ترجمة: علاء البشبيشي

لتستطيع تقييم الآثار المترتبة على رفع العقوبات الإيرانية؛ قد يكون من المفيد أن تنظر إلى السياق الإقليمي في يوم تنفيذ الاتفاق. وعلى وجه التحديد، هناك ثلاث نقاط تستحق الدراسة: (1) تأثير رفع العقوبات على (1) التنافس السياسي داخل إيران، (2،3) تأثير ذلك على الوضع الحالي في العراق وسوريا.

إيران

سوف يمنح إلغاء العقوبات المعتدلين في طهران دفعة هم في أمس الحاجة إليها بينما تدق عقارب الساعة مقتربة من موعد الانتخابات الرئاسية والعامة. ولطالما كان المتشددون والحرس الثوري يعارضون الاتفاق النووي، وأكثر ما يخشونه: أن يخلق تطبيع العلاقات مع العالم الخارجي زخما يستهدف ليس فقط مصالحهم ولكن أيضًا وجودهم ذاته.

ذلك أن الحرس الثوري تحوَّل إلى ما يشبه “الدولة داخل الدولة”. هذا يعني في الحالات المماثلة درجة من الحصانة السياسية التي تحميه من محاولات الدولة السياسية للحد من دوره، أو إصلاح القطاعات التي تستضيف مصالحه.

مخاوف الحرس الثوري

ولأن الحرس الثوري يدرك أن الاتفاق النووي سوف يستتبع انفتاحا على العالم الخارجي في كافة المجالات، فقد كان متشككا حياله. ولأن بعض الأنشطة التجارية التي كانت تتم في الظل لن يكون هناك حاجة إليها بعد الآن؛ من المتوقع أن تتراجع قبضته الاقتصادية.

من المتوقع أيضًا أن تواجه سياساته الأمنية العدوانية، خارجيا وداخليا، تحديًا في ظل تراجع الحاجة إلى مثل هذه الأساليب. ويرجح كذلك أن يؤدي الانفتاح على عالمٍ خارجيٍّ ومختلِف إلى تخفيف حدة الأفكار الثورية المتعصبة التي تمثل عموده الفقري الأيديولوجي.

تفاؤل حذر

لكن في هذه الحالة ينبغي ألا يجرفنا التفاؤل. ذلك أن لحظة التحول في إيران لها سمات خاصة جدا، تدفعنا إلى توقع احتدام الصراع على السلطة الإيرانية الداخلية. وفي ظل قاعدة ثقافية مواتية، وسلسلة مساجد منتشرة في كل مكان، سوف يستغرق تقلُّص دور الحرس الثوري وقتا طويلا.

علاوة على ذلك، فإن الإصلاحيين ليسوا موحدين، ويفتقرون إلى قوة سياسية نافذة ومنظمة جيدًا، وتتمتع بالتواجد الواسع ذاته وسط كافة المجتمعات. كما سيؤدي الاتفاق النووي إلى مزيد من البلورة واحتدام الصراع بين وجهات النظر المختلفة حول مستقبل إيران.

أسئلة

وعادة ما تنتهي المعركة بنصر المعتدلين، ويرجع ذلك أساسا إلى أسباب موضوعية واقتصادية. لكن السؤال هو: كم سيستغرق ذلك من الوقت في حالة إيران؟ وأي ثمن ستدفعه البلاد من استقرارها الداخلي؟ وإلى أي مدى سيكون آية الله خامنئي، وهو مريضٌ ويحمل آراء متشددة، قادرا على لعب دور رجل الدولة الذي لا يتسم دائما بالثورية؟

فوائد للإصلاحيين

ورغم أن الأثر الاقتصادي لرفع العقوبات سيكون محدودًا على المدى الطويل، في ظل استبعاد تعافي أسعار النفط قريبًا، فإن الأموال المفرج عنها ستكون مفيدة نظريًا للإصلاحيين. وأحد العوامل التي أضحت الواضحة الآن، هو ارتفاع شعبيتهم بعد إلغاء العقوبات الدولية، ما سيلعب دورا كبيرًا في الانتخابات المقررة في فبراير 2016، إذا سُمِح لهم بالترشُّح، لا سيما أن الوقت المتبقي قبل الانتخابات قصير جدا حتى يسمح للناخبين الإيرانيين بأن يصابوا بأي خيبة أمل تتعلق بتوقعاتهم الإيجابية غير الواقعية. 

قرار خامنئي

كما سينتخب البرلمان مجلسا للخبراء، من المؤكد أن يعيد انتخاب خامنئي، إذا لم يتخلى القائد الأعلى عن منصبه لأسباب صحية.

وعلى افتراض أن كافة الأمور ستسير كما هو مخطط لها، لن يمنع خامنئي الإصلاحيين من الترشح، وقد يحققون مكاسب كبيرة في الانتخابات. لكن كل هذا يتوقف- بطريقة أو بأخرى- على قرار استراتيجي من خامنئي وبعض الشخصيات القوية الأخرى في طهران بالسماح لهم بالفوز بأغلبية حاسمة.

وإذا كان ذلك ضروريا لتنفيذ تحول تدريجي في الاتجاه الاستراتيجي للدولة، سوف يضمن خامنئي- وهو الشخصية السياسية الأقوى في إيران- أن يحدث هذا التحول سلسًا وبطريقة منظمة.

تحوّل بطيء

لكن جمود القائد ومنظومته الفكرية يجعلنا نستبعد أن يحدث ذلك- إذا حدث أصلا- بوتيرة سريعة. ذلك أن أي تحوُّل مفاجئ في اتجاه البلاد التي يقودها الإصلاحيون بعد مكاسبهم المتوقعة في الانتخابات المقبلة سوف يسفر عن رد فعل عنيف من المتشددين في لحظةٍ لا يزالون يتمتعون خلالها بدور قوي جدا داخل بنية الدولة والاقتصاد. وسوف تستغرق الاتجاهات الموضوعية وقتا طويلا لتقويض قاعدتهم خاصة في ظل غياب خصم يتمتع بالقوة ذاتها (من حيث التنظيم السياسي لا الشعبية غير المنظمة).

الكلمة الفصل

والكلمة الفصل في هذه اللحظة الحساسة من تاريخ إيران السياسي هي: كيف ستُقاد البلاد بحكمة في اتجاه الريح، مع تجنب أي أخطاء كبيرة قد تحولها مرة أخرى إلى الاتجاه المضاد.

أما إذا نجح المتشددون في الهيمنة على الإصلاحيين، بناء على أخطاء الأخيرين الكبيرة أو نهجهم المتسرع، سوف نكون في طريقنا إلى فترة من عدم الاستقرار الطويل داخل إيران والشرق الأوسط. لكن المتشددون سيواجهون صعوبة في قمع تطلعات الجمهور حينما يؤمن بأن تطلعاته على وشك التحقق.

العراق

أظهرت الأحداث التي شهدتها ديالي مؤخرًا كيف يمكن لتنظيم الدولة أن يستغل الطائفية المتفجرة لعرقلة أي محاولة لتحسين المناخ العام في العراق. حيث أحرق متعصبون شيعة ينتمون لقوات الحشد الشعبي عددًا من المساجد السنية، في أعقاب هجمات انتحارية قام بها أعضاء في تنظيم الدولة.

وكالعادة سنجد كلا المجموعتين، “الدولة” و”الحشد”، يكملان الدائرة التي يرسم كل طرف نصفها. لكن الهدف الحقيقي وراء الهجمات ضد المساجد كان منع السكان السنة الأصليين من العودة إلى ديارهم. فاللعبة المفضلة لدى “الدولة” و”الحشد” هي التطهير الطائفي. كما غادر المزيد من السنة المقدادية في ديالي بعد إحراق مساجدهم.

احتواء المليشيات

وفي حين أشيع أن قاسم سليماني مات سريريًا في طهران بعد استهدافة في نوفمبر الماضي قرب حلب السورية، يبدو أن قوات الحشد قد تفقد قدرتها التكتيكية. والأمر متروك لطهران في كبح جماح “الحشد”، وقبول خطة العبادي بإعادة هيكلة بنية قيادتها، وتمكينه من تنفيذ خطته.

وناقش السياسيون في بغداد بعض الأفكار الجديدة حول احتواء معظم المليشيات في القوات المسلحة بموازاة استيعاب قوات القبائل السنية أيضًا في القوات المسلحة الوطنية. وظهرت هذه الفكرة كبديل للحرس الوطني الذي عارضته الجماعات السياسية الشيعية المتطرفة خشية تشكيل قوة سنية مستقلة.

تغيير الأهداف

لكن جوهر المشكلة العراقية لا يزال يكمن في اتخاذ إيران قرارا استراتيجيًا بالسماح لحكومة وحدة وطنية، والتحكم في قوات “الحشد” التي تبدو عصية على السيطرة. وهذا لن يحدث دون تعليمات من خامنئي لقوات القدس بتغيير أهدافها في العراق والتركيز فقط على حماية جنوب البلاد. لكن ببساطة سوف تواصل قوة القدس التابعة للحرس الثوري وحلفاؤها العراقيون عرقلة أي حل وطني في العراق.

إن العامل الأكثر أهمية لإنهاء الأزمة السياسية في العراق هو موقف إيران. وبعد رفع العقوبات قبل أيام، ليس من الواضح بعد ما إذا كانت طهران سوف تكتفي بالجنوب في مقابل ضمانات تتعلق بوسط العراق وتأكيدات بعدم التعرض للاعتداء من القبائل السنية وداعميهم الإقليميين.

سوريا

الوضع في دير الزور مقلق حقا. حيث أحرز تنظيم الدولة بعض التقدم الكبير هناك. ومع ذلك، لا تزال الاتجاهات الكلية للأزمة هي ذاتها لم تتغير. فمن المستحيل التوصل إلى حلٍّ يقضي ببقاء الأسد على رأس النظام في المستقبل. وينبغي أن يكون المبدأ الرئيسي المنظّم هو: سوريا خالية من كافة الوجود الأجنبي والمنظمات الإرهابية.

لحظة مواتية

وسوف تستغرق سوريا المحايدة إقليميًا عقدين أو أكثر لتعيد بناء ما دُمِّر، وتستعيد تماسكها الداخلي. وهي الأهداف التي يستحيل تحقيقها في وجود الإرهابيين الذين يتحركون بحرية في البلاد. ونحن نؤيد التقدير الذي يذهب إلى أن هزيمة داعش سوف تستغرق فترة قصيرة نسبيًا، بالسنوات لا الشهور، إذا تم التوصل إلى حل معقول في سوريا.

وقد تكون هذه اللحظة مواتية لدفع خطة شاملة لتهدئة الشرق الأوسط. ونرى أن الكرة الآن في ملعب إيران. والاتجاه الذي ستسلكه، سوف يحدد طبيعة المرحلة المقبلة في الصراعات الإقليمية.

مستقبل سوريا

في حالة سوريا، على سبيل المثال، يمكن لصفقة إقليمية، بموازاة اتفاق دولي بشأن خارطة الطريق، أن تلعب دورا حاسمًا في التوصل إلى اتفاق بشأن مستقبل سوريا الخالي من دكتاتورية الأسد، والإرهابيين، وكل المسلحين الأجانب، إلا القوات التي تنشرها الأمم المتحدة بموافقة تامة من السوريين.

حان الوقت لاستخدام الصفقة النووية لتحقيق ما كان يفترض أن يتحقق قبل التوقيع عليها.. لكن الوقت لم يفت بعد.

 


 

شؤون خليجية 

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم العالم بالعربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

الذكاء الاصطناعي سيكون له تأثير هائل على الاقتصاد في المستقبل

يمكن للمؤسسات (الإعلامية والبحثية إلخ) الحصول على تقاريرنا حصريًا الآن. لمعرفة المزيد حول …

ترجمة: علاء البشبيشي

لتستطيع تقييم الآثار المترتبة على رفع العقوبات الإيرانية؛ قد يكون من المفيد أن تنظر إلى السياق الإقليمي في يوم تنفيذ الاتفاق. وعلى وجه التحديد، هناك ثلاث نقاط تستحق الدراسة: (1) تأثير رفع العقوبات على (1) التنافس السياسي داخل إيران، (2،3) تأثير ذلك على الوضع الحالي في العراق وسوريا.

إيران

سوف يمنح إلغاء العقوبات المعتدلين في طهران دفعة هم في أمس الحاجة إليها بينما تدق عقارب الساعة مقتربة من موعد الانتخابات الرئاسية والعامة. ولطالما كان المتشددون والحرس الثوري يعارضون الاتفاق النووي، وأكثر ما يخشونه: أن يخلق تطبيع العلاقات مع العالم الخارجي زخما يستهدف ليس فقط مصالحهم ولكن أيضًا وجودهم ذاته.

ذلك أن الحرس الثوري تحوَّل إلى ما يشبه “الدولة داخل الدولة”. هذا يعني في الحالات المماثلة درجة من الحصانة السياسية التي تحميه من محاولات الدولة السياسية للحد من دوره، أو إصلاح القطاعات التي تستضيف مصالحه.

مخاوف الحرس الثوري

ولأن الحرس الثوري يدرك أن الاتفاق النووي سوف يستتبع انفتاحا على العالم الخارجي في كافة المجالات، فقد كان متشككا حياله. ولأن بعض الأنشطة التجارية التي كانت تتم في الظل لن يكون هناك حاجة إليها بعد الآن؛ من المتوقع أن تتراجع قبضته الاقتصادية.

من المتوقع أيضًا أن تواجه سياساته الأمنية العدوانية، خارجيا وداخليا، تحديًا في ظل تراجع الحاجة إلى مثل هذه الأساليب. ويرجح كذلك أن يؤدي الانفتاح على عالمٍ خارجيٍّ ومختلِف إلى تخفيف حدة الأفكار الثورية المتعصبة التي تمثل عموده الفقري الأيديولوجي.

تفاؤل حذر

لكن في هذه الحالة ينبغي ألا يجرفنا التفاؤل. ذلك أن لحظة التحول في إيران لها سمات خاصة جدا، تدفعنا إلى توقع احتدام الصراع على السلطة الإيرانية الداخلية. وفي ظل قاعدة ثقافية مواتية، وسلسلة مساجد منتشرة في كل مكان، سوف يستغرق تقلُّص دور الحرس الثوري وقتا طويلا.

علاوة على ذلك، فإن الإصلاحيين ليسوا موحدين، ويفتقرون إلى قوة سياسية نافذة ومنظمة جيدًا، وتتمتع بالتواجد الواسع ذاته وسط كافة المجتمعات. كما سيؤدي الاتفاق النووي إلى مزيد من البلورة واحتدام الصراع بين وجهات النظر المختلفة حول مستقبل إيران.

أسئلة

وعادة ما تنتهي المعركة بنصر المعتدلين، ويرجع ذلك أساسا إلى أسباب موضوعية واقتصادية. لكن السؤال هو: كم سيستغرق ذلك من الوقت في حالة إيران؟ وأي ثمن ستدفعه البلاد من استقرارها الداخلي؟ وإلى أي مدى سيكون آية الله خامنئي، وهو مريضٌ ويحمل آراء متشددة، قادرا على لعب دور رجل الدولة الذي لا يتسم دائما بالثورية؟

فوائد للإصلاحيين

ورغم أن الأثر الاقتصادي لرفع العقوبات سيكون محدودًا على المدى الطويل، في ظل استبعاد تعافي أسعار النفط قريبًا، فإن الأموال المفرج عنها ستكون مفيدة نظريًا للإصلاحيين. وأحد العوامل التي أضحت الواضحة الآن، هو ارتفاع شعبيتهم بعد إلغاء العقوبات الدولية، ما سيلعب دورا كبيرًا في الانتخابات المقررة في فبراير 2016، إذا سُمِح لهم بالترشُّح، لا سيما أن الوقت المتبقي قبل الانتخابات قصير جدا حتى يسمح للناخبين الإيرانيين بأن يصابوا بأي خيبة أمل تتعلق بتوقعاتهم الإيجابية غير الواقعية. 

قرار خامنئي

كما سينتخب البرلمان مجلسا للخبراء، من المؤكد أن يعيد انتخاب خامنئي، إذا لم يتخلى القائد الأعلى عن منصبه لأسباب صحية.

وعلى افتراض أن كافة الأمور ستسير كما هو مخطط لها، لن يمنع خامنئي الإصلاحيين من الترشح، وقد يحققون مكاسب كبيرة في الانتخابات. لكن كل هذا يتوقف- بطريقة أو بأخرى- على قرار استراتيجي من خامنئي وبعض الشخصيات القوية الأخرى في طهران بالسماح لهم بالفوز بأغلبية حاسمة.

وإذا كان ذلك ضروريا لتنفيذ تحول تدريجي في الاتجاه الاستراتيجي للدولة، سوف يضمن خامنئي- وهو الشخصية السياسية الأقوى في إيران- أن يحدث هذا التحول سلسًا وبطريقة منظمة.

تحوّل بطيء

لكن جمود القائد ومنظومته الفكرية يجعلنا نستبعد أن يحدث ذلك- إذا حدث أصلا- بوتيرة سريعة. ذلك أن أي تحوُّل مفاجئ في اتجاه البلاد التي يقودها الإصلاحيون بعد مكاسبهم المتوقعة في الانتخابات المقبلة سوف يسفر عن رد فعل عنيف من المتشددين في لحظةٍ لا يزالون يتمتعون خلالها بدور قوي جدا داخل بنية الدولة والاقتصاد. وسوف تستغرق الاتجاهات الموضوعية وقتا طويلا لتقويض قاعدتهم خاصة في ظل غياب خصم يتمتع بالقوة ذاتها (من حيث التنظيم السياسي لا الشعبية غير المنظمة).

الكلمة الفصل

والكلمة الفصل في هذه اللحظة الحساسة من تاريخ إيران السياسي هي: كيف ستُقاد البلاد بحكمة في اتجاه الريح، مع تجنب أي أخطاء كبيرة قد تحولها مرة أخرى إلى الاتجاه المضاد.

أما إذا نجح المتشددون في الهيمنة على الإصلاحيين، بناء على أخطاء الأخيرين الكبيرة أو نهجهم المتسرع، سوف نكون في طريقنا إلى فترة من عدم الاستقرار الطويل داخل إيران والشرق الأوسط. لكن المتشددون سيواجهون صعوبة في قمع تطلعات الجمهور حينما يؤمن بأن تطلعاته على وشك التحقق.

العراق

أظهرت الأحداث التي شهدتها ديالي مؤخرًا كيف يمكن لتنظيم الدولة أن يستغل الطائفية المتفجرة لعرقلة أي محاولة لتحسين المناخ العام في العراق. حيث أحرق متعصبون شيعة ينتمون لقوات الحشد الشعبي عددًا من المساجد السنية، في أعقاب هجمات انتحارية قام بها أعضاء في تنظيم الدولة.

وكالعادة سنجد كلا المجموعتين، “الدولة” و”الحشد”، يكملان الدائرة التي يرسم كل طرف نصفها. لكن الهدف الحقيقي وراء الهجمات ضد المساجد كان منع السكان السنة الأصليين من العودة إلى ديارهم. فاللعبة المفضلة لدى “الدولة” و”الحشد” هي التطهير الطائفي. كما غادر المزيد من السنة المقدادية في ديالي بعد إحراق مساجدهم.

احتواء المليشيات

وفي حين أشيع أن قاسم سليماني مات سريريًا في طهران بعد استهدافة في نوفمبر الماضي قرب حلب السورية، يبدو أن قوات الحشد قد تفقد قدرتها التكتيكية. والأمر متروك لطهران في كبح جماح “الحشد”، وقبول خطة العبادي بإعادة هيكلة بنية قيادتها، وتمكينه من تنفيذ خطته.

وناقش السياسيون في بغداد بعض الأفكار الجديدة حول احتواء معظم المليشيات في القوات المسلحة بموازاة استيعاب قوات القبائل السنية أيضًا في القوات المسلحة الوطنية. وظهرت هذه الفكرة كبديل للحرس الوطني الذي عارضته الجماعات السياسية الشيعية المتطرفة خشية تشكيل قوة سنية مستقلة.

تغيير الأهداف

لكن جوهر المشكلة العراقية لا يزال يكمن في اتخاذ إيران قرارا استراتيجيًا بالسماح لحكومة وحدة وطنية، والتحكم في قوات “الحشد” التي تبدو عصية على السيطرة. وهذا لن يحدث دون تعليمات من خامنئي لقوات القدس بتغيير أهدافها في العراق والتركيز فقط على حماية جنوب البلاد. لكن ببساطة سوف تواصل قوة القدس التابعة للحرس الثوري وحلفاؤها العراقيون عرقلة أي حل وطني في العراق.

إن العامل الأكثر أهمية لإنهاء الأزمة السياسية في العراق هو موقف إيران. وبعد رفع العقوبات قبل أيام، ليس من الواضح بعد ما إذا كانت طهران سوف تكتفي بالجنوب في مقابل ضمانات تتعلق بوسط العراق وتأكيدات بعدم التعرض للاعتداء من القبائل السنية وداعميهم الإقليميين.

سوريا

الوضع في دير الزور مقلق حقا. حيث أحرز تنظيم الدولة بعض التقدم الكبير هناك. ومع ذلك، لا تزال الاتجاهات الكلية للأزمة هي ذاتها لم تتغير. فمن المستحيل التوصل إلى حلٍّ يقضي ببقاء الأسد على رأس النظام في المستقبل. وينبغي أن يكون المبدأ الرئيسي المنظّم هو: سوريا خالية من كافة الوجود الأجنبي والمنظمات الإرهابية.

لحظة مواتية

وسوف تستغرق سوريا المحايدة إقليميًا عقدين أو أكثر لتعيد بناء ما دُمِّر، وتستعيد تماسكها الداخلي. وهي الأهداف التي يستحيل تحقيقها في وجود الإرهابيين الذين يتحركون بحرية في البلاد. ونحن نؤيد التقدير الذي يذهب إلى أن هزيمة داعش سوف تستغرق فترة قصيرة نسبيًا، بالسنوات لا الشهور، إذا تم التوصل إلى حل معقول في سوريا.

وقد تكون هذه اللحظة مواتية لدفع خطة شاملة لتهدئة الشرق الأوسط. ونرى أن الكرة الآن في ملعب إيران. والاتجاه الذي ستسلكه، سوف يحدد طبيعة المرحلة المقبلة في الصراعات الإقليمية.

مستقبل سوريا

في حالة سوريا، على سبيل المثال، يمكن لصفقة إقليمية، بموازاة اتفاق دولي بشأن خارطة الطريق، أن تلعب دورا حاسمًا في التوصل إلى اتفاق بشأن مستقبل سوريا الخالي من دكتاتورية الأسد، والإرهابيين، وكل المسلحين الأجانب، إلا القوات التي تنشرها الأمم المتحدة بموافقة تامة من السوريين.

حان الوقت لاستخدام الصفقة النووية لتحقيق ما كان يفترض أن يتحقق قبل التوقيع عليها.. لكن الوقت لم يفت بعد.

 


 

شؤون خليجية 

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم العالم بالعربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

الذكاء الاصطناعي سيكون له تأثير هائل على الاقتصاد في المستقبل

يمكن للمؤسسات (الإعلامية والبحثية إلخ) الحصول على تقاريرنا حصريًا الآن. لمعرفة المزيد حول …