجلان، ورئيس جهاز المخابرات الوطني التركي هاكان فيدان، لتمثل الخطوة السياسية الأكثر جرأة في التاريخ التركي لتسوية المسألة الكردية.
بالطبع، ليست هذه هي المحاولة الأولى لحل القضية الكردية سياسيًّا، ففي الواقع كانت هناك محاولتين – كلتيهما قبل وخلال حكم حزب العدالة والتنمية – لإنهاء هذا الصراع عبر الوسائل السلمية. ومع ذلك، يمثل هذا النهج الجديد ابتكارًا في ناحيتين:
1)بدأت هذه العملية الجديدة، وتلقت دعمًا على أعلى مستوى من الجانبين. صحيحٌ أن كان أوجلان وفيدان هما من شاركا في الحوار والمفاوضات، إلا إن رئيس الوزراء أردوغان ألقى بدعمه الكامل والمفتوح وراء هذه العملية.
2)خلافًا للمحاولات السابقة، تجري هذه المبادرة الجديدة أمام أعين الجمهور.
ويعتبر كثيرون هذين المستجدين إشارة إلى إخلاص الجانبين والتزامهما بمحاولة إنهاء هذا الصراع الطويل الدامي، كما شجع هذا النهج الجديد كلا الجانبين على اتخاذ خطوات أكثر جرأة.، فكانت اللحظة الأكثر دراماتيكية عندما بعث أوجلان برسالة إلى أكثر من مليون من أنصاره تجمعوا في ديار بكر، أكبر مدينة كردية في جنوب شرق تركيا، يوم 21 مارس، وهو يوم رمزي لأنه يوافق النيروز، الذي يُحتفل به مع بداية الربيع في بلاد ما بين النهرين وآسيا الوسطى. شيئان شكلا الفرضية المركزية لرسالة أوجلان: الأولى أن حزب العمال الكردستاني يسعى إلى حل القضية الكردية ضمن حدود تركيا، ومن خلال مواصلة التحول الديمقراطي؛ وبالتالي نبذ أي مطالبات بالوحدوية بشكل فعال. ثانيًا، لقد حان إنهاء عصر الكفاح المسلح. وفي العهد الجديد، سيتم المضي قدمًا في النضال من أجل الحقوق الكردية عبر الوسائل السياسية. وتحقيقًا لهذه الغاية، دعا أوجلان أعضاء حزب العمال الكردستاني للانسحاب من تركيا لإظهار التزامهم بعملية السلام وتمهيد الطريق لمزيد من الحوار والمفاوضات و الخطوات الديمقراطية.
بدورها أعلنت قيادة حزب العمال الكردستاني، في مؤتمر صحفي عقد يوم 25 أبريل، تأييدها للرؤية الجديدة المبينة في رسالة أوجلان، وحددت 8 مايو كبداية لانسحاب حزب العمال الكردستاني من تركيا؛ وهو ما يمثل الخطوة الأولى من عملية مكونة من ثلاث مراحل. في المرحلة الثانية، ستتخذ الحكومة خطوات تشريعية وديمقراطية، وستركز المرحلة الثالثة على إعادة إدماج أعضاء حزب العمال الكردستاني في المجتمع، وهي المرحلة التي أطلق عليها كثيرون مسمى “التطبيع”.
كما حددت الأطراف، لا سيما حزب العمال الكردستاني، أُطرًا زمنية مبدئية لكل مرحلة. كان يفترض اكتمال المرحلة الأولى بحلول 1 سبتمبر، وإعلان المرحلة المرحلة الثانية، التي تضم الخطوات القانونية والديمقراطية، بحلول 1 سبتمبر، ووضعها موضع التنفيذ بحلول 15 أكتوبر.
لكن جميل بايك، القيادي في حزب العمال الكردستاني، أعلن أن الحزب سيوقف انسحابه من تركيا نتيجة عدم التزام الحكومة التركية بالتزاماتها في إطار المرحلة الثانية. وقال إن هذا يدل على نقص التصميم والالتزام لدى الحكومة تجاه عملية السلام. وأضاف أن مثل هذا التسويف يظهر محاولة الحكومة لكسب وقت قبل انتخابات العام المقبل – الرئاسية والمحلية – دون اتخاذ الخطوات اللازمة لإتمام عملية السلام بنجاح.
بعد هذا الاعلان، أسرع بعض النقاد للحديث عن احتضار عملية السلام، أو على الأقل فشلها. ومع ذلك، فإن مثل هذا التسرع في الحكم معيب ولا يدرك طبيعة هذه الخطوة بدقة؛ لأن فحصًا أدق لعملية السلام وخطاب قادة حزب العمال الكردستاني يكشف أن عملية السلام أثمرت بالفعل مكاسب كبيرة، فيما يعتبر الإعلان الأخير تكتيكيًّا أكثر منه خطوة إستراتيجية.
من المهم تسليط الضوء على كيفية عدم وقوع حالة وفاة واحدة على أي من الجانبين، في عام 2013، حتى الآن، وذلك بفضل عملية السلام، وهو إنجاز بالنظر إلى أن هذا الصراع الدموي أزهق أكثر من 40 ألف نفسًا، وفقًا للإحصاءات الرسمية.
علاوة على ذلك، سرَّعت الزيارات شبه المنتظمة التي قام بها نواب حزب السلام والديمقراطية المؤيدين للأكراد للأوجلان وقيادة حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل، من عملية تسييس القضية الكردية على حساب التعامل الأمني، وحتى الآن زار هؤلاء النواب أوجلان عشر مرات في زنزانته على جزيرة إمرالي، وبعد كل زيارة كانوا ينقلون جزئيًّا أو كليًّا رسالة من أوجلان إلى الجمهور، وهو الأمر ذاته الذي ينطبق على زياراتهم لقيادة حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل. هذا في المقابل يشجع نقاشًا عامًّا حول قضية حزب العمال الكردستاني الكردي، ويلغي تدريجيًّا تجريمهم (التعامل الأمني معهم).
وسوف يجعل تصور القضية الكردية سياسيًّا، وليس من منظور أمني، من الأسهل نسبيًّا للحكومة إحداث تقدم في قضايا شائكة مثل التعليم باللغة الأم، ومستوى ما من اللامركزية، والحقوق الثقافية والسياسية الأخرى التي هي جزء لا يتجزأ من حل هذه القضية. وبالتالي، بعيدًا عن كونه فشلاً، أنتجت عملية السلام بالفعل مكاسب كبيرة، وفي هذا الصدد، يمكن اعتباره نجاحًا.
علاوة على ذلك، في حين أعلن باييك وقف الانسحاب، سارعت جميع الجهات الكردية الفاعلة- بما في ذلك باييك نفسه، فضلاً عن ممثلي حزب السلام والديمقراطية، وحزب العمال الكردستاني الآخرين واتحاد مجتمعات كردستان، إلى توضيح أن هذا القرار لا يّفسَّر على أنه إنهاء وقف إطلاق النار أو إنهاء عملية السلام. كما ذكر اتحاد مجتمعات كردستان أن تجميد الانسحاب كان ردًّا على عدم استعداد الحكومة لاتخاذ خطوات التحول الديمقراطي اللازمة لحل القضية الكردية، لكن على الرغم من هذا، أعربوا أيضًا عن دعمهم الثابت للعملية والتمسك بوقف إطلاق النار، وهي التوجهات المماثلة التي كررها بالإجماع تقريبًا جميع السياسيين والممثلين الأكراد، وهذا يدل على أن قرار وقف الانسحاب كان تكتيكيًّا وليس إستراتيجيًّا، وأن الهدف الرئيسي هنا هو الضغط على الحكومة كي تكون أكثر إقبالاً على عملية السلام.
بالطبع، هذا لا يعني أن قرار حزب العمال الكردستاني لا قيمة له، ولا يشير إلى أن هناك ما يدعو للقلق: فلا يمكن أن تعتبر عملية السلام أمرًا مفروغًا منه، كما يحتاج هذا القرار إلى آذان صاغية من الحكومة، على الرغم من أنه لا ينبغي أن يتعامل معه باعتباره سببًا للقلق.
في هذا الصدد، يعتبر إعلان رئيس الوزراء أردوغان عن حزمة ديمقراطية شاملة يوم 30 سبتمبر خطوة في الاتجاه الصحيح، قد لا تفي هذه الحزمة بجميع متطلبات السياسة الكردية، لكن من المحتمل جدًّا أن تنشط العملية، وبالتالي، هناك سبب حقيقي للتفاؤل بأن عملية السلام سوف تعود مرة أخرى إلى المسار الصحيح.
قال الرئيس جول مرة “إن القضية الكردية هي القضية رقم واحد التي تواجه تركيا”، وهو الوصف المناسب لهذه المسألة، ما لم يقله، لكنه معروف لدى جميع مراقبي تركيا، أن تركيا لم تشهد في أي وقت من تاريخ جمهوريتها مثل هذا الاحتمال الحقيقي لتسوية القضية سلميًّا، إن عملية السلام هي الخطوة الأكثر وضوحًا وجرأة حتى الآن في التوصل إلى نهاية كاملة لهذه القضية، أو للمظاهر المسلحة على الأقل.
وفي هذا الصدد، لا يمكن لقضايا الساعة أو الحسابات السياسية أن تبرر للحكومة أو لحزب العمال الكردستاني الكردي إخراج العملية عن مسارها.

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم العالم بالعربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

الذكاء الاصطناعي سيكون له تأثير هائل على الاقتصاد في المستقبل

يمكن للمؤسسات (الإعلامية والبحثية إلخ) الحصول على تقاريرنا حصريًا الآن. لمعرفة المزيد حول …