التمرّد الداخلي.. سوس ينخر في قواعد الكيان الصهيوني، فبعد سلسلة من (التمرّدات)، التي طالت حتى النخبة داخل الجيش الإسرائيلي، ووصلت لصفوف لواء (جولاني) -فخر الصناعة العسكرية الإسرائيلية- ظن الإسرائيليون أن ذلك هو آخر الأحزان، وأن الأمر لا يمكن أن يتطور لما هو أبعد من ذلك… لكنهم فوجئوا، هذا الأسبوع، بأزمة تمرد جديدة، إلاّ أن هذه المرة كان المحرك لها فتوى من حاخامات اليهود داخل دولة الاحتلال، تقول بأنه “لا يحل” للجندي اليهودي أن يُخرج “أخاه المستعمر” من البيت الذي احتله ظلمًا وعدوانًا من الفلسطينيين، وإن فعل فهو بذلك يخالف ما جاء في (التوراة)، ويستوجب “غضب الرب”. الأمر الذي جعل من هذا التمرد “تنفيذًا لأوامر الربّ في التوراة”. 

وبالفعل تمرد حوالي ثلاثين جنديًا، ومعظمهم متدينون من فوج (كفير) التابع لجيش الاحتلال الإسرائيلي الاثنين الماضي على قيادتهم، رافضين إجلاء أسرتين من المستعمرين اليهود احتلتا منزلين في متاجر سوق الجملة التي أُغلقت قبل (13) عامًا في مدينة الخليل بالضفة الغربية، بزعم أن التوراة تمنحهم الحق في إقامة دولة على أراضٍ بالضفة الغربية المحتلة. فيما يعتبر الحاخام (شلومو آفنير)، حاخام مدرسة (عطيريت كوهانيم) الدينية أنه “حتى بوجود سلام، يجب علينا إثارة حروب تحرير من أجل الاستيلاء على أجزاء إضافية من أرض إسرائيل”.

صفعة للجيش الصهيوني

وكان من أوائل ردود الفعل التي أُطلقت عقب هذا التمرد ما أعلنه حزب (ميماد) الديني وحليف حزب العمل الإسرائيلي في صحيفة (آروتس شيفا) الإسرائيلية، من أن هذا التمرد من شأنه أن “يعصف بإسرائيل”، ويهدد وجودها”، كما كشف عن إدانته البالغة لموقف الجنود من أوامر قادتهم. 

ونقلت الصحيفة عن الحاخام (ميخائيل ميلخيور) – زعيم الحزب، وعضو الكنيست – اتهامه للحاخامات وآباء الجنود الذين “استغلوا التوراة في تحقيق مآرب سياسية”. 

وحذر(ميلخيور) أن هذا التمرد “يهدد الجيش الإسرائيلي، ويعرض وجود إسرائيل للخطر”، مشددًا على أن الجميع يجب عليهم مواجهة هذه (التمردات)، “إذا كانوا يهتمون بأمر إسرائيل”. 

ولخطورة الموقف داخل دولة الاحتلال، حذر محللون سياسيون في صحيفة (الجيروزاليم بوست) من “اختبار مصيري يواجه الجيش” بعد هذا التمرد، مشيرًا إلى أنه لم يكن الأول من نوعه، فقد شهد الجيش منذ سنتين حملة لجمع (13) ألف توقيع من الجنود والضباط الإسرائيليين الرافضين لتنفيذ إخلاء مستعمرة (جوش كاتيف). 

وأشارت الصحيفة أنه على الرغم من إخفاقهم في تحقيق الرقم المطلوب، (جمعوا 60 توقيعًا فقط)، وعلى الرغم من نجاح الجيش في تهديد وإرهاب المتمردين في صفوف الجيش، إلاّ أن الأمر اليوم أصبح أكثر خطورة؛ إذ تحول التمرد من مجرد توقيعات على الورق إلى واقع يهدد ويتوعد. مشددة على أن تمرد الاثنين الماضي من قبل (12) جنديًا، من بينهم ضباط بالجيش، أكد أن هذا التهديد لم يتبدّد وما زال قائمًا، بل زادت وتيرته، واستفحل بأسه. 

ولاء الجنود … بعيدًا عن الجيش

وأضافت الـ(جيروزاليم بوست) أن تمرد خريجي مدارس التعليم الديني اليهودي الأصولي (يشيفوت هيسدر) أوضح بما لا يدع مجالاً للشك أن ولاء هؤلاء الجنود – خاصة المتدينين – ليس لقادة الجيش، بل للحاخامات، والأحبار، الأمر الذي جسّد “فاجعة للجيش”. 

وتتضح تلك الفاجعة حين نعلم أن إسرائيل تعتمد اعتمادًا جوهريًا وأساسيًا على قوة الجيش لاستمرار وجودها، فحين ينتقل الولاء لغير قادته، تكون إسرائيل قد تلقت ضربة قاضية في “أعز ما تملك”. 

ويرى المحللون السياسيون والمراقبون العسكريون أن ذلك ما هو إلاّ حلقة من سلسلة التغييرات الجذرية التي أدخلتها ما تُعرف بـ “الأصولية الدينية اليهودية” في مناخ الحياة السياسية في إسرائيل، والتي برزت بشكل واضح على الساحة الإسرائيلية في أعقاب حربي 1967 و1973، وتطورت تدريجيًا لتصبح قوة سياسية وثقافية كبرى، وهي نفس النظرية التي ذهب إليها (أيان لوستيك) في كتابه (الأصولية اليهودية في إسرائيل). ودليل ذلك التأثير ما كشف عنه مجلس إدارة قوات الدفاع الإسرائيلية للموارد البشرية من أن أكثر من (50.000) إسرائيلي مُعفَون تمامًا من الخدمة العسكرية، على أساس أنهم متدينون ويحق لهم أن يؤجلوا الخدمة العسكرية مقابل دراسة التوراة. 

أما من التحق بالجيش من خريجي هذه المدارس فاستخدمت إسرائيل معهم سياسة “فرّق تسُد”؛ إذ قامت بتوزيعهم على لواءات متفرقة حتى لا يجد قائد أي لواء نفسه يومًا ما أمام عصيان جماعي في وحدته، بل يكون التمرد من قبل مجموعة صغيرة يمكن التغلب عليها وإخمادها. 

لذلك سارع إيهود باراك بالقول: “الجنود يتلقون الأوامر فقط من القادة، ولا مكان للتمرد”. لكن (نوام ارنون) المتحدث باسم المستوطنين اليهود في الخليل رد قائلاً: “الزجّ بالجنود في خلافات سياسية سيؤدي إلى تدمير الجيش”.

سياسة العصا بلا جزرة

وضعت تلك الأزمة إسرائيل في موقف لا تُحسد عليه، فبدأت ترد بسلسلة من التهديد والوعيد لمن لا يلتزم بأوامر القادة، لدرجة دفعت (يهودا بن مير) – الباحث في معهد دراسات الأمن القومي في إسرائيل – لأن يعتقد أن الطريقة الوحيدة لمواجهة هذا العصيان العسكري هو إشهار سيف العقاب الصارم في وجه كل من تسوّل له نفسه الخروج عن الأوامر – التي تعتبرها إسرائيل مقدسة – من قبل قادة الجيش. 

بالإضافة إلى الحملة الإعلامية التي شنتها وسائل الإعلام الإسرائيلية على هذا التمرد، مثل دعوة صحيفة (هآرتس) الإسرائيلية في افتتاحيتها إلى ما أسمته (تفكيك الجبهة المتمردة)، ودعوة (ياريف أوبنهايمر) أحد زعماء حركة (السلام الآن) الإسرائيلية اليسارية الجيش إلى التعامل “بقسوة” مع الجنود الذين يعصون الأوامر. 

والغريب في الأمر، أن يخرج هذا التهديد حتى ممن لا يوافق على سياسة الإجلاء، مثل لواء الاحتياط (ياكوف أدميرور) الذي قال: “ليس لدى الجنود خيار، عليهم فقط أن ينفذوا الأوامر؛ لأن تخريب الجيش أشد خطرًا من إجلاء اليهود مما اعتبرها أراضيهم”. 

كما ذكر الجيش الإسرائيلي أن المتمردين سيُقدَّمون لمحاكمة عسكرية، بل تطورت اللهجة التصعيدية لتصل لحد “سَجن المتمردين”، بعدما أمر قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي الجنرال (جادي شامني) بتقديم الجنود إلى محاكمة عسكرية وإعفائهم من المهام القتالية. 

هذا الحشد لمواجهة التمرد انضم إليه بعض الحاخامات الذين نقلت عنهم صحيفة (يديعوت أحرونوت) قولهم: “ندين موقف الحاخامات اليمينيين الذين حرّضوا الجنود على عصيان أوامر قادتهم في الجيش”. 

ويخطئون إذ يظنون أن التمرد انتهى بعد إصدار عقوبة بالسجن (28) يومًا للجنود المتمردين. 

مسرحية إعلامية

بقي أن نقول – لتوضيح الأمر وتأصيل أهدافه وحتى لا يُخدع أحد بالمشهد الدراماتيكي الذي ظهرت به عملية إجلاء (24) مستعمرًا يهوديًا من منزلين استولَوْا عليهما في الخليل: إن تلك الحملة الإعلامية الرهيبة التي انطلقت لنقل هذا الحدث أكدت أن إسرائيل تريد من وراء تلك الضجة الإعلامية اقتناص الكاميرات ووسائل الإعلام للتغطية على عشرات المستعمرين الآخرين المجاورين لنفس المنزلين التي أقامت الدنيا لتشهد عملية إجلائهما، بالإضافة إلى مئات آخرين يسومون الفلسطينيين سوء العذاب في شتى المناطق الفلسطينية المحتلة بصورة لا تتعدى كونها “لعبة إعلامية” من الجانب الإسرائيلي تسعى من ورائها إلى إضفاء المشروعية على باقي المستعمرات، وكأنها تقول: “إن باقي المستعمرات اليهودية شرعية وقانونية، وها نحن نزيل ونجلي المعتدين”، وهو هدف يستحق أن تضحي إسرائيل بثلة من أبنائها لتحقيقه. 

هذا الطرح يؤكده المحللون، ويستشهدون بالتوقيت الذي اختارته إسرائيل لإبراز تلك القضية قُبيل لقاء أولمرت عباس في أريحا، وكأن أولمرت يبعث رسالة لعباس مفادها: “لقد قدمتُ الكثير، هاأنذا تحدّيت أولادي في الجيش، وأجليت المستعمرين – من بيتين فقط – فلننظر ماذا ستقدم أنت؟”. 

وإذا أضفنا إلى هذا أن هؤلاء المستعمرين إنما دخلوا تلك البيوت واحتلوها تحت حماية قوات الاحتلال الإسرائيلي، اتضح لنا أن حادث الإخلاء ليس انعكاسًا لـ “طيبة قلب إسرائيل، أو تقاليدها الرفيعة التي لا تقبل بسرقة حقوق الآخرين بالإكراه”، إنما هو استيطان منظّم يتم بتأييد مطلق من الجيش، ولا بأس في بعض الأحيان من تسليط الضوء على بعض المستعمرين حين يتم إخراجهم من منازل احتلوها، وهم يصرخون، ويستغيثون أمام الكاميرات، في تمثيلية لاستدرار العطف الدولي والعربي، أو بالأحرى الضحك على كليهما.

 

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم العالم بالعربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

كيف سيؤثر الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد في المستقبل؟

يمكن للمؤسسات (الإعلامية والبحثية إلخ) الحصول على تقاريرنا حصريًا الآن. لمعرفة المزيد حول …