ترجمة: علاء البشبيشي

حتى والروس على أعتاب خوض عمليات قتالية في سوريا، لا يزال البيت الأبيض يعرب عن اعتقاده أنهم هناك لمحاربة تنظيم الدولة. بدءًا من جون كيري الذي صرَّح بأن نظيره الروسي أخبره بأن الروس “مهتمون فقط بمحاربة” تنظيم الدولة، وصولا إلى مسئولين أمريكيين يعربون عن أملهم في تشكيل تحالف أمريكي-روسي لمقاتلة التنظيم.

لكن هذا كله هراء؛ وما أرسل فلاديمير بوتين قواته إلى الأراضي السورية إلا لحماية استثماره في الرجل السوري القوي بشار الأسد.

ينبغي أن يكون البيت الأبيض أعقل من ذلك؛ لأنه مهما قال المسؤولون الأمريكيون عن محاربة تنظيم الدولة، فإن هدف أوباما الأساسي في سوريا هو ذاته هدف بوتين: حماية الأسد.

هذا يجعل واشنطن تصطف مع موسكو- وطهران- وتضع الجميع في مواجهة إسرائيل، التي تَعتَبِر المحور الإيراني تهديدا وجوديًا. 

حسنًا، كثيرًا ما تتباين المصالح الأمريكية والإسرائيلية، وهو ما يسارع نقاد العلاقة بين الطرفين للإشارة إليه. وهذا بالتأكيد هو الحال في هذا المقام؛ حيث تربط إدارة أوباما المصالح الأمريكية بكونفدرالية من الطغاة والإرهابيين والسفاحين.

ألم ترَ أن أعضاء مجلس الشيوخ فزِعوا إذ علموا، من شهادة الجنرال لويد أوستن (قائد القوات الأميركية في الشرق الأوسط) أمام لجنة القوات المسلحة، أنه برغم كثرة حديث الإدارة الأمريكية عن تسليح المتمردين السوريين، فإن الولايات المتحدة لم تُدرب حتى الآن سوى أربعة أو خمسة، ينخرطون في مكافحة تنظيم الدولة!

الشيء المذهل حقًا هو أن البيت الأبيض لم ينجح في تجنيد أي شخص على الإطلاق، مذ اشترط لتقديم المساعدة التوقيع على وثيقة تفيد بأن الأسلحة التي تقدمها الولايات المتحدة لن تستخدم ضد الأسد وحلفائه. 

كيف بإمكان البيت الأبيض إقناع أي سوري، ناهيك عن أربعة أو خمسة، بتجاهل الدكتاتور المسؤول عن قتل مئات الآلاف من أصدقائهم، وأقاربهم، وبني جلدتهم، وأن يحولوا بنادقهم بدلا من ذلك، وحصريًا، إلى تنظيم الدولة؛ المشكلة التي أسهمت الولايات المتحدة في خلقها؟

حدث ذلك حينما رفض أوباما تسليح وتمويل وحدات المتمردين المعتدلين؛ فملأت الجماعات المتطرفة، مثل تنظيم الدولة، الفراغ. وعندما مال أوباما نحو إيران وحلفائها في المنطقة- بتوفير الدعم الجوي لعمليات وحدة التدخل السريع التابعة للحرس الثوري بقيادة قاسم سليماني في تكريت، وتحليق طائرات بدون طيار بالنيابة عن القوات المسلحة اللبنانية التي يسيطر عليها حزب الله، والتعهد لإيران باحترام باحترام مصالحها في سوريا- تضخمت صفوف التمرد السني في أنحاء المنطقة. 

المعادلة واضحة: لهزيمة تنظيم الدولة؛ عليكم أولا إسقاط الأسد، وتقويض المكانة الإيرانية في سوريا. 

لكن هذا ليس ما يريده أوباما؛ خوفا من تعكير صفو اتفاقاته مع إيران.

من وجهة نظر أوباما، ليست التحركات الروسية هي أسوأ شيء في العالم؛ لأن الروس يمكن أن يكونوا قواته على الأرض، بينما يواصل هو استخدام موسكو مثلما فعل منذ اندلاع الصراع في 11 مارس. 

بإمكان أوباما القول: أود التخلص من الدكتاتور السوري بالقدر ذاته، لكن علينا القيام بذلك عبر الروس أولا، وهم لا يرون الأمور على هذا النحو. 

وبإمكانه القول: لطالما كانت إقامة منطقة حظر جوي مخادعة، لكن مع تواجد الطائرات الروسية الآن في المنطقة، لن نقدم على أي تصرف غبي يخاطر بوقوع حادث يمكن أن يشعل حربا عالمية ثالثة.

في الواقع، يمكن القول: إن ما قام به بوتين للتو هو إقامة منطقة حظر جوي من نوع مختلف. ذلك أن التواجد الروسي قيَّد قدرة إسرائيل على اعتراض شحنات الأسلحة الإيرانية المتوجهة من سوريا إلى حزب الله. ويفترض أن هذا هو السبب وراء زيارة نتنياهو لبوتين هذه الأيام؛ لمناقشة القواعد الجديدة التي ينبغي اتباعها في المنطقة.

ويدرك نتنياهو أن بوتين ليس شخصا عقائديا حتى النخاع. صحيح أنه قومي ينتمي للمدرسة الروسية القديمة، ويكره أوباما، ويسعى ليحل مكان الولايات المتحدة كقوة وسيطة في الشرق الأوسط. لكن ذلك لا يعني أنه يحفظ وُدّ الوقت الذي قضاه مع سليماني وحسن نصرالله وغيرهما من أبطال المقاومة. هو يراهم ببساطة أدوات يستخدمها للحصول على ما يريدة من سوريا: بسط السلطة، وجمع الريع مع الجميع؛ بدءًا من إيران وصولا لإسرائيل.

والمشكلة بالنسبة لنتياهو أن ما سيطلبه بوتين- أيا كان- سيكون باهظا. ولا يمكن لإسرائيل أن تترك أي طرفٍ فاعلٍ آخر يُشهِر الفيتو في وجه دفاعها عن نفسها. في المقابل، لن يكون كافيا أن يأذن بوتين بمهاجمة شحنة صواريخ إيرانية، إذا سُمِح لشحنة أخرى بالمرور. 

لسبعين عاما خلت، كان فحوى السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط هو استبعاد موسكو؛ ابتداءً باعتبارها خصما في الحرب الباردة، ولاحقًا باعتبارها مخربًا، يستفيد من زعزعة استقرار الوضع الراهن. في هذا السياق، انتزعت إسرائيل مكانتها كحليف للولايات المتحدة من المرتبة الأولى. وفي حرب يونيو 1967، وحرب 1973، ومرة أخرى خلال حرب لبنان، هَزَمت إسرائيل بسهولة وكلاء الاتحاد السوفيتي وأصبحت حاملة الطائرات الأمريكية في شرق البحر الأبيض المتوسط. 

وعلى مدار أكثر من أربعة عقود، وجد الإسرائيليون أن المطالب الأمريكية سهلة التنفيذ. صحيحٌ أن هناك اختلاف في وجهات النظر بخصوص عملية السلام، كما هددت واشنطن أحيانا بجعل الأمور أكثر صعوبة على إسرائيل. لكن ما الذي يمكن أن تطلبه إسرائيل أكثر من صديق يمكن الاعتماد عليه نسبيًا.. قوة عظمى لديها قيم مشتركة وتحتضن من اليهود مثل إسرائيل؟

لكن البيت الأبيض الآن، من خلال مزيج من عدم الكفاءة والغطرسة، يلغي كل ذلك، ويقيد قدرة إسرائيل على المناورة، ويجعل خطر الحرب أقرب من أي وقت مضى.

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم العالم بالعربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

الذكاء الاصطناعي سيكون له تأثير هائل على الاقتصاد في المستقبل

يمكن للمؤسسات (الإعلامية والبحثية إلخ) الحصول على تقاريرنا حصريًا الآن. لمعرفة المزيد حول …