علاء البشبيشي

خلال حملته الانتخابية التي استمرت عامين، قطع باراك أوباما على نفسه الكثير من وعود التغيير؛ تعهد بإصلاح نظام الرعاية الصحية، وتهدئة الصراع تدريجيًا على الجبهة العراقية، وإشعاله على الجبهة الأفغانية، وتغيير صورة الولايات المتحدة في عيون المجتمع الدولي، فضلاً عن تطليقٍ بائنٍ لسياسات سلفه بوش، كل ذلك بينما يُبقِي عينًا يقظة على الإنفاق ويحمي الطبقة المتوسطة من زيادة الضرائب.

بينما يخوض أوباما حملته الانتخابية لولاية ثانية، تبدو مناسبة جيدة لاستعراض بعض أهم الوعود التي قطعها على نفسه خلال حملته الانتخابية، في محاولة لتقييمها في ظل ما أنجزه حتى الآن.

الشفافية

تعهد أوباما أثناء مناظرة عُقِدت في 31 يناير 2008 في لوس أنجلوس بتفعيل مبدأ الشفافية، وعدم عقد أي مفاوضات وراء الأبواب المغلقة، بل بثها عبر شبكة سي-سبان، المخصصة للتغطية المستمرة لاجتماعات الحكومة والأمور العامة؛ حتى يتمكن الشعب من متابعة الخيارات المطروحة.

وقد نكث أوباما وعده.. فحينما كان وحلفاؤه في الكونجرس يدْلون بخطابات وإفادات لا حصر لها حول إصلاح الرعاية الصحية، كانت معظم المفاوضات تتم خلف الأبواب المغلقة ولم يعلم الشعب عنها شيئًا.

الإنفاق

وفي 7 أكتوبر 2008 تعهد أوباما في مناظرة شهدتها ناشفيل، بتقليل النفقات، منتقدًا بوش الذي تضاعف الدين القومي أثناء فترة حكمه ليقفز من 5 تريليون دولار، إلى 10 تريليون دولار.

وأيضًا نكث أوباما وعده هذا..  فقد تضاعف العجز في الميزانية الفيدرالية لعام 2009 ثلاثة أضعاف، ليسجل 1,4 تريليون دولار، حسب تقدير مكتب الميزانية في الكونجرس، أكتوبر الماضي. وهو ما يزيد بواقع تريليون دولار عن عجز الـ 459 مليارًا الذي سُجِّل في سنة بوش الأخيرة. ورغم أن أوباما ما يزال يرغب في تخفيض العجز بصورة كبيرة قبل نهاية فترته الرئاسية الأولى، تشير الإحصائيات إلى أن عجز السنة المالية 2010 سيتخطى حاجز التريليون دولار. حتى إذا تمكن أوباما من إحداث تغييرات كبرى في السياسة المالية وخفض العجز بواقع النصف، ستبقى مئات المليارات من الدولارات تضاف إلى صندوق الدَّين القومي.

التأمين الصحي

تعهد أوباما خلال حملته الانتخابية باستصدار قانون جديد، قبل نهاية عامه الأول، يعالج قضية التأمين الصحي بكل جوانبها من حيث الضمانات والالتزامات، ويضمن وصول الرعاية لكل أمريكي.

لكن كلما حاول الرئيس الأمريكي إقناع أبناء شعبه بضرورة الإتيان بنموذج جديد للتأمين الصحي، كلما تناقص الدعم له في هذا المسعى. بل من المتوقع أن تتزايد العقبات مع خسارة الديمقراطيين الأغلبية في الكونجرس.

وتشير استطلاات الرأي إلى خسارة أوباما شعبيته بين أغلبية الأمريكيين الذين يتمتعون الآن بتأمين صحي، بعدما نجحت المعارضة اليمينية في ترويج فكرة أن الرئيس أوباما يسعى لتطبيق نموذج اشتراكي، الأمر الذي يعارضه أغلب الأمريكيين.

وكان أوباما قد عبّر عن وجهة نظر مناقضة خلال الانتخابات الديمقراطية الأولية، حينما كان أحد الفروق السياسية الطفيفة بينه وبين هيلاري كلينتون كونها تدعم التفويض الفردي بينما هو لا يفعل. وقد دافع بإصرار عن القرار، قائلاً: إن السبب وراء عدم حصول الناس على تأمين صحي هو أنهم لا يتحملون نفقاته، وليس لأنهم لا يريدونه.

يُذكَر أن الرئيس السابق “بيل كلينتون” حاول استخدام نفس التكتيك لإنقاذ خططه التي قدمها في العام 1993 بشأن الإصلاحات في قطاع الرعاية الصحية أيضًا، ولكنه فشل فشلاً ذريعًا، وكانت النتيجة اهتزاز مكانته كشخص متميز وترنُّح رئاسته بشكل عام، وهو السيناريو المرشح لأن يخوضه أوباما.

قوانين الهجرة

وفي 21 فبراير 2008 تعهد أوباما خلال مناظرة عقدت في أوستن بإصلاح قوانين الهجرة، وهو ما اعتبره البعض سعيًا وراء أصوات ذوي الأصول الأسبانية، قائلا يومها: “نحن بحاجة إلى إصلاح شامل”.

لكن مع معارك الرعاية الصحية واشتعال حربين، وانشغاله بالعديد من القضايا الأخرى، لم يجد أوباما بدًا سوى الاعتراف بالعجز عن خوض معركة إصلاح قوانين الهجرة هذا العام. مناورًا: “لم يكن ذلك بالضبط أولوية بالنسبة لإدارتي”!

لكنه عاد ليستدرك: “إن عام 2010 يمكن أن يكون عامًا لإضفاء الشرعية على ملايين العاملين غير الشرعيين على الأراضي الأمريكية”.

بعد عامٍ، ربما نتوقف مع جرد مماثل، ونرى!

جوانتانامو

وفي يوم 4 يونيو تعهد أوباما أثناء خطابٍ له بإغلاق معتقل جوانتانامو، بحلول نهاية عامه الأول، معللًا ذلك بقوله: “وجود جوانتانامو على الأرجح خلق إرهابيين في جميع أنحاء العالم يزيد عددهم على المحتجزين فيه. لقد تحوَّل جوانتانامو إلى معسكر تجنيد يستخدمه أعداؤنا.. الخطوة الأولى لاستعادة مكانة أمريكا في العالم هي إغلاق هذا المعتقل. وكرئيسٍ، سأعمل على إغلاق هذا المعتقل في خليج جوانتانامو”.

وبالفعل، بعد يومين من أدائه القسم، أصدر أوباما أمرًا تنفيذيًا بإغلاق معتقل جوانتانامو خلال عام واحد. لكن هذا القرار واجه عراقيل عدة، فيما حذر مسئولون بارزون من صعوبة الوفاء بهذا التعهد قبل الموعد المقرر في يناير 2010.

وزير الدفاع روبرت جيتس، قال في سبتمبر: سيكون من الصعوبة بمكان تحقيق هذا الهدف.

المدعي العام إريك هولدر أقرَّ بنفس الشيء منذ وقت مبكر، وتحديدًا في أكتوبر، رغم تأكيده أن “جوانتانامو سيغلَق في نهاية المطاف”، لكن متى؟ هذا هو السؤال!

التعامل مع المعتقلين

أيضًا تعهد أوباما خلال خطاب له في العاصمة واشنطن، غُرة أغسطس 2007، بالسعي لوضع حد لكل ما كان سائدًا في عهد الرئيس السابق جورج بوش فيما يتعلق بشؤون الاستجواب والاحتجاز، ونقل المعتقلين إلى سجون أخرى بدول العالم. قائلاً: “حينما أصبح رئيسًا سترفض الولايات المتحدة التعذيب بدون استثناء. فأمريكا هي الدولة التي وقفت في وجه هذه الممارسة من قبل، وسنفعل ذلك مجددًا”.

حقًا أصدر الرجل قرارًا تنفيذيًا في يناير بحظر التعذيب، وأمر أيضًا بأن يتم أي استجواب وفق الشروط المنصوص عليها في دليل الجيش الأمريكي الميداني الخاص بالاستجواب الذي يتفق مع المعاهدات الأمريكية والمعاملة الإنسانية للسجناء والأسرى طبقًا للقوانين والالتزامات الدولية. إلا أن موقفه حيال أوجه التعذيب الأخرى لا يزال غامضًا. ذلك أنه حينما طالب بوقف هذه الممارسات قال المسئولون: إن عملية نقل المعتقلين إلى دول أجنبية ستستمر، فقط ما قالته الإدارة هو أنها ستحاول ضمان ألا يتعرض هؤلاء المعتقلون للتعذيب في الدول الأخرى.

هذا التغير في اللهجة أثار انتقادات حادة ضده من قبل جماعات الحقوق المدنية.

جماعات الضغط

وفي 19 يناير 2000، قال أوباما في خطابٍ آخر: “حينما تسير في أروقة إدارتي، لن يكون بإمكانك اللعب على وتر العلاقات الشخصية أو العقود المتعلقة بمستخدمك السابق”.

وقد أخلَّ أوباما بتعهده هذا منذ البداية، بترشيحه “ويليام لين”، لمنصب نائب وزير الدفاع.

“لين” كان يشغل حتى يوليو المنصرم منصب نائب رئيس شركة “رايثيون” الأمريكية للصناعات الإلكترونية والدفاعية، ودافع عن العديد من البرامج العسكرية.

بنظرة أعم يمكننا القول، إن الأداء السياسي الأمريكي يمثل أسوأ ما في واشنطن، ولجماعات الضغط عامة دور بارز يعكر من صورة ممارسة السياسة، خاصة داخل أروقة الكونجرس. فاللوبى يتبنى سياسة التخويف، ويمارسها بالفعل على العديد من أعضاء مجلس النواب بصورة ناجحة للغاية، وبسبب تكرار الانتخابات كل عامين، لا يخاطر أغلب النواب بتبني مشروعات قرارات دراماتيكية تعارض الوضع القائم، بدءًا بالتأمين الصحي، وصولاً لقضايا الصراع العربي ـ الإسرائيلي.

وقد اضطر أوباما للرضوخ للكثير من الضغوط من داخل حزبه وخارجه، وهو ما يظهر جليًا في ارتفاع نبرة إدارته ضد سياسة الاستيطان الإسرائيلية، ثم تراجعها على نحو بارز بسبب ضغوط اللوبي اليهودي بواشنطن، وعدم رغبة أوباما في معارك إضافية في هذا الوقت الحرج.

“يجب أن نعلم أن أوباما ليس صانع معجزات، وأن تعبير “أقوى رجل في العالم” خادع للغاية”.

(المحللة السياسية، والخبيرة في العلوم السياسية والشئون الأمريكية، “نيكول بشاران)

 

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم العالم بالعربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

الذكاء الاصطناعي سيكون له تأثير هائل على الاقتصاد في المستقبل

يمكن للمؤسسات (الإعلامية والبحثية إلخ) الحصول على تقاريرنا حصريًا الآن. لمعرفة المزيد حول …