ترجمة: علاء البشبيشي

سبع سنوات، وستة أشهر، و23 يومًا، وثلاثة رؤساء إيرانيين، ورئيسان أمريكيان.. كان هذا ما تطلبه التوصل لاتفاق بين إيران والقوى العالمية الست- بريطانيا والصين وفرنسا وروسيا وأمريكا وألمانيا- لاحتواء برنامجها النووي.

بطبيعة الحال، يستغرق التغلب على العداء الدبلوماسي الذي استمر ثلاثة عقود ونصف وقتا طويلا، وهذا الاتفاق بالتأكيد ليس استثناء.

لكن قبل أن تتناثر التكهنات بشأن عدد براميل النفط التي ستُضَخّ الآن في الأسواق، وكم الأموال والأسلحة التي يمكن لإيران منحها لحلفائها المتشددين، والمسارات التي يمكن أن تؤدي في النهاية إلى امتلاك إيران سلاحا نوويًا برغم كل شيء- قبل ذلك كله- دعونا نسلط الضوء على الأمور الأكثر أهمية، والتي يُرَجَّح أن تتطور في السنوات المقبلة نتيجة هذه الصفقة.

أولا، تعالوا نحظى بإطلالة على الخط الزمني. هناك سطر استراتيجيّ جدًا في مقدمة الصفقة ينص على أن الاتفاق “سيؤدي إلى رفع شامل لجميع العقوبات التي يفرضها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، إلى جانب العقوبات الوطنية ومتعددة الأطراف المتعلقة ببرنامج إيران النووي”.

وبالنظر إلى أن رفع كافة العقوبات مرة واحدة كان طلبًا متكررًا، وغير واقعي، من المسئولين الإيرانيين، يمكن للحكومة الإيرانية استخدام السطر أعلاه لترويج الصفقة في الداخل، وإظهار أنها نفذت وعدها بخوص العقوبات، إلا أن الجدول الزمني لا يزال أكثر دقة بكثير.

فأمام الكونجرس 60 يومًا لاستعراض الاتفاق. وإذا رفضه المشرع، سيستخدم الرئيس الفيتو ضد قرار الكونجرس، وساعتئذ ربما لن يكون هناك ما يكفي من الأصوات في الكونجرس لتجاوز النقض الرئاسي. 

في الوقت ذاته، ستمرر الأمم المتحدة قرارا بالمصادقة على الاتفاق. وبمرور تسعين يومًا من هذه النقطة، يمكن اعتماد الاتفاق رسميًا. 

وقبل تطبيق الصفقة رسميًا، ستقدم الوكالة الدولية للطاقة الذرية تقريرًا بحلول 15 ديسمبر يتحقق من التزام إيران بالقضايا العالقة ذات الصلة ببرنامجها النووي. كما سيتعين على الوكالة أيضًا التحقق من أن إيران نفذت كافة التدابير النووية المتعلقة بالاتفاق. 

انطلاقًا من هذه النقطة، ستدخل إيران فترة تنفيذ مدتها ثماني سنوات، ستراقب الوكالة الدولية خلالها عن كثب نشاطها النووي المحدود لأغراض مدنية وأي مواقع نووية مشتبه بها.

وعندما يدخل الاتفاق حيز التنفيذ رسميًا، ستُمَرِّر الأمم المتحدة قرار إنهاء العقوبات المفروضة على إيران (سيستمر الحظر على الأسلحة لمدة خمس سنوات).

فقط عندما تَخلُص الوكالة إلى أن البرنامج النووي الايراني لا يزال سلميًا- وهو ما يمكن أن يحدث بعد ثماني سنوات من اختبار مدى التزام إيران- سوف تسعى الإدارة الأمريكية إلى إصدار تشريعات لإنهاء العقوبات رسميا. حتى حينها، سيكون قرار الامتثال لذلك عائدًا للكونجرس.

ما يعنيه هذا هو تأخر تنفيذ الاتفاق حتى أوائل عام 2016، وبعدها فقط سوف يرى العالم تأثيرًا ملموسًا لقرابة 40-50 مليون برميل من مخزون النفط الإيراني، وقرابة 300 ألف برميل يوميًا من الصادرات الإضافية التي يمكن أن تضيفها إيران إلى المخزونات الحالية في غضون بضعة أشهر من التنفيذ.

وعندما يتعلق الأمر بمشروع إحياء صناعة الطاقة الإيرانية المتداعية الذي طال انتظاره، ستبقى الولايات المتحدة مكبلة إلى حد كبير بسبب العقوبات. وسيُترَك هذا المجال مفتوحا في المقام الأول للمستثمرين الأوروبيين والآسيويين، الذين سيكون لديهم فسحة سياسية للقيام باستثمارات كبيرة في قطاع الطاقة الإيراني. 

وأي مستثمر يحاول دخول السوق الإيراني سوف يكون بحاجة إلى التعامل مع قطاع الطاقة والبناء الذي يهيمن عليه الحرس الثوري، والذي سيكون شديد المقاومة للمنافسة الخارجية، مفضلا أيام الاقتصاد المغلق حينما كان يراوغ للتهرب من العقوبات، والحفاظ على الاقتصاد الإيراني واقفا على قدميه.

ستتخطى الآثار المترتبة على الصفقة ما هو أبعد من مؤشرات الدولار وبراميل النفط الخام. في الواقع، لا تمثل نهاية فترة المفاوضات الشاقة إلا مجرد بداية لفترة متقلبة جدا في الشرق الأوسط. حيث ستكون القوى السنية في المنطقة، مع المملكة العربية السعودية وتركيا في الصدارة، أكثر نشاطا في إحداث توازن ضد القوة الإيرانية، بموازاة التنافس فيما بينها. وسوف تحصن إسرائيل علاقاتها في المنطقة وتُنَوِّعها بأقصى ما تستطيع؛ بحثًا عن حلفاء تجمعها بهم مصلحة مشتركة في احتواء وكلاء إيران المتشددين.

بالنسبة للولايات المتحدة، يعتبر الاتفاق النووي الإيراني خطوة نحو سياسة خارجية أكثر نشاطا بكثير في الشرق الأوسط؛ تعتمد على القوى المحلية لإدارة الأعباء الإقليمية بدلا من التورط في مركز كل الصراعات الناشئة. 

صحيح أن الولايات المتحدة تعتمد بالفعل على الميليشيات الشيعية الإيرانية في العراق لاستمرار القتال ضد الدولة الإسلامية. وفي سوريا، حتما سيكون هناك نقاش بين الولايات المتحدة وايران بشأن اتفاق لتقاسم السلطة في دمشق عندما يحين الوقت المناسب. لكن العلاقة الأمريكية-الإيرانية ليست بأي حال حصرية، ولن تؤدي تلقائيا إلى تسهيل تعامل واشنطن مع منطقة الشرق الأوسط. بل سيتعين على الولايات المتحدة تحقيق توازن مع القوى السنية في المنطقة بموازاة عملها على تطوير علاقاتها مع إيران، وهو ما سيتطلب الكثير من الوقت والطاقة والاستراتيجية لإدارة مجموعة من المصالح المتنافسة دون التورط في الحريق الكبير المقبل.


 شؤون خليجية

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم العالم بالعربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

بالأرقام.. كل ما تحتاج إلى معرفته عن مضيق هرمز

أولًا: إحصائيات الطاقة والتجارة العالمية 20% نسبة النفط والغاز الطبيعي المسال (LNG) في الع…