ترجمة: علاء البشبيشي

حتى إذا كانت الحسابات الوطنية المنشورة هي المعيار الوحيد لتقييم ثروة قطر- رغم أنها لا تشمل بعض استثمارات عائلة آل ثاني الضخمة في الخارج- يتبين أن الاقتصاد القطري في أفضل حالاته.

استجابة حكيمة وعوائد ضخمة

صحيحٌ أن انهيار أسعار النفط أدى إلى تخفيض الميزانية، لكن استجابة الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني كانت حكيمة؛ وآيةُ ذلك حصول الإمارة الخليجية على تصنيف ائتماني طويل الأجل من الفئة ”AA”، وقصير الأجل من الفئة “A-1″، بالعملات الأجنبية وبالعملة المحلية من وكالة التصنيف الائتماني العالمية ”ستاندرد آند بورز”، مع نظرة مستقبلية مستقرة.

كما تُوَفِّر عوائد الغاز والاستثمارات الضخمة مجالا رحبًا لعدد من الصفقات الباهظة، وهو ما ظهر في العقد الذي طال انتظاره مع فرنسا لتوريد 24 مقاتلة رافال، لدرجة إثارة استياء المنافسين الأمريكيين والبريطانيين لشركة داسو. 

طموحات لا تخلو من مخاطر 

لكن رغم حجم الاقتصاد القطري، لا تخلو خطط قطر غير المسبوقة للخروج من شبه الجزيرة العربية والانطلاق صوب العالمية من المخاطر. وفي هذا السياق، حذرت جالف ستاتس نيوز منذ عام 2013 أن “سنوات من التوسع الاقتصادي المذهل لابد (في نهاية المطاف) وأن تكون لها نهاية، إذا- وحين- انخفضت أسعار النفط. وأضاف التقرير: “وإذا لم تنجح قطر في إدارة التباعد بين مؤشرات العوائد والنفقات (كأس العالم 2022 وغيره)؛ فسوف تنزلق ميزانية الإمارة إلى مستنقع العجز بحلول 2015-2016 للمرة الأولى منذ عام 1998”.

حزمة تحديات في توقيت سيء

وكانت العناوين الرئيسية التي تضمنها أحدث إصدارات صندوق النقد الدولي المنشورة خلال شهر مارس في سياق “مشاورات المادة الرابعة” تسلط الضوء على أن تأثير انخفاض أسعار النفط قد يعني مخاطرة الحكومة بتسجيل عجز في الميزانية في عام 2016. 

ومع ارتفاع فائض ميزانية الحكومة المركزية إلى 13% من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية 2013/2014 (حتى نهاية مارس)، ثمة مشرات على حالة من عدم الارتياح التي لم يشهد المخططون الاقتصاديون القطريون مثلها من قبل، منذ الأيام الأولى لمحاولة الأمير السابق الشيخ حمد بن خليفة الجريئة لجعل الإمارة منتجًا عالميًا للغاز الطبيعي. وبينما نجحت تلك المغامرة، إلا أنها لم تخلو من بعض لحظات القلق أواخر التسعينيات، في ظل انخفاض أسعار النفط، وتململ الدائنين. 

وفي ظل إسهام أنشطة قطاع الطاقة بـ90% من الميزانية والصادرات، يتضح كم هو سيء توقيت الانخفاض الحالي في أسعار النفط، لا سيما وأنه يأتي في فترة تشهد ذروة الإنفاق القطري، حيث تستثمر قطر ببذخٍ هائل في الاستعدادات لاستضافة كأس العالم المثير للجدل. 

ارتفاع/تدهور 

وسجل الناتج المحلي الإجمالي القطري ارتفاعًا بمعدل 6% سنويا في 2012/14 (مدفوعا بازدهار قطاع البناء)، ويتوقع صندوق النقد الدولي نموا بنحو 7% في العام الجاري 2015، لكنه استدرك: “سيؤدي انخفاض أسعار النفط إلى تدهور كبير في المالية والموازين الخارجية” خلال العام التالي”. مضيفًا: “وفي تناقض حاد مع السنوات السابقة، ستشهد الميزانية عجزًا بدءًا من العام 2016 فصاعدًا، وإلى حدٍ كبير سوف يُلتَهَم الفائض في الحساب الجاري”.

التنويع

ولا غروَ أن يعيد صندوق النقد الدولي دعواته لدولة قطر بتسريع “تنويع” وتحسين مناخ الأعمال، والحذر من الآثار السلبية المحتملة من الطفرة العقارية. ويرى الصندوق أن التحرك صوب اقتصاد أكثر عقلانية سوف يؤدي إلى توفيرات وفوائد كبيرة؛ وبالتالي يجب على الحكومة تخفيض أنظمة دعمها المبهمة للطاقة والمياه.   

لكن “التنويع” مصطلح يتطلب بعض التوضيح. ففي حين يشير صندوق النقد الدولي بوضوح إلى تقليل الاعتماد على النفط والغاز، فإنه يتحدث أيضا عن “تكثيف جهود التنويع من خلال المزيد من التحسينات في بيئة الأعمال، وجودة التعليم العالي، وإصلاحات سوق العمل، وهو الأمر الذي من شأنه أن يجعل النمو أكثر شمولا”. وهو ما يمكن تفسيره على أنه تنويع لثمار للطفرة القطرية التي تعتمد على الغاز بعيدًا عن نخبة آل ثاني فاحشة الثراء. 

اطمئنان نسبي

بيدَ أن البنوك المحلية تتمتع بقاعدة رأسمالية قوية، كما أظهرت الحكومة حكمةً إذ خَفَّضت ميزانيات المؤسسات الوزارية وتلك التي تمولها الدولة (وخصصتها، في بعض الحالات، لأول مرة)، حيث أصبح واضحًا أن أسعار النفط تشهد تراجعًا لفترة طويلة.

وربما توحي التوقعات بهبوب عواصف “الاقتصاد الكلي”، إلا أن أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم ليس لديه مخاوف كبيرة حيال الضغوط المالية، وأي غيوم تنتج عن العاصفة بالنسبة للأمير تميم سوف تهب من اتجاهات أخرى.

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم العالم بالعربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

الذكاء الاصطناعي سيكون له تأثير هائل على الاقتصاد في المستقبل

يمكن للمؤسسات (الإعلامية والبحثية إلخ) الحصول على تقاريرنا حصريًا الآن. لمعرفة المزيد حول …