ترجمة: علاء البشبيشي

هذا هو الجزء الأول من تحليلٍ، ينشره مركز ستراتفور على جزئين، ويتناول تداعيات الاتفاق النووي، الذي توصلت إليه إيران والقوى العالمية الست يوم 14 يوليو، على الطاقة. 

يركز الجزء الأول على: الآثار قصيرة المدى المترتبة على عودة إيران إلى سوق الطاقة العالمي، ثم يركز الجزء الثاني على: الآثار بعيدة المدى. 

(سفينة محملة بالنفط على رصيف مصفاة جزيرة لافان- إيران.. بهروز مهري- أ ف ب/جيتي إيميدج)

بطبيعة الحال، سيكون للاتفاق النووي بين ايران والقوى العالمية الست تداعيات على أسواق النفط العالمية؛ ذلك أن إيران، التي كانت ثالث أكبر منتج للنفط في العالم قبل الثورة الإيرانية، سوف تُصَدّر المزيد من النفط في نهاية المطاف. 

قبل تطبيق العقوبات في عام 2012، كانت إيران أحد الدول الرئيسية المصدرة للنفط الخام والمكثفات إلى آسيا وأوروبا وغيرها.. في الواقع، بلغت صادراتها 2.6 مليون برميل يوميا في عام 2011. 

واليوم، انخفض هذا الرقم بنحو 600 ألف برميل يوميا إلى أوروبا، ومثلها إلى آسيا. وتبلغ الصادرات الإيرانية الآن قرابة 1.4 مليون برميل يوميا، منها مليون برميل من النفط الخام.

فيما تمهد صفقة 14 يوليو الطريق أمام تخفيف العقوبات بحلول مطلع عام 2016، ما يتيح لأي شخص شراء النفط من إيران. 

وبينما تصر إيران على إمكانية زيادة إنتاجها النفطي إلى 500- 600 ألف برميل يوميا في غضون شهر واحد من رفع العقوبات، وزيادة الصادرات إلى 2.5 مليون برميل يوميا في غضون ثلاثة أشهر، يرى “ستراتفور” أن هذه الأرقام مفرطة في التفاؤل. 

ومع ذلك، تمتلك إيران مخزونًا يقدر بـ 35 مليون برميل على الأقل من النفط الخام والمكثفات يمكنها استخدامها لزيادة الصادرات في هذه الأثناء، قبل ارتفاع إنتاجها من النفط مرة أخرى. 

(صادرات النفط الإيرانية؛ قبل العقوبات وبعدها)

عقبات محتملة في واشنطن وطهران

بطبيعة الحال، لا تزال هناك عقبات محتملة في طريقة تمرير الصفقة، على الصعيدين الإيراني والأمريكي: 

(1) ففي الولايات المتحدة، يستعد الرئيس باراك أوباما لخوض صراعٍ، مع الكونجرس الذي تسيطر عليه أغلبية جمهورية، ويمكن أن يرفض الصفقة. 

أمام الكونجرس 60 يومًا لمراجعة الاتفاق قبل الموافقة أو الرفض أو الامتناع عن إبداء الرأي، وفي هذه الحالة يمكن للاتفاقية أن تدخل حيز التنفيذ. 

بدوره، أعلن أوباما أنه سيتسخدم حق النقض (الفيتو) ضد أي رفض للصفقة، ما يمثل صعوبة شديدة أمام الكونجرس لجمع ثلثي الأصوات من مجلسي النواب والشيوخ اللازمة لتجاوز الفيتو الرئاسيّ.

بيدَ أنّ أوباما ليس بمقدوره رفع العقوبات، أو تقديم تنازلات رئاسية تسمح للدول والشركات بالالتفاف على العقوبات، خلال فترة استعراض الكونجرس الممتدة لشهرين. 

في الوقت ذاته، يمكن للاتحاد الأوروبي واليابان وكوريا الجنوبية رفع العقوبات بسرعة أكبر، وهو ما يمنح شركات هذه البلدان- على الأرجح- ميزة استثمارية في إيران. 

(2) في إيران، يتدخَّل البرلمان مطالبًا برفع كافة العقوبات فور توقيع الصفقة. ويمتلك المرشد الأعلى، ومجلس الأمن القومي التابع له- على ما يبدو- سلطة منع الصفقة. لكن على الأرجح، لم يكن الرئيس حسن روحاني، ووزير الخارجية جواد ظريف، ليصلا إلى هذه المرحلة من العملية دون مباركة خامنئي.

وبمجرد تأييد المرشد الأعلى للصفقة، أو على الأقل فشله في عرقلتها، فإن معظم السياسيين الإيرانيين سيجدر بهم التماشي مع هذا الخط، والتوقف عن محاولة وقف تنفيذ الاتفاق.

تخفيف العقوبات ومسألة الصيانة

على افتراض أن واشنطن وطهران تجنبا العقبات التي تواجههما، يمكن البدء في تخفيف العقوبات بحلول الربع الأول من عام 2016. وسوف تُعَلَّق عقوبات الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تباعا بمجرد إصدار الوكالة الدولية للطاقة الذرية تقريرها النهائي بشأن تنفيذ إيران الشروط المتفق عليها في إطار الاتفاق النووي. 

ويمكن أن يصدُر مشروع تقرير الوكالة في 15 ديسمبر. بعدها سيصوِّت مجلس محافظي الوكالة، الذي من المقرر أن يجتمع في 26-27 نوفمبر 2015، و7-11 مارس 2016، على ما إذا كان سيعتمده. وإذا ما اعتمد المجلس التقرير؛ ستُعَلَّق العقوبات.

ويمكن أن تتلقى الأسواق إشارات حول سير عمليات تفتيش الوكالة الدولية في منتصف ديسمبر. وبدورنا نتوقع تخفيف العقوبات بحلول الربع الأول من 2016 (مرة أخرى، على افتراض التغلب على المعارضة الداخلية في الولايات المتحدة وإيران)، ما يسمح لإيران بتجديد الصادرات.

وحتى قبل تخفيف العقوبات، ستبدأ إيران في الاستعداد لتنشيط حقولها المتوقفة، بحيث يمكنها استئناف الصادرات على الفور. لكن الحقول التي توقفت تماما- وخاصة لفترة طويلة- لا يمكن إعادة تشغيلها كلها بأقصى طاقتها دون ضخ استثمارات جديدة. 

ومن غير الواضح، مدى جودة صيانة هذه الحقول، إن كان هناك شيء كهذا، وما هو معدل الضرر الذي لحق بالبنية التحتية والمعدات والخزانات أثناء عملية إيقاف التشغيل. وبينما تفتقر شركة الوطنية الايرانية للنفط للكفاءة، ولا تكاد تقارب المهارة التقنية التي تتمتع بها نظيراتها الغربية؛ يرجح أنها أغلقت حقولها الأكثر نضجا مع انخفاض مستويات الإنتاج وارتفاع تكاليف التشغيل.

في الواقع، من الصعب التأكد من مدى قدرة إيران الإنتاجية، ومدى تكلفة أو صعوبة إعادة تشغيل الحقول غير الفعالة، إلى حد كبير، مرة أخرى. كل هذا الغموض خلق تكهنات واسعة النطاق حول مدى سرعة وزيادة الإنتاج.

لكن التعامل مع حقول النفط الكهلة ليست مشكلة جديدة لإيران. فحتى قبل فرض العقوبات، وخروج الشركات الغربية، كانت إيران تباشر عملية ضخ الغاز (إلى جانب أساليب أخرى متقدمة لإنعاش النفط) للحفاظ على الضغط في الخزانات لإبطاء معدل الانخفاض الطبيعي في هذه الحقول، والذي كان يصل في كثير من الأحيان إلى 10% سنويا، بما يساعد على الحفاظ على مستويات الإنتاج. 

لكن حتى عندما كانت الشركات الغربية لا تزال هناك، فشلت إيران في تلبية معدلات الحقن المستهدفة. وإن كان لا يزال من غير الواضح مدى السرعة التي يمكن لإيران حفر آبار وبناء مرافق حقن جديدة قبل تخفيف العقوبات. 

هذا أحد الأسباب تشكك ستراتفور في التفاؤل قصير المدى فيما يتعلق بالإنتاج الإيراني.

حقول النفط الجديدة ومخزون البترول

لكن إبان فرض العقوبات، لم تتخلَّ ايران تماما عن تطوير حقول النفط والغاز الطبيعي الجديدة. ففي بعض الأحيان استطاعت إيران، بمساعدة صينية، تطوير حقل بارس الجنوبي الضخم للغاز الطبيعي والمكثفات. وعلى مدى السنوات القليلة الماضية وحدها، وصل إنتاج طهران من المكثفات 120 ألف برميل يوميا، وهو الرقم الذي يتوقع أن يزيد في عام 2016.

وأصبح إنتاج المكثفات يمثل نسبة كبيرة من إنتاج النفط الإيراني. 

مع وضع هذا كله في الاعتبار، يمكن لإنتاج المكثفات الجديد إضافة 100- 200 ألف برميل يوميا بسهولة لإنتاج النفط الإيراني بحلول عام 2016، مع تزايد إنتاج النفط الخام الإيراني بنسبة تصل إلى 300 ألف برميل يوميا بحلول منتصف العام المقبل، بناء على موعد تبني الوكالة لتقريرها. 

ويعتمد وصول إنتاج النفط الخام في الواقع إلى هذا المستوى على مدى الاستعداد الإيراني قبل نهاية العقوبات، ونحن نتوقع تماما أن تكون معدلات الإنتاج أقل من ذلك. 

ومع إدخال المزيد من آبار الحقن حيز العمل، وحفر آبار جديدة؛ يمكن أن تزيد طاقة إنتاج النفط الإيراني أكثر بحلول النصف الأخير من 2016، بل وربما تصل إلى معدلات قريبة من مستويات ما قبل العقوبات (بزيادة قدرها حوالي 750 ألف برميل يوميا بالمستويات الحالية) خلال وقت ما من عام 2017.

ومع ذلك، قد تتجاوز صادرات النفط طاقة الإنتاج. ذلك أن طهران خزنت كميات كبيرة من النفط، أكثر من نصفها قليلا من المكثفات، في الناقلات البحرية وصهاريج التخزين البرية على مدى السنوات القليلة الماضية. 

ويمكن للنفط الخام الإيراني المخزن، والذي يبلغ 35 مليون برميل، أن يُبَاع سريعًا. بيدَ أن إيران من غير المرجح أن تغرق السوق بهذا المخزون النفطي على الفور، بل ستختار بدلا من ذلك صادرات ثابتة مع عودة طاقتها الإنتاجية على مدار عام 2016.

وأخيرا، ستؤثر صادرات النفط الإيرانية على أسواق الطاقة والدول حول العالم. وسوف يواصل استئناف صادرات النفط في عام 2016 إبقاء أسعار النفط العالمية منخفضة، بما يضمن تقليل الأخطار المرتبطة بالأسعار. 

لاحقًا، سوف يتواصل هذا التأثير في البلدان التي تعاني من انخفاض أسعار النفط، مثل فنزويلا. كما سستتأثر أمريكا الشمالية أيضا. وسوف يستمر المنتجين مرتفعي التكلفة في التركيز على عملياتهم الأكثر كفاءة، مما يعوق نمو المعروض، ويدعم انخفاض الإنتاج السابق في الولايات المتحدة.


شؤون خليجية

 

 

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم العالم بالعربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

كيف سيؤثر الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد في المستقبل؟

يمكن للمؤسسات (الإعلامية والبحثية إلخ) الحصول على تقاريرنا حصريًا الآن. لمعرفة المزيد حول …

ترجمة: علاء البشبيشي

هذا هو الجزء الأول من تحليلٍ، ينشره مركز ستراتفور على جزئين، ويتناول تداعيات الاتفاق النووي، الذي توصلت إليه إيران والقوى العالمية الست يوم 14 يوليو، على الطاقة. 

يركز الجزء الأول على: الآثار قصيرة المدى المترتبة على عودة إيران إلى سوق الطاقة العالمي، ثم يركز الجزء الثاني على: الآثار بعيدة المدى. 

(سفينة محملة بالنفط على رصيف مصفاة جزيرة لافان- إيران.. بهروز مهري- أ ف ب/جيتي إيميدج)

بطبيعة الحال، سيكون للاتفاق النووي بين ايران والقوى العالمية الست تداعيات على أسواق النفط العالمية؛ ذلك أن إيران، التي كانت ثالث أكبر منتج للنفط في العالم قبل الثورة الإيرانية، سوف تُصَدّر المزيد من النفط في نهاية المطاف. 

قبل تطبيق العقوبات في عام 2012، كانت إيران أحد الدول الرئيسية المصدرة للنفط الخام والمكثفات إلى آسيا وأوروبا وغيرها.. في الواقع، بلغت صادراتها 2.6 مليون برميل يوميا في عام 2011. 

واليوم، انخفض هذا الرقم بنحو 600 ألف برميل يوميا إلى أوروبا، ومثلها إلى آسيا. وتبلغ الصادرات الإيرانية الآن قرابة 1.4 مليون برميل يوميا، منها مليون برميل من النفط الخام.

فيما تمهد صفقة 14 يوليو الطريق أمام تخفيف العقوبات بحلول مطلع عام 2016، ما يتيح لأي شخص شراء النفط من إيران. 

وبينما تصر إيران على إمكانية زيادة إنتاجها النفطي إلى 500- 600 ألف برميل يوميا في غضون شهر واحد من رفع العقوبات، وزيادة الصادرات إلى 2.5 مليون برميل يوميا في غضون ثلاثة أشهر، يرى “ستراتفور” أن هذه الأرقام مفرطة في التفاؤل. 

ومع ذلك، تمتلك إيران مخزونًا يقدر بـ 35 مليون برميل على الأقل من النفط الخام والمكثفات يمكنها استخدامها لزيادة الصادرات في هذه الأثناء، قبل ارتفاع إنتاجها من النفط مرة أخرى. 

(صادرات النفط الإيرانية؛ قبل العقوبات وبعدها)

عقبات محتملة في واشنطن وطهران

بطبيعة الحال، لا تزال هناك عقبات محتملة في طريقة تمرير الصفقة، على الصعيدين الإيراني والأمريكي: 

(1) ففي الولايات المتحدة، يستعد الرئيس باراك أوباما لخوض صراعٍ، مع الكونجرس الذي تسيطر عليه أغلبية جمهورية، ويمكن أن يرفض الصفقة. 

أمام الكونجرس 60 يومًا لمراجعة الاتفاق قبل الموافقة أو الرفض أو الامتناع عن إبداء الرأي، وفي هذه الحالة يمكن للاتفاقية أن تدخل حيز التنفيذ. 

بدوره، أعلن أوباما أنه سيتسخدم حق النقض (الفيتو) ضد أي رفض للصفقة، ما يمثل صعوبة شديدة أمام الكونجرس لجمع ثلثي الأصوات من مجلسي النواب والشيوخ اللازمة لتجاوز الفيتو الرئاسيّ.

بيدَ أنّ أوباما ليس بمقدوره رفع العقوبات، أو تقديم تنازلات رئاسية تسمح للدول والشركات بالالتفاف على العقوبات، خلال فترة استعراض الكونجرس الممتدة لشهرين. 

في الوقت ذاته، يمكن للاتحاد الأوروبي واليابان وكوريا الجنوبية رفع العقوبات بسرعة أكبر، وهو ما يمنح شركات هذه البلدان- على الأرجح- ميزة استثمارية في إيران. 

(2) في إيران، يتدخَّل البرلمان مطالبًا برفع كافة العقوبات فور توقيع الصفقة. ويمتلك المرشد الأعلى، ومجلس الأمن القومي التابع له- على ما يبدو- سلطة منع الصفقة. لكن على الأرجح، لم يكن الرئيس حسن روحاني، ووزير الخارجية جواد ظريف، ليصلا إلى هذه المرحلة من العملية دون مباركة خامنئي.

وبمجرد تأييد المرشد الأعلى للصفقة، أو على الأقل فشله في عرقلتها، فإن معظم السياسيين الإيرانيين سيجدر بهم التماشي مع هذا الخط، والتوقف عن محاولة وقف تنفيذ الاتفاق.

تخفيف العقوبات ومسألة الصيانة

على افتراض أن واشنطن وطهران تجنبا العقبات التي تواجههما، يمكن البدء في تخفيف العقوبات بحلول الربع الأول من عام 2016. وسوف تُعَلَّق عقوبات الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تباعا بمجرد إصدار الوكالة الدولية للطاقة الذرية تقريرها النهائي بشأن تنفيذ إيران الشروط المتفق عليها في إطار الاتفاق النووي. 

ويمكن أن يصدُر مشروع تقرير الوكالة في 15 ديسمبر. بعدها سيصوِّت مجلس محافظي الوكالة، الذي من المقرر أن يجتمع في 26-27 نوفمبر 2015، و7-11 مارس 2016، على ما إذا كان سيعتمده. وإذا ما اعتمد المجلس التقرير؛ ستُعَلَّق العقوبات.

ويمكن أن تتلقى الأسواق إشارات حول سير عمليات تفتيش الوكالة الدولية في منتصف ديسمبر. وبدورنا نتوقع تخفيف العقوبات بحلول الربع الأول من 2016 (مرة أخرى، على افتراض التغلب على المعارضة الداخلية في الولايات المتحدة وإيران)، ما يسمح لإيران بتجديد الصادرات.

وحتى قبل تخفيف العقوبات، ستبدأ إيران في الاستعداد لتنشيط حقولها المتوقفة، بحيث يمكنها استئناف الصادرات على الفور. لكن الحقول التي توقفت تماما- وخاصة لفترة طويلة- لا يمكن إعادة تشغيلها كلها بأقصى طاقتها دون ضخ استثمارات جديدة. 

ومن غير الواضح، مدى جودة صيانة هذه الحقول، إن كان هناك شيء كهذا، وما هو معدل الضرر الذي لحق بالبنية التحتية والمعدات والخزانات أثناء عملية إيقاف التشغيل. وبينما تفتقر شركة الوطنية الايرانية للنفط للكفاءة، ولا تكاد تقارب المهارة التقنية التي تتمتع بها نظيراتها الغربية؛ يرجح أنها أغلقت حقولها الأكثر نضجا مع انخفاض مستويات الإنتاج وارتفاع تكاليف التشغيل.

في الواقع، من الصعب التأكد من مدى قدرة إيران الإنتاجية، ومدى تكلفة أو صعوبة إعادة تشغيل الحقول غير الفعالة، إلى حد كبير، مرة أخرى. كل هذا الغموض خلق تكهنات واسعة النطاق حول مدى سرعة وزيادة الإنتاج.

لكن التعامل مع حقول النفط الكهلة ليست مشكلة جديدة لإيران. فحتى قبل فرض العقوبات، وخروج الشركات الغربية، كانت إيران تباشر عملية ضخ الغاز (إلى جانب أساليب أخرى متقدمة لإنعاش النفط) للحفاظ على الضغط في الخزانات لإبطاء معدل الانخفاض الطبيعي في هذه الحقول، والذي كان يصل في كثير من الأحيان إلى 10% سنويا، بما يساعد على الحفاظ على مستويات الإنتاج. 

لكن حتى عندما كانت الشركات الغربية لا تزال هناك، فشلت إيران في تلبية معدلات الحقن المستهدفة. وإن كان لا يزال من غير الواضح مدى السرعة التي يمكن لإيران حفر آبار وبناء مرافق حقن جديدة قبل تخفيف العقوبات. 

هذا أحد الأسباب تشكك ستراتفور في التفاؤل قصير المدى فيما يتعلق بالإنتاج الإيراني.

حقول النفط الجديدة ومخزون البترول

لكن إبان فرض العقوبات، لم تتخلَّ ايران تماما عن تطوير حقول النفط والغاز الطبيعي الجديدة. ففي بعض الأحيان استطاعت إيران، بمساعدة صينية، تطوير حقل بارس الجنوبي الضخم للغاز الطبيعي والمكثفات. وعلى مدى السنوات القليلة الماضية وحدها، وصل إنتاج طهران من المكثفات 120 ألف برميل يوميا، وهو الرقم الذي يتوقع أن يزيد في عام 2016.

وأصبح إنتاج المكثفات يمثل نسبة كبيرة من إنتاج النفط الإيراني. 

مع وضع هذا كله في الاعتبار، يمكن لإنتاج المكثفات الجديد إضافة 100- 200 ألف برميل يوميا بسهولة لإنتاج النفط الإيراني بحلول عام 2016، مع تزايد إنتاج النفط الخام الإيراني بنسبة تصل إلى 300 ألف برميل يوميا بحلول منتصف العام المقبل، بناء على موعد تبني الوكالة لتقريرها. 

ويعتمد وصول إنتاج النفط الخام في الواقع إلى هذا المستوى على مدى الاستعداد الإيراني قبل نهاية العقوبات، ونحن نتوقع تماما أن تكون معدلات الإنتاج أقل من ذلك. 

ومع إدخال المزيد من آبار الحقن حيز العمل، وحفر آبار جديدة؛ يمكن أن تزيد طاقة إنتاج النفط الإيراني أكثر بحلول النصف الأخير من 2016، بل وربما تصل إلى معدلات قريبة من مستويات ما قبل العقوبات (بزيادة قدرها حوالي 750 ألف برميل يوميا بالمستويات الحالية) خلال وقت ما من عام 2017.

ومع ذلك، قد تتجاوز صادرات النفط طاقة الإنتاج. ذلك أن طهران خزنت كميات كبيرة من النفط، أكثر من نصفها قليلا من المكثفات، في الناقلات البحرية وصهاريج التخزين البرية على مدى السنوات القليلة الماضية. 

ويمكن للنفط الخام الإيراني المخزن، والذي يبلغ 35 مليون برميل، أن يُبَاع سريعًا. بيدَ أن إيران من غير المرجح أن تغرق السوق بهذا المخزون النفطي على الفور، بل ستختار بدلا من ذلك صادرات ثابتة مع عودة طاقتها الإنتاجية على مدار عام 2016.

وأخيرا، ستؤثر صادرات النفط الإيرانية على أسواق الطاقة والدول حول العالم. وسوف يواصل استئناف صادرات النفط في عام 2016 إبقاء أسعار النفط العالمية منخفضة، بما يضمن تقليل الأخطار المرتبطة بالأسعار. 

لاحقًا، سوف يتواصل هذا التأثير في البلدان التي تعاني من انخفاض أسعار النفط، مثل فنزويلا. كما سستتأثر أمريكا الشمالية أيضا. وسوف يستمر المنتجين مرتفعي التكلفة في التركيز على عملياتهم الأكثر كفاءة، مما يعوق نمو المعروض، ويدعم انخفاض الإنتاج السابق في الولايات المتحدة.


شؤون خليجية

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم العالم بالعربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

كيف سيؤثر الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد في المستقبل؟

يمكن للمؤسسات (الإعلامية والبحثية إلخ) الحصول على تقاريرنا حصريًا الآن. لمعرفة المزيد حول …

ترجمة: علاء البشبيشي

هذا هو الجزء الثاني من تحليلٍ، نشره مركز ستراتفور على جزئين، ويتناول تداعيات الاتفاق النووي، الذي توصلت إليه إيران والقوى العالمية الست يوم 14 يوليو، على الطاقة. 

ركَّز الجزء الأول على: الآثار قصيرة المدى المترتبة على عودة إيران إلى سوق الطاقة العالمي، وها هو الجزء الثاني يركز على: الآثار بعيدة المدى. 

* التوقعات: 

ستقدم إيران عقودًا لمشاريع مشتركة؛ لجذب شركات الطاقة العالمية، بما يمنح البلاد بعض الامتيازات على المنتجين الآخرين في منطقة الخليج. 

ستحتاج إيران إلى أكثر من خمس سنوات لتحقيق هدفها المتمثل في إنتاج ستة ملايين برميل يوميًا. 

المتطلبات القانونية المفروضة على الشركات الأجنبية في إيران ستظل تمثل صعوبة أمام العمل في هذا البلد. 

* التحليل:

كانت إيران يوما أحد أكبر الدول المصدرة للنفط في العالم. لكن منذ فرضت القوى الغربية عقوبات عليها، أدى نقص الاستثمار الأجنبي إلى شلّ قطاع الطاقة الذي أصبح يعاني الآن من الفساد وسوء الإدارة. 

وبالإعلان عن الصفقة النووية مع الغرب، وتخفيف العقوبات في غضون عام، تتطلع إيران الآن لإنعاش صناعة النفط والغاز. وتريد طهران زيادة إنتاجها النفطي؛ من مستواه الحالي البالغ نحو 3 ملايين برميل يوميا، إلى 4 ملايين برميل يوميا في غضون ستة أشهر من رفع العقوبات. 

على المدى الطويل، تتطلع إيران لتحقيق هدف طموح: حيث تأمل أن ترفع إنتاجها، بحلول عام 2020، لمستويات أعلى مما كانت عليه قبل العقوبات- قرابة 6 ملايين برميل يوميا.

لكن على الأرجح ستحتاج إيران إلى الكثير من الوقت لتحقيق هذا المستوى من الإنتاج. ولتطوير حقول نفطية وتكنولوجيا جديدة، تحتاج طهران إلى استثمارات تقدر بأكثر من 100 مليار دولار، تأمل الحكومة في الحصول عليها من الاستثمار الأجنبي. 

ورغم أن تخفيف العقوبات قد يفتح البلاد أمام المزيد من التمويل الخارجي، تحتاج إيران أيضا إلى أن تدشن شركات النفط الدولية مشاريع على الأراضي الإيرانية، وهو ما يمكن أن يشكل تحديا؛ ذلك أن اللوائح المجهِدة لطالما جعلت من الصعب على شركات الطاقة أن تعمل في إيران رغم احتياطيات البلاد الوفيرة.

ميزة تنافسية

في نوفمبر، ستكشف إيران عن نموذج تعاقدي جديد يهدف إلى جذب شركات النفط العالمية للقيام بمشاريع مشتركة في إيران. وبموجب العقد الإيراني الجديد، سيكون لدى الشركة الأجنبية عدة سنوات لاستكشاف وتطوير الحقول، تعقبها 15-25 عامًا من حقوق الإنتاج.

(الغاز الطبيعي والنفط الإيراني)

خلال ذلك الوقت، ستدفع الشركة الوطنية الإيرانية للنفط المملوكة للدولة للشركة بناء على صعوبة العمل في الحقل، وحجم الإنتاج، وأسعار النفط.

ويختلف هذا النموذج التعاقدي كثيرا عن نموذج عقد “إعادة الشراء” الذي استخدمته إيران في العقدين الماضيين. فبموجب عقود إعادة الشراء، كانت شركة النفط الأجنبية تمول الاستثمار الأولي لمشروع الطاقة، ثم تدفع الشركة الوطنية الإيرانية للنفط للشركة الأجنبية نقدا لتغطية تكاليف التشغيل. وبعد فترة تفاوض، تتولى الشركة الوطنية المسئولية الكاملة عن العمليات.

لكن هذه العقود غير قادرة على المنافسة إلى حد كبير لجذب لشركات النفط العالمية. ولأن الكمية التي تتلقاها الشركات من الحكومة الإيرانية تمليها شروط العقد، وليس وفقا لعدد البراميل المباعة، فإن الشركات الأجنبية لا تستفيد من نمو مستويات الإنتاج أو ارتفاع أسعار النفط، وليس لديها فرصة لتعويض أي فاقد من رأس المال إذا كانت التكاليف تفوق الميزانية الأصلية.

لكن بموجب الشروط جديدة، سيتحدد مقدار ما تدفعه الحكومة الإيرانية لشركات الطاقة الأجنبية وفق أسعار النفط وكمية النفط المنتجة، الأمر الذي من شأنه أن يحفز الشركات على زيادة الإنتاج، ليتجاوز حتى معدلات الإنتاج المستهدفة. 

ويمكن أن يغير نموذج العقد الجديد العلاقة بين الشركات الأجنبية والاحتياطيات النفطية. فبموجب العقد القديم، كان لا يمكن لشركات النفط الدولية المطالبة بالحق في الاحتياطيات لأن الدستور الإيراني يتطلب أن تحتفظ الدولة بملكية الاحتياطيات النفطية حتى يتم استخراجها فعليًا. وهذا أمر مهم؛ لأن شركات النفط الدولية تعزز ثقة المساهمين بإظهار أن لديها الحق في حقل معين. وقد تتغلب الشروط جديدة على عقبات الدستور باعتبار النفط المخطط استخراجه “تم إنتاجه” وبالتالي السماح لشركات أجنبية بالمطالبة بأحقيتها فيه.

وقد يمنح عقد النفط الجديد إيران ميزة على منافسيها في المنطقة؛ ذلك أن أيًا من دول الخليج لا تقدم نماذج مماثلة للاستثمار المشترك. 

وقد أعرب العديد من شركات النفط الدولية بالفعل عن اهتمامهم بالشروط الجديدة. وزار المسئولون التنفيذيون من رويال داتش/شل، وتوتال الفرنسية، وايني الايطالية، طهران على مدى الأشهر الثلاثة الماضية لبحث فرص الاستثمار المحتملة. 

وخلال السنوات الأولى بعد تحرير إيران من العقوبات، من المرجح أن تكون الشركات الأوروبية أول من يدخل البلاد. ذلك أنهم يمتلكون أحدث التجارب في التعامل مع النظام الإيراني، ولن يكونوا مقيدين نسبيا من قبل حكومات بلدانهم-؛ نظرا لأن الدول الأوروبية من المرجح أن تكون أقل إقبالا من الولايات المتحدة على الحد من الاستثمار في ايران.

تحديات عالقة

يتوقف نجاح نموذج عقد النفط الإيراني الجديد على الشروط المالية المحددة في الصفقة، والتي لم توضع بعد لمساتها الأخيرة أو يعلن عنها. وحتى إذا لم تتمكن إيران من توقيع عقود جديدة مع شركات الطاقة الأجنبية، ستستمر هذه الشركات في مواجهة عقبات صعبة عندما يتعلق الأمر بالاستثمار والعمل في إيران مرة أخرى.

ليس أقل هذه العقبات التزام إيران بتزويد السوق المحلية. فمن المرجح أن يُطلَب من أي شركة عاملة في إيران بيع نسبة- على الأقل- من إنتاجها لإيران نفسها- بأسعار أقل مما كان يمكن أن تحصل عليه في السوق العالمية.

وستطلب طهران أيضا من الشركات استخدام شركات الخدمات والمقاولين والموظفين والمعدات الإيرانية. فمنذ الحرب الإيرانية-العراقية، وإعادة الإعمار التي تلت ذلك، أصبح فيلق الحرس الثوري الإسلامي قوة اقتصادية كبرى في طهران. وهو الآن يسيطر على قطاعي البناء والنفط الإيرانيين. وسوف ترغب طهران بلا شك فيه أن تشارك الشركات المملوكة للدولة في أي مشاريع جديدة للطاقة، لكن ذلك من شأنه أن يجعل العمل في إيران أصعب على الشركات العالمية.

في نهاية المطاف، قد تعود إيران إلى مستويات الإنتاج التي كانت عليها قبل العقوبات، إلا أن ذلك من المرجح أن يستغرق وقتا أطول بكثير من الخمس سنوات التي وعدت بها. 

وفي النهاية، فإن الشروط المالية التي تقدمها إيران لشركات الطاقة الأجنبية بموجب نموذجها التعاقديّ الجديد يجب أن تكون جذابة بما يكفي لتفوق التحديات الكبيرة التي تواكب العمل في البلاد.


 شؤون خليجية

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم العالم بالعربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

كيف سيؤثر الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد في المستقبل؟

يمكن للمؤسسات (الإعلامية والبحثية إلخ) الحصول على تقاريرنا حصريًا الآن. لمعرفة المزيد حول …