ترجمة: علاء البشبيشي

عندما يذهب وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري، إلى موسكو هذا الأسبوع، ينبغي أن يضع في اعتباره أن الاشتباكات العسكرية الروسية الأخيرة في أوكرانيا وسوريا تمثل محاولة للتلاعب بالمفاهيم.

يريد الكرملين أن يُنَصِّب نفسه نِدًّا لأمريكا، ومنفتحًا على التعاون ضد تنظيم الدولة، لكنه أيضا قادرًا على أن يمثل تهديدا عسكريا لحلفاء الولايات المتحدة، مثل: أوكرانيا وتركيا والمعارضة السورية”.

يسعى الكرملين إلى تحقيق أهداف جيوسياسية هامة سواء في أوكرانيا أو مسارح الشرق. وتشمل هذه الأهداف: تأمين القواعد في شبه جزيرة القرم، وكذلك في سوريا، وزراعة الأكراد كعميل استراتيجي في الشرق الأوسط، وحرمان أوكرانيا من التمتع باستقلالٍ يكفي للسعي إلى عضوية الناتو والاتحاد الأوروبي. 

لكن ذلك ليس الشيء الوحيد الذي تفكر فيه روسيا. بل هناك هدف رئيس آخر هو: تأمين الوطن من التدخل الأمريكي المحتمل. إذ يخشى جزء كبير من النخبة الحاكمة قيام “ثورة ملونة” بإيعاز من الولايات المتحدة قد تُنهي سيطرتهم.

بقصف سوريا، شقَ بوتين طريقه إلى طاولة المفاوضات مثلما يفعل رعاة البقر لشق طريقهم إلى الحانة في الغرب. وبذلك أصبحت سوريا محط الاهتمام الغربي مُجتازةً أوكرانيا- ليس هذا وفقط، بل جلبت الكرملين إلى طاولة المفاوضات: يريد بوتين مقايضة التنازلات في سوريا برفع العقوبات وتخفيف موقف الغرب في أوكرانيا. ومع ذلك، فإن هذه الخطوات الجريئة لتحقيق مفهوم التكافؤ ليست سوى قناع يخفي وراءه روسيا الضعيفة، التي تزداد وَهَنًا. وهذا هو السبب:

تحوَّلت سياسة روسيا في أوكرانيا إلى سباقٍ نحو القاع. حيث يستفرغ الكرملين وسعه لضمان أن تطيح الأزمة الأمنية والسياسية في أوكرانيا بالحكومة الموالية للغرب، ويحل مكانها عملاء موسكو الذين ينتظرون في الأجنحة.

أخبرني مسؤول كبير سابق في الكرملين مؤخرًا بأن “إذا اتجهت أوكرانيا إلى الفيدرالية فإنها ستنهار. وإذا توحدت لكن في ظل الانقسام تحت راية القومية، فإنها ستذهب إلى المصير ذاته”. يعني: أن أوكرانيا ستنهار قبل أن تفعل روسيا، وتنوي موسكو التقاط الركام.  

كلمات قوية، لكن الصعوبات التي تواجه روسيا بادية للجميع:

– ما بين عامَي 2014 و2015، انخفضت قيمة الروبل بنسبة 24%، وتراجعت القوة الشرائية بنسبة 20%، وتقلص الناتج المحلي الإجمالي الروسي بنسبة 3.7%.

– في حين ظلّ إنتاج الغاز والنفط مستقرًا، تراجعت الإيرادات الدولارية من صادرات الغاز بنسبة 29% خلال النصف الأول من عام 2015 مقارنة بالفترة ذاتها من العام 2014. كما كانت إيرادات صادرات النفط 1.75 مرة أقل.

– فشلت روسيا في تنويع اقتصادها. فلم تُدشن أي صناعات جديدة، وغادر الوافدون زرافات ووحدانا. وانخفض عدد الوافدين من الولايات المتحدة وأوروبا الغربية بنسبة 34% ما بين يناير 2014 والشهر ذاته من عام 2015.

– تفشَّت المحسوبية؛ حيث تولى نجل نائب رئيس الوزراء الروسي ديمتري روغوزين إدارة قسم الممتلكات التابعة لوزارة الدفاع. وشغل أبناء كبار قادة الأجهزة الأمنية الروسية مناصب بارزة: حيث يعمل نجل سكرتير المجلس الوطني للأمن الروسي نيكولاي باتروشيف في البنك الزراعي الروسي وشركة غازبروم نيفت. أحد أبناء رئيس الوزراء الأسبق ورئيس هيئة الاستخبارات الخارجية، ميخائيل فرادكوف، يعمل في مصرف فنيشيكونوم، ويشغل ابنه الآخر منصب نائب مدير شؤون الرئاسة. ويرأس نجل رئيس الأركان، سيرغي إيفانوف، شركة “سوجاز”، ثاني أكبر شركات التأمين في روسيا، التي تؤمن شركات عملاقة مثل: غازبروم.

– الروس يغادرون البلاد: في الأشهر الثمانية الأولى من عام 2014، غادر 203 ألف شخص، وهو ما يقارب الرقم القياسي الذي سجلته البلاد في عام 1999، بواقع 215 ألفًا، بعد هبوط الاقتصاد.

– في الوقت ذاته، تزداد النظم الاجتماعية الروسية سوءًا أكثر من المعتاد، بما في ذلك التعليم والرعاية الصحية. وبينما تكافح المناطق الروسية التي تعاني من ضائقة مالية، سوف يتأثر عدد متزايد من موظفي الحكومة بقانون الرعاية الصحية الجديد. وكان المتظاهرون قد خرجحوا إلى شوارع موسكو احتجاجا على قانون إصلاح الرعاية الصحية الجديد التي يتضمن خطوات غير متوقعة بإغلاق ودمج مستشفيات.

– يتواصل تدمير القليل المتبقي من الفضاء السياسي التعددي في روسيا، وتطهير البلاد من الليبراليين القلائل الباقين. وهو ما يعتبر في بعض الأحيان، فضيحة بقدر ما هو غريب. في هذا السياق، ندتت وسائل الإعلام الروسية مؤخرًا اجتماعا عقدته المعارضة مؤخرًا في فيلنيوس، ووصفته بأنه “اجتماع لإدارة الاحتلال الأمريكي المستقبلي”. وطالب المخرج المؤثر والمقرب من دائرة بوتين، نيكيتا ميخالكوف، الدولة بمحاكمة جورباتشوف ويلتسين بتهمة الخيانة. ودعت الكنيسة الأرثوذكسية الروسية بإعادة النظر في مناهج أدب المدرسة الثانوية، بما في ذلك حذف بعض أعمال الكاتب المسرحي أنطون تشيكوف. وأخيرًا، في خطوةٍ جديرةٍ بعباءات وعمائم آيات الله الإيرانيين، وضعت وزارة الثقافة الروسية لاصقات سوداء على إعلان معرض لوحات هيرونيموس بوش.

– وصل نموذج سياسة بوتين الخارجية إلى طريق مسدود. فمع تباطؤ الاقتصاد الصيني، تراجعت حاجة الصين إلى النفط والغاز الروسي. وفي حين أفسدت موسكو علاقاتها مع الغرب، فإن الصين لم تصبح السوق ولا الخيار الجيوسياسي الذي كان يأمله بوتين في عام 2014.

– روسيا ليست كوريا الشمالية التي تمتلك أسلحة نووية، لكنها مكان أقل سعادة مما كانت عليه حتى خلال الأزمة الاقتصادية خلال عامي 2008 و2009، وبالتأكيد أقل حيوية بكثير مما كانت عليه في التسعينيات وأوائل الألفية الثانية.

تدرك النخب الروسية، ومنهم شخص تحدثت معه ضمن قائمة فوربس أبرز 100 شخصية روسية، أن البلاد بحاجة إلى إصلاح هيكلي اقتصادي وإصلاحات قانونية. وغالبية الروس الذين تحدثت معهم يعتقدون أن هذه الإصلاحات مستحيلة دون تحرر سياسي. ومع ذلك، لن يتسامح بوتين وحاشيته من مخضرمي الـ كي جي بي مع هذا التوجه الليبرالي.

  • فإلى أين تتجه روسيا؟
  • إلى مكان مظلم.

ذلك أن بلدًا حالها هكذا، لا يمكن أن تكون جاذبة للاستثمار الأجنبي، ولا ريادة الأعمال محلية، ولا حتى لنهضة ثقافية. فضلا عن أن الكثيرين ممن استطاعوا المغادرة رحلوا، واصطحبوا مواهبهم معهم.

صحيحٌ أن روسيا لا تزال قوة نووية، بإمكانها حشد قوة كاسحة ضد جيرانها، إلا أنها بعيدة عن أن تكون على قدم المساواة مع الولايات المتحدة. هذا ما ينبغي أن يتذكره كيري عندما يستمع إلى مطالب نظرائه في الكرملين بشأن أوكرانيا وسوريا.


شؤون خليجية

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم مراكز أبحاث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

فلسطين بعيون مراكز الأبحاث العالمية في أسبوع

موجز دوري يستعرض أبرز ما يُنشَر عن فلسطين في المؤسسات البحثية العالمية. …