ترجمة/ علاء البشبيشي
الجهاد العالمي ينقلب ضد نفسه
مثل أي منظمة مترامية الأطراف، شهدت القاعدة نصيبها العادل من الاقتتال الداخلي المرتدي ثوب البيروقراطية، لكن المشاحنات وصلت ذروتها منذ تولى أيمن الظواهري رئاسة المنظمة قبل عامين؛ حيث يتناحر اثنان من الفروع الأربعة الرئيسية التابعة للقاعدة (حركة الشباب والقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي) بشدة وأحيانًا بعنف من أجل فرض السيطرة على شمال وغرب إفريقيا، بينما يقوم فرع آخر، هو القاعدة في العراق, بتحدي إرادة الظواهري علنا في سوريا. وإذا أراد الظواهري توجيه اللوم  لأحد في نقص النظام، ينبغي عليه أن ينظر لنفسه أولا؛ فالمشاحنات كانت إلى حد كبير نتيجة لقراره توسيع نطاق عمل القاعدة بشكل كبير جدًّا
ومن المفارقات، أن أحد الأسباب الرئيسية التي جعلت منتسبي القاعدة ليسوا أصدقاء هي الفرص الكثيرة جدًّا أمامهم، فقد خلقت الاضطرابات في العالم العربي فراغات أمنية سعى الظواهري لاستغلالها بدعوة أتباعه المحليين بإنشاء فروع لهم، وبينما كانوا يتحركون، غالبًا ما اختلفوا بشأن من ينبغي أن يتولى القيادة
وتتبوأ الحالة السورية مكانا محوريًا في هذا السياق؛ ففي 9 أبريل أعلن أبو بكر البغدادي، أمير دولة العراق الإسلامية– إحدى واجهات القاعدة في العراق– أن جماعته ستغير اسمها إلى الدولة الإسلامية في العراق والشام، مشيرًا إلى رغبته في لعب دور أكبر في الحرب الأهلية السورية (تشير “الشام” إلى سوريا والمنطقة المحيطة بها). وادعى الأمير أيضًا أن القاعدة قاتلت بالفعل في سوريا في ثوب جبهة النصرة، التي قال إنها تابعة له، لكن حتى الآن يرفض زعيم جبهة النصرة، أبو محمد الجولاني، الاعتراف بـ”البغدادي” قائدًا له؛ وبدلا من ذلك تعهد بيمين الولاء المباشر للظواهري. وردًّا على هذا الخلاف، بعث الظواهري برسالة خاصة يقرر فيها أن كلا الرجلين أخطأ؛ بغدادي بعدم مشاورته جولاني، وجولاني برفضه الانضمام إلى الدولة الإسلامية في العراق والشام، وتقديم الولاء مباشرة للظواهري دون الحصول على إذن من تنظيم القاعدة المركزي، كما قضى الظواهري أيضًا بأن الدولة الإسلامية في العراق والشام يجب أن تعود إلى اسمها القديم، وتركيزها الأكثر محدودية، وسوف تبقى جبهة النصرة الفرع الرئيس التابع للقاعدة في سوريا، كـ “فرع مستقل” تابع لـ القيادة العامة
أما وقد انتهى الشجار هناك، فمن شأن الظواهري أن يشعر بالحرج قليلاً من نظرة الجمهور أنه لم يكن في الصورة، لكنه على الأقل أحبط الصراع بنجاح. ومع ذلك، لدى البغدادي خططًا أخرى؛ ففي رسالة عامة إلى الظواهري بعد استلامه المذكرة، رفض رسالة الظواهري على أسس دينية ومنهجية، قائلاً “اختار أمر ربي على أمر الرسالة المناقض له”، وعبر تاريخ القاعدة الذي يمتد لربع قرنٍ لم يختلف تابع أبدًا مع الرئيس بمثل هذه الصفاقة
إدرة الظواهري الضعيفة ليست بالضرورة نعمة للولايات المتحدة وحلفائها
النزاع بين جبهة النصرة والدولة الإسلامية في العراق والشام ليس فقط على السلطة البيروقراطية، بل أيضا حول إستراتيجية ومستقبل جهاد القاعدة العالمي، وحاولت جبهة النصرة، التي تريد الحفاظ على التأييد الشعبي في صفوف الشعب السوري، أن تكون لطيفة مع جماعات المعارضة الأخرى في البلاد، على النقيض من ذلك، هاجمت الدولة الإسلامية في العراق والشام رفاقها المتمردين – بما في ذلك جبهة النصرة – وطبقت الشريعة الإسلامية شديدة القسوة في المدن التي استولت عليها، وكلاهما نفَّر السوريين
في هذا الصدد، يشبه الشجار جدالاً مماثلاً وقع داخل تنظيم القاعدة خلال حرب العراق. في عام 2005، عندما كان الظواهري هو الرجل الثاني في القاعدة وبَّخ زعيم القاعدة في العراق أبو مصعب الزرقاوي لاستعداء الجماهير السنية العراقية من خلال حملة القاعدة الوحشية من قطع الرؤوس والتفجيرات، وقال ينبغي على القاعدة بدلاً من ذلك تخفيف تجاوزاتها العنيفة والعمل مع الجماعات السنية المسلحة الأخرى لطرد الأمريكيين، وتتخذ جبهة النصرة نهجًا مماثلاً لما أوصى به الظواهري في حربها ضد النظام السوري. على النقيض من ذلك، تتبع الدولة الإسلامية في العراق والشام إلى حد كبير إستراتيجية الزرقاوي الكارثية، وتكهنتُ سابقًا بأن تنظيم القاعدة سيُبعِد السنة في سوريا إذا لم يتعلم من أخطائه في العراق؛ لكني لم أتوقع أبدًا أن المنظمة ستنقسم لأن نصفها – جبهة النصرة – تعلمت من هذه الأخطاء، والنصف الآخر – الدولة الإسلامية في العراق والشام  – لم تتعلم
مشاجرة في المغرب
وتكشَّفَ صراع مماثل في فرع تنظيم القاعدة بشمال أفريقيا وإن حدث ذلك سرًّا، وكما هو الحال في سوريا، لا علاقة للعديد من هذه النزاعات بمن ينبغي أن يستدعي الرصاص في جبهات جديدة للجهاد.
في عام 2011، دعا الظواهري علنًا المسلمين إلى السفر لليبيا للانضمام إلى تحالف المتمردين الذين يقاتلون نظام القذافي، لكن زعماء ألوية التنظيم المختلفة لم يتوافقوا حول كيفية الرد على دعوة الزعيم؛ حيث قرر زعيم أحد الألوية، مختار بلمختار، إرسال مقاتلين تحت قيادته إلى ليبيا في تحدًّ مباشر لأمير القاعدة، الذي كان كلف شخصًا آخر بهذا الواجب، وفي مذكرة بتاريخ أكتوبر 2012، وبَّخ قادة القاعدة بلمختار لمحاولته الهجوم من تلقاء نفسه، مدعين أنهم وحدهم المسئولون عن قرار جلب الجهاد إلى ليبيا، وورد في المذكرة أن “قيادة المنظمة هي أول من دفع للاستفادة من الأحداث في ليبيا، ولم تدفع فقط، بل أيضا شجعت، وذهبت أبعد واتخذت قرارات وتعليمات لتشكيل الفرق والعصابات التي أرسلت إلى قلب الأراضي الليبية”
مثل المدير التنفيذي الذي يشعر بأنه من الأفضل أن يجيب مباشرة على الرئيس التنفيذي بدلاً من مكابدة العقول الصغيرة في الإدارة الوسطى، تعهد بلمختار بالولاء مباشرة للظواهري، كان هذا كثيرًا جدًّا لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب، التي سخرت قيادتها قائلة: “هل تعتبر هذا ولاء؛ أن تثور ضد الأمراء وتهدد بتمزيق المنظمة دون وجود مبرر شرعي مقبول؟”. تجاهلهم بلمختار ، وهبّ في طريقه الخاصة
تحذيرات بن لادن
يمكن أن يكون الظواهري معذورًا لفشله في توقع النزاعات التنظيمية التي من شأنها أن تنشأ من دعوته للجهاد في البلدان العربية التي تمر بتحولات عنيفة، وكان عليه أن يعرف ذلك بشكل أفضل بدلاً من الاعتراف علنًا بالاندماج بين تنظيم القاعدة وحركةالشباب سيئة الإدارة في الصومال، وعندما أُعلِن الاندماج في أوائل عام 2012، بدا جيدًا على الورق، لأن الشباب كانوا يسيطرون على معظم الأراضي الصومالية. كما ظهر من بين الفروع التابعة للقاعدة استقطاب المقاتلين الغربيين الذين يمكن إرسالهم في مهام إلى أوروبا
لكن الظواهري كان ينبغي عليه الالتفات لتحذيرات سلفه، بن لادن، الذي أوضح في العام 2010 اعتقاده أنه سيكون خطئًا أن يُعلَن على الملأ الاندماج مع الشباب لأنه قيادتها كانت سيئة في الحكم ولأنهم يطبقون الشريعة الإسلامية بقسوة في الأراضي التي تسيطر عليها وهو ما لم يحقق لهم أي امتيازات لدى السكان المحليين في الصومال، ولم يكن بن لادن يرغب في تحمل أخطاء مرؤوسيه، بينما حث الظواهري رئيسه على إعادة النظر- دون جدوىؤ- وحاول تقليل قوة النصيحة التي تلقاها بن لادن من مساعدين آخرين أرادوا الحد من حجم تنظيم القاعدة، خشية أن يخرج عن نطاق السيطرة. وفي نهاية المطاف سلك الظواهري طريقه الذي أراده: فبعد تسعة أشهر من وفاة بن لادن، قبلت القاعدة علنًا عربون وفاء من زعيم حركة الشباب، أحمد عبدي جودان
ومع ذلك فقدت حركة “الشباب” سيطرتها على معظم أنحاء الصومال بعد فترة وجيزة، ووفقًا لما كتبه مجاهد أمريكي كان يقاتل تحت راية الشباب، استخدم جودان الاندماج مع القاعدة لإسكات منتقديه في صفوف جماعته. ونتيجة لذلك، بدلاً من توحيد مختلف العناصر الجهادية في الصومال، انتهى الأمر بتقسيم فرع القاعدة هناك، وارتفعت حدة الاقتتال الداخلي لدرجة أن أحد المقربين السابقين لـ”جودان” بعث برسالة إلى الظواهري يطالبه فيها بفعل شيء قبل أن تدمر قيادة حركة الشباب المنظمة بأكملها. لكن يبدو أنه إما أن الظواهري لم يستمع أو أنه لم يكن قادرًا على فعل شيء حيال ذلك.
الانتشار الناعم
كما يلاحظ العالم السياسي جاكوب شابيرو في كتابه الجديد “معضلة الإرهاب”؛ فإن كل الجماعات الإرهابية تعاني من الاقتتال الداخلي لسبب واحد أساسي؛ إذا أرادوا تحقيق أهدافهم وتجنب الاعتقال أو القتل، يجب أن يعطي قادة المنظمات السرية العنيفة قادتهم في الميدان قدرًا من الحكم الذاتي؛ وحينما يصبح القادة الميدانيون مستقلون جدُّا، تحاول القيادة كبح جماحهم من خلال تدابير بيروقراطية مختلفة.
دون أدنى شك، يحاول الظواهري كبح جماح فروعه الجامحة، واللافت أنه خلق الكثير من المشكلة بنفسه من خلال محاولته توسيع نطاق عمل تنظيم القاعدة، ولا غروَ أن الفرع الوحيد الذي لم يدفعه الظواهري إلى ساحة جديدة للجهاد، تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية الذي يتخذ من اليمن مقرًّا له، هو الذي تجنب الاقتتال الداخلي. ويقال إن الظواهري عيَّن الآن زعيم القاعدة في جزيرة العرب ناصر الوحيشي “مديرًا عامًّا” للقاعدة، ومن ثم خلفه في نهاية المطاف؛ حيث لم يكن أمام الظواهري خيارًا سوى الترقية من صفوف القاعدة في جزيرة العرب، بالنظر إلى الفوضى الحالية في جميع أنحاء بقية التنظيم.
وما يزال الظواهري قادرًا على تقليص منظمته. باستطاعته فض الشراكة وديًّا مع حركة الشباب في الصومال، وقطع العلاقات مع تنظيم القاعدة في العراق،خاصة أن التحدي الصريح الذي أبدته هذه الأخيرة يستحق مثل هذا الرد، لكن قيادة القاعدة فضلت تاريخيًّا توجيه اللوم لفروعها الضالة بدلاً من قطعها وتركها خارج نطاق السيطرة. فخلال حرب العراق؛ أضرَّ الزرقاوي كثيرًا بسمعة تنظيم القاعدة العالمي بسوء إدارته لمنظمته، لكن قيادة القاعدة فضلت تأنيبه سرًّا على طرده، فالأفضل أن يكون لدى التنظيم فرع يتصرف بشكل سيء من ألا يكون لديها فرع على الإطلاق. كما أظهرت حركة الشباب، تعلم بن لادن على الأقل أن ينكر علنا علاقات القاعدة بالفروع الجامحة إذا استطاع، رغم اعتراضات الظواهري.
براعة الظواهري في خلق فصائل، وعدم رغبته في الانفصال عنهم حين يسيئون التصرف، ربما تساعد معارضي القاعدة في إلقاء اللوم على المنظمة بأكملها بسبب الفظائع التي ترتكب باسمها، ومع مرور الوقت، ربما يضعف حماس المجموعة الدموية للانضمام إلى تنظيم القاعدة وحتى إرهاب إعضائها، لكن في المدى القريب، ليس بالضرورة أن تكون إدارة الظواهري الضعيفة نعمة للولايات المتحدة وحلفائها؛ حيث يمكن للفصائل المختلفة لتنظيم القاعدة الذي كان موحدًا أن تتنافس مع بعضها حول أي منها يمكنه شن أكبر هجوم ضد الغرب، ومهما سيكون الحال، فإن عدم قدرة الظواهري على إدارة تنظيم القاعدة مترامي الأطراف يوفر إطلالة على الاقتتال الداخلي المرتقب بعد موته المحتوم.

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم العالم بالعربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

كيف سيؤثر الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد في المستقبل؟

يمكن للمؤسسات (الإعلامية والبحثية إلخ) الحصول على تقاريرنا حصريًا الآن. لمعرفة المزيد حول …