نُشِرَ هذا التقرير بتاريخ 21 أكتوبر 2010، ونُعيد طرحه اليوم لرصد ما الذي تغير بعد مرور أكثر من أربع سنوات.

بدأ نجم الرأسمالية في الأفول، وأصبح قادة الغرب ومُنَظِّرُوه يُصَرِّحُون بذلك علانيةً، بعد أن خجلوا من الاعتراف بذلك طويلًا، اللهم إلا القليل الذي لا يزال يدافع عن تلك الورقة الخاسرة، من أمثال بوش؛ الذي يرى أن الفرصة مازالت سانحةً لاستدراك ذبالة المصباح قبل أن ينطفئ.
إنها “الرأسمالية الجامحة” التي اعترف رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون أن “الأزمة المالية كشفت ضعفها”، مُشَدِّدًا على أهمية أن تُبْنَى الأسواق وفقًا لقيم المجتمع، وكأنه يقول: (إنّ الرأسمالية لا خلاق لها)!
وبراون إذ يُلقي باللائمة على (الرأسمالية الجامحة)، كما نقلت عنه وكالة “الأسوشيتد برس”، فإنه يُشَدِّدُ على ضرورة أنْ تَعْكِسَ الأنظمةُ المالية قِيَمَ العدالة والتعاون التي يُعَزِّزُها المجتمع والبيت، بحسب ما نقلته صحيفة “الديلي تليجراف”.
إنها “الرأسمالية العارية” التي رأتْ صحيفة “سيدني مورنينج هيرالد” أنّ ورقة التوت قد سقطت عنها فبدت سَوْأَتُها، وهي الآن “عاريةٌ تمامًا” بل “مُعَلَّقَةٌ على حبل المشنقة”! لكن ذلك حدث للأسف بعد أنْ تركت البنوك في ورطة كبرى، والطبقة الحاكمة في حَرَجٍ شديد، والطبقة الكادحة في غضب جارف.
إنها “الرأسمالية المتطرفة” على حَدِّ وصف رئيس الوزراء الأسترالي كيفن رود، قد أصابت النظام المالي العالمي في مقتل، وألحق الركودُ الناتج عنها خسارةً فادحةً بالبورصات الأسترالية، أطاحت في يوم واحد بمكاسب أسبوع بأكمله.
الأمر الذي دفع رود إلى مهاجمة المصارف الاستثمارية في وول ستريت لفشلها الذريع خلال هذه الأزمة، قائلًا، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الفرنسية: “ما رأيناه هو فَشَلٌ شامل للرأسمالية المتطرفة، التي تَلْجَأُ الآن للحكومات لوقف فشلها”.
إنها “الرأسمالية العاجزة” -كما قالت عنها صحيفة “صنداي هيرالد”- التي خَرَّبَتْ كل نواحي الحياة، بدءًا بالعقارات، مرورًا بالغذاء وحتى البيئة.
وأفرزت بطالةً قال عنها جيمس بيرنيل: إنها ستضرب كل بريطانيا، وسيرتفع عدد ضحاياها بحلول أعياد الميلاد إلى مليون شخص.
بل أثمرتْ رعبًا، أكَّدَتِ الصحيفة البريطانية، أنه لن يدع جُحْرَ ضب إلا ودخله، قائلة “ليس هناك مكان آمن”!
حَتَّى نمط معيشة البشر على هذا الكوكب تَغَيَّرَ نتيجةً لهذه الأزمة، بعد الارتفاع الجنوني في الأسعار، وهو الأمر الذي تؤكده الأرقام؛ حيث سُجِّلت زيادةٌ قدرها 34% في شراء المنتجات المخفَّضة، مقارنةً بـ 2% انخفاضًا في شراء المنتجات مرتفعة الثمن، و 9% في شراء المنتجات الصحية الأكثر ارتفاعًا في التكلفة.
إنها “الرأسمالية المجنونة” ،كما وصفها “بيتر سيمونز” في “نيشن نيوز”، والتي جعلت كبرياتِ المؤسسات المالية تترنح على شفير كارثة، كانت لتنمو بصورة أكثر إيذاءً لولا تدخل الحكومات على خط المواجهة.
إنها “الرأسمالية الجَشِعة” – على حَدِّ وصف “بزنس وورلد” – “التي بُنيت وازدهرت معتمدةً على الجشع، بل كان الجَشَعُ أحدَ متطلباتها وجوائزها”.
وتوضح “بزنس وورلد” معنى الجشع الذي تَعْنِيه هنا، قائلةً: “ونعني بالجشع السعيَ للحصول على أكبر قدر من الفائدة، بأقلّ قدر من الارتياب، من أجل إعادة استثمارِ وتحصيلِ مكاسب أكثر، في دائرةٍ مستمرة من السرقة والنهب، بل من الاستغلال والظلم”.
إنها “الرأسمالية القبيحة” على حَدِّ وصف صحيفة “موسكو تايمز”، التي رأتْ أن الرأسمالية أخذت ولم تُعْطِ، وأنّ على بابها الآن لافتةً مكتوب عليها (مغلق بسبب الكارثة)!
إنها “الرأسمالية الفاشلة”، التي رسبت في الاختبار بعدما وثق فيها العالم، وسَلَّم لها زمام أموره، كما وصفتها صحيفة “بزنس ديلي”.
وقد خلفت هذه الرأسمالية وضعًا قالت عنه “انترناشيونال هيرالد تريبيون” إنه أشبه ما يكون بـ “نادٍ كبير للقمار، تُرِك بلا صاحب”! بل ذهبت أبعد من ذلك، حين قالت بصراحةٍ: “أحدُ الأشياء التي يمكننا الجزم بقولها: أن النسخة الأمريكية من الرأسمالية قد تضرَّرَت بشدة، في الداخل والخارج”، مُضِيفَةً بتهكم: “كما يمكننا توجيه الشكر للرئيس بوش، وعُصبَتِه في الكونجرس، و وول ستريت، لهذه الإساءة التي ألحقوها بالرأسمالية والعولمة، بصورةٍ لم يحدث لها مثيل من قبل”.
إنها “الرأسمالية المريضة”، التي قالت عنها مجلة “بزنس وورلد”: “انظرْ إلى هذا الخراب الذي اجتاح معظم المؤسسات المالية في الولايات المتحدة وأوروبا خلال الأزمة المالية العالمية، وسيتضح لك أنّ الرأسمالية – أو على الأقل النسخة الأمريكية منها – التي دخلت الخدمة منذ سبعينيات القرن الماضي، أصبحت الآن على فراش الموت، أو مريضة للغاية على أفضل التقديرات”!
ولما كان البعض مازال يتشكك في هذا الفشل الذريع للرأسمالية، سارعت المجلة لتبديد هذه الشكوك بقولها: “ولم لا؟! فلا أحد كبير على السقوط!”.
إنها “نهاية الرأسمالية”، التي تركت العالم مشدوهًا مما يحدث، ودفعت صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية مؤخرًا إلى التساؤل (أهي نهاية الرأسمالية؟)، لتأتيها الإجابةُ حاسمةً من صحيفة “ليبراسيون” الفرنسية: بالفعل “إن الرأسمالية تحتضر”.
ربما لا يمكن قتل الرأسمالية، لكنْ يُمْكِنُها تدمير نفسها!

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم العالم بالعربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

كيف سيؤثر الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد في المستقبل؟

يمكن للمؤسسات (الإعلامية والبحثية إلخ) الحصول على تقاريرنا حصريًا الآن. لمعرفة المزيد حول …