الرئيسة أقليات مريم أحمد: تدليس سي إن إن.. الحجاب نموذجًا

مريم أحمد: تدليس سي إن إن.. الحجاب نموذجًا

4 second read
0

ترجمة: علاء البشبيشي 

بينما كان الهدف المُعلَن لأحد المقالات الرئيسة التي نشرها موقع (سي إن إن) مؤخرًا يبدو إيجابيًا، فإن محتواه الحقيقي كان مضللًا ومدلسًا. إذا كان ذلك نُشِر في جريدة مدرسية ربما لم يكن الأمر يستدعي مثل هذا التنبيه، أمَا وقد نُشِر المقال في صدر موقع (سي إن إن) بذريعة تبديد الأساطير المنسوجة حول الحجاب، فحريُّ أن يثير القلق. 

أحد المقالات الرئيسة التي نُشِرَت على موقع (سي إن إن) وسطَرها مراسلها “جون بليك” تحت عنوان (مسلمات يكشفن الخرافات المنسوجة حول الحجاب)، حاولت كشف “الخرافات” المحيطة بالحجاب. وبالرغم من أن العنوان يدل ضمنيًا على أن المقال يحتوي على تحليل عميق للأفكار الخاطئة المحيطة بالحجاب والأسباب التي تجعل النساء يرتدينه، إلا أنه فشل في تحقيق هذا الهدف. بدلاً من ذلك،  وبدعوى التغطية المتعاطفة للتمييز الذي تواجهه المرأة المسلمة وإخبار الرأي العام بالهدف الحقيقي للحجاب، قدَّم المقال صورة مشوهة عن تاريخ الحجاب الإسلامي، والنسوة اللاتي يرتدينه، وطبيعة الجدال الدائر حول تلك القضية الشائكة في المجتمع المسلم. 

غياب المصدر 

المشكلة المركزية في المقال هي فشل كاتبه “بليك” في الاستشهاد بمصادر رسمية. وبينما يدل العنوان ضمنًا على أن هذا العمل يحتوي على وجهات نظر نساء مسلمات، إلا أن الأجزاء الرئيسة في التحليل اعتمدت على اقتباسات مأخوذة من فتيات مسلمات في سن المراهقة. كما ظهر أيضًا أنه لم تُجرَ أيُّ مقابلة بشأن المقال مع أي عالم دين مسلم. بل أجرى (الكاتب) مقابلة مع “راندا عبد الفتاح”، مسلمة استرالية، تكتب روايات حول مسلمات في مقتبل العمر يناضلن من أجل قضايا من قبيل ارتداء الحجاب. وبينما أتت تعليقاتها مشوقة، إلا أنها بلا شك ليست عالمة دين. كما استشهد المقال بكتاب فائقة شيرازي (The Veil Unveiled ) بصفة أساسية في شرح تاريخ الحجاب الإسلامي. لكن “فائقة”، مثلها كـ”راندا”، ليست خبيرة في الإسلام، فتخصص دراستها هو “الملابس والنسيج”، وليس “التاريخ والدين”.

وإنصافًا لـ “بليك” (نقول)، لقد قدَّم المقال تغطية جيدة للتمييز الذي تواجهه المرأة المتحجبة داخل المجتمعات المسلمة وغير المسلمة في البلدان الغربية. كما شدد على أن غالبية النساء يرتدين الحجاب بكامل إرادتهن، دون ضغط من العائلة أو المجتمع.

ورغم الجوانب الإيجابية في المقال، فقد فشل كاتبه “بليك” في رصد الأسباب الدينية الحقيقية وراء الحجاب. ففي الجزء المعنون بـ (تاريخ مفاجئ وراء الحجاب) سرد بإيجاز التاريخ الإسلامي الواقعي للحجاب؛ حيث نقل عن “فائقة” قولها: إن القرآن “يحث النساء على التحشم في اللباس”، ويأخذ البعض “نصيحة القرآن على أنها أمر للنساء بارتداء الحجاب، بينما لا يوافق البعض الآخر”، ووفقًا لـ، “فائقة” فإن القرآن غير صريح فيما يتعلق بوجوب ارتداء المرأة الحجاب.

جهل أو تجاهل

لقد فشل “بليك” في شرح الآية الحادية والثلاثين من سورة النور، أو الاستشهاد بها، والتي على النقيض من تحليله “تأمر”  أكثر من كونها “تشجِّع” كلاً من الرجل والمرأة على التزام والاحتشام، وتنص على أن النساء عليهن أن يضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لأزواجهن. كما لم يُشِر إلى النقاش الإسلامي حول سبب نزول الآية التاسعة والخمسين من سورة الأحزاب، والتي تأمر نساء النبي محمد وبناته ونساء المؤمنين بأن يدنين عليهن من جلابيبهن حال خروجهن.

كما لم يتطرق (المقال) إلى النقاش الدقيق بين علماء الإسلام فيما يتعلق بقابلية تطبيق هذه الآيات. وبذلك تُرِك القارئ بالانطباع المضلل ليستنتج أن الحجاب هو محض اختيار (من شاءت ارتدته ومن شاءت نزعته). بدلاً من ذلك، أوضح “بليك” أن الحجاب يسبق الإسلام، وبينما كان يُستخدَم كرمز للاحترام والمكانة، فإنه بحلول القرن الحادي والعشرين فُرِض الحجاب على المرأة في العالم الإسلامي لاستثنائها من الحياة العامة، و (هكذا) “تحوَّل من رمز للتمييز إلى رمز للاستبعاد”.

هذه الاستنتاجات حُبلَى بالأخطاء. فحقيقة أن الحجاب سبق الإسلام ليس له علاقة مباشرة بالنقاش الإسلامي حول الحجاب. كما أن رأي “فائقة شيرازي” أن الحجاب فُرِض على المرأة في القرن الحادي والعشرين لاستبعادها من الحياة العامة، قد أتى، في السياق الذي وضعه “بليك”، مضللًا. فلم يُعطَ القارئ أيَّ إشارة تبيِّن لماذا خرجت “فائقة” بهذا الاستنتاج. فمن غير الواضح ما إذا كانت تشير إلى بلدٍ أو ثقافة أو أناس بعينهم: الواضح أن “بليك” اعتمد على هذه الجملة في إظهار كون استبعاد المرأة من الحياة العامة مستمرًا حتى يومنا هذا.

تعميمٌ مغلوط

هذا الاستعداد تم دعمه بلقاء أجراه (الكاتب) مع “سارة حكمتي”، الأمريكية – الإيرانية التي قررت كمراهقة ارتداء الحجاب. أوضحت “سارة” أنها حينما قررت ارتداء الحجاب واجهت معارضة من أمها وآخرين في المجتمع الأمريكي-الإيراني. وبحسب “بليك” فإن العديد من الأمهات المسلمات في أمريكا يعارضن رغبة بناتهن في ارتداء الحجاب؛ لأن هؤلاء الأمهات “غالبًا ما هاجرن إلى الغرب ليتحررن من قيد ارتداء الحجاب وغيره من الأوامر المفروضة على النساء (المسلمات)”. والدة سارة على سبيل المثال قالت: إن اختيار ابنتها “أربكها”. بل لقد ضايق الكثيرون في المجتمع الإيراني –الأمريكي “سارة”؛ حيث قالوا: “لقد تخلصنا منكم، وجئنا هنا كي لا نراكم ثانية”.

إن رد فعل جيل والدة “ساره” من إيران، وغيرهم من المجتمع الإيراني- الأمريكي لا يعكس وجهة نظر غالبية المجتمع المسلم في أمريكا. ربما يكون صحيحًا أن والدة “سارة” وغيرها من أبناء هذا الجيل فرَّوا بعد قيام الثورة الإسلامية، إلى حد ما هربًا من القوانين القاسية الجديدة المتعلقة بحقوق المرأة، إلا أن هذه القضايا تخص المجتمع الإيراني-الأمريكي. فلا توجد مثل هذه القضايا المتعلقة بالمرأة بين الجالية الهندية أو الصينية في أمريكا، على سبيل المثال. ولمَّا لم يكن هناك أدنى ذكر للأسباب التي جعلت أبناء الجالية الإيرانية في أمريكا يحملون هذه الرؤى، فإن القارئ يُترَك بانطباع أن عامة المسلمين في أمريكا يمارسون التمييز ضد المرأة التي ترتدي الحجاب. وهو ما يؤيد استنتاج “بليك” أن الفتيات الصغيرات اللواتي يرتدين الحجاب في أمريكا لا يتلقيْن الدعم على المستوى الديني (بما أن الحجاب سابق للإسلام، والأمر بارتدائه ليس صريحًا في الدين، وأصبح الآن رمزًا لاستبعاد المرأة من الحياة العامة)، ولا على المستوى العائلي أو المجتمعي.

خارج السياق

أكثر من ذلك، قوَّض “بليك” مصداقية الرؤى التي عبرت عنها النساء المتحجبات بالتركيز الشديد على الجمل التي قالتها “سارة” و “رفيده عبد العزيز”، من نيو جيرسي. ربما يكون انتزع بعض كلامهن من سياقه، لكن العديد من تعليقاتهن أتت مناقضة لذاتها أو للقواعد الإسلامية الأساسية. استشهد (الكاتب) بكلام “سارة” حين أوضحت أن الحجاب جعلها قلقة من علاقتها بالشباب: “البعض طلبوا منها الخروج في موعد”. الشباب غالبًا ما يضعونها في قائمة الأصدقاء، تساءلت: هل هي جذابة. وقالت: “تساءلتُ مرات: هل سأكون غالبًا مجرد صديقة لشاب، لا أكثر”. ويبقى السبب الذي دفع “سارة” لمثل هذا التساؤل غامضًا، لاسيما وأنها أوضحت كما فعلت غيرها ممن شملتهن المقابلات أن السبب الرئيس وراء ارتداها الحجاب هو أن يحظيْن بالمساواة مع الرجال، بعيدًا عن التشويش الذهني الذي ينتج عن الانجذاب بين الرجل والمرأة.  هذه الجملة جعلت من حكمتي وغيرها ممن شملهن المقال يبدون وكأنهن مشوشات أو مضلَّلات فيما يتعلق بالهدف من ارتداء الحجاب.

كما أوضحت “رفيدة” أن أمها أخبرتها بأن “الفتيات كالجوهرة. فحينما تمتلكين جوهرة ثمينة، فإنك تخبئينها. لتتأكدي من أنكِ وضعتيها في مكان آمن، حتى تصبح جاهزة كي يجدها أحدهم”. ومع ذلك، ذكر “بليك” في نهاية المقال أن “رفيدة” واجهت بعض الصدامات مع أناس غاضبين بسبب قرارها ارتداء الحجاب أو هؤلاء المشفقين عليها. وهو ما يبدو أضعافًا لما ذهبت إليه من أن الحجاب يبقيها مختبئة وآمنة “كجوهرة. كما أن قول “رفيدة”: إن ارتداء الحجاب “لهو شعور جيد حقًا”، وأنه “كشعوري بأنني كنتُ أفتقد شيئًا ثم وجدته، الآن أشعر بالإنجاز”، رغم كونه مفيدًا وجديرًا بالثناء، فإنه في نفس الوقت خرج متكلفًا من فتاة تبلغ من العمر 17 عامًا. مثل هذا الكلام ما كان ليصبح ذا معنًى لو خرج من عالم درس القضية، أو امرأة ناضجة ارتدت الحجاب طيلة حياتها.

إن الانطباع الذي وصل للقارئ، هو عن مجموعة مشوشة من الفتيات المسلمات اللاتي يرتدين الحجاب ويتلقيْن دعمًا خافتًا من مجتمعاتهن، ويتمسكن بممارسةٍ عتيقة الطراز تعزلهن اجتماعيًا. وبينما كان الهدف المعلن لأحد المقالات الرئيسة التي نشرها موقع (سي إن إن) مؤخرًا يبدو إيجابيًا، فإن محتواه الحقيقي كان مضللًا ومدلسًا. إذا كان ذلك نُشِر في جريدة مدرسية ربما لم يكن الأمر يستدعي مثل هذا التنبيه، أما وقد نُشِر المقال في صدر موقع (سي إن إن) بذريعة تبديد الأساطير المنسوجة حول الحجاب، فحريُّ أن يثير القلق.

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم أقليات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

حُسنه حق: أن تكوني محجبة في أمريكا

ترجمة/ علاء البشبيشي  أعرف أنني كنتُ في مأزق تلك اللحظة التي جلستُ فيها. كنتُ للتوِّ قد ات…