ترجمة: علاء البشبيشي

تواترت التقارير والتكهنات، أواخر سبتمبر، بشأن زيارتي البابا فرانسيس والرئيس الصيني شي جين بينغ إلى الولايات المتحدة.. وحُقَّ لوسائل الإعلام- إلى حدٍّ ما- أن تهتمّ. لكن تحت هذه الأكوام من التقارير، دُفِنَت قضيةٌ أخرى لا تقل أهمية، هي: البتّ في مسألةٍ مزمنة، غيَّرت بشكل ملحوظ القدرات العسكرية في الشرق الأوسط. 

ذلك أن فرنسا أعلنت موافقتها على بيع سفينتين هجوميتين برمائيتين من طراز ميسترال إلى مصر. هذا القرار الذي اتخذته باريس ليس نتيجة نوايا الفرنسيين والمصريين بقدر ما هو تأثير ثانوي للتحركات الأمريكية على المسرح العالميّ.

فيما يلي ثلاثة تحركات، اتخذتها الولايات المتحدة، هي التي دفعت ميسترال إلى حوزة المصريين:

(1) أظهرت توسعات حلف شمال الأطلسي شرقًا وصولا إلى دول البلطيق؛ سعي واشنطن وراء النفوذ في أوروبا الشرقية، بما في ذلك العديد من دول الاتحاد السوفيتي السابق. صحيحٌ أن الناتو ليس فقط كيانًا أمريكيًا، لكن الولايات المتحدة تعتبر مؤثرة بشكل كبير في الحلف، ويحظى أي تحرك للناتو، على أقل تقدير، بمباركة واشنطن. تُوِّج هذا التوجه الأمريكي شرقًا في أحداث أوكرانيا؛ وكنتيجة مباشرة، ضغطت الولايات المتحدة وأوروبا على فرنسا لرفض بيع سفن ميسترال لروسيا، التي موَّلت بناءها. 

(2) جاء التحرك الأمريكي الثاني عقب استجابة رد فعل الجيش المصري على الربيع العربي. لكن التجربة المصرية القصيرة مع الديمقراطية، وعدم استقرار حكومة محمد مرسي، تمخّض عن إعادة سيطرة الجيش بالطريقة السلطوية المعتادة. 

ردًا على ذلك، اضطرت الولايات المتحدة إلى توقيع بعض أشكال العقاب، رغم أن مصر حليف منذ فترة طويلة؛ واختارت واشنطن قطع معونتها العسكرية التي تقدر بمليار دولار سنويًا إلى مصر. ورغم أن القرار لم يفسد العلاقات الأمريكية-المصرية، فإنه لم يغير وجهة نظر مصر حيال الاعتماد على الولايات المتحدة باعتبارها المورد العسكري الوحيد.. ومنذ ذلك الحين سعت القاهرة لتنويع محفظتها من موردي الأسلحة. 

(3) صحيحٌ أن نقص الموارد المصرية أعاق بشكل كبير هذه الجهود، لكن التحرك الأمريكي الثالث جاء في صالح القاهرة. إذ تطوَّر الاتفاق النووي الإيراني، الذي كان ينظر إليه سابقا باعتباره حلما، ليصبح ممكنا، ثم حتميًا. وأدى ذلك إلى تغيير موازين القوى في الشرق الأوسط، وتَرَك السعودية متشككة حيال الأمن السياسي الذي يوفره تحالفها مع الولايات المتحدة. 

ونتيجة لذلك، أصبحت محاولات الرياض لمواجهة النفوذ الإيراني مباشرة في المنطقة أكثر نشاطا. وكانت الخطوة الكبيرة في هذه العملية، هي: سعي السعوديين لتعزيز التحالفات الأمنية الإقليمية، التي تعمل لتحقيق المصالح السعودية. تضمن ذلك محاولة تشكيل قوة عربية، تجمع فيها دول مجلس التعاون الخليجي بين: (1) مواردها الضخمة (2) وعناصرها العسكرية المحددة؛ لتشكل قوة موحدة، بالتعاون مع دول عربية أخرى. 

ومصر هي حجر الزاوية في هذه القوة العربية المقترحة بسبب قدراتها العسكرية، خاصة القوة البشرية. لكن تجميع الائتلافات الأمنية عملية شاقة وطويلة، ولم تسفر كافة محاولات الرياض ذات الصلة حتى الآن عن أي شيء ملموس.

في نهاية المطاف، أسفرت التحركات الأمريكية المذكورة آنفًا عن زواج مصلحة: 

(1) فبينما تريد مصر شراء معدات من جهة أخرى غير الولايات المتحدة، لكنها لا تستطيع تحمل تكلفتها، 

(2) فإن السعودية تريد إعادة التوازن في الشرق الأوسط عبر ائتلاف يتخطَّى مظلة الأمن الأمريكي. 

(3) وتوافر سفينتين حربيتين متقدمتين، من طرف خارجي، يمكن أن يجمع كافة المصالح في بوتقة واحدة. 

وحينما تُسَلَّم هاتين السفينتين، وتدخلان في نهاية المطاف إلى صفوف الجيش المصريّ؛ سوف تزيد تتسع خيارات القاهرة العسكرية، على الأرجح بسبب تطوير السعودية لفكرة القوة العربية. وسيكون لذلك آثاره على الدول المثيرة للجدل في المنطقة، مثل: اليمن وليبيا. 

ويمكن لهذه الآثار أن تتعارض بسهولة مع مصالح الولايات المتحدة في المستقبل.. ويالها من مفارقة!

كل هذا يشير إلى قوة الولايات المتحدة في العالم، والآثار المترتبة على ذلك. وبرغم كل شيء، يمكن أن تكون التداعيات عصيَّة على التنبؤ، وغير قابلة للسيطرة. 

صحيحٌ أن مدى ومستقبل القوة الأمريكية قابِلٌ للنقاش، إلا أن الولايات المتحدة هي اللاعب الأقوى حاليا، وبقية العالم يناوِر باستمرار للتعامل مع التحولات والآثار التي عادة ما تستغرق سنواتٍ لتظهَر.


شؤون خليجية

 

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم العالم بالعربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

الذكاء الاصطناعي سيكون له تأثير هائل على الاقتصاد في المستقبل

يمكن للمؤسسات (الإعلامية والبحثية إلخ) الحصول على تقاريرنا حصريًا الآن. لمعرفة المزيد حول …