في العمق البراجماتية.. مفتاح استمرار العلاقات بين روسيا وقطر والسعودية لـ العالم بالعربية منشور في 9 second read 0 شارك على Facebook شارك على Twitter شارك على Google+ شارك على Reddit شارك على Pinterest شارك على Linkedin شارك على Tumblr ترجمة: علاء البشبيشي بعد عشر سنوات من العلاقات الفاترة، يبدو أن روسيا وخصومها الخليجيين أدركوا أن السلام السيء أفضل من الصراع الجيد. يأتي ذلك بعدما مَثَّلت السنوات الأخيرة تحديًا للعلاقة بين روسيا والخليج. حيث وضعت الحرب في سوريا- على وجه الخصوص- موسكو في مواجهة مباشرة مع الرياض والدوحة، اللذين يعارضان الرئيس السوري بشار الأسد بينما تدعمه موسكو. أيضا كان لهذه التوترات السياسية تداعيات اقتصادية، قلَّصت فرص التعاون أو الاستثمار: ففي عام 2010-2011 رفضت قطر عرضا روسيا بإقامة عدد من المشروعات الاستثمارية في قطاعات البناء والتعدين والنفط والغاز تبلغ قيمتها قرابة 10-12 مليار دولار. ويبدو أن السياسة كانت العامل الحاسم في ذلك. وفيما يتعلق بالعلاقات الروسية-القطرية، كان منتدى البلدان المصدر للغاز ميدانًا آخر للمعركة: ففي 2011، أرسلت روسيا وفدا منخفض المستوى لحضور قمة المنتدى في الدوحة، وهو الازدراء الذي ردت عليه قطر بمثله في قمة المنتدى التي انعقدت بموسكو عام 2013. لكن مثل هذه الآلاعيب أضرت بجميع أعضاء المنتدى، لا سيما في وقت انشغال عضوين آخرين، هما ليبيا ومصر، بشؤونهما الداخلية. وبحلول نوفمبر 2011، أصبحت المواجهة بين موسكو وقطر علنية، بعد انسحاب السفير الروسي لدى الدوحة فلاديمير تيتورينكو إثر خلاف بشأن حقيبته الدبلوماسية. أما العلاقات مع السعودية فلم تكن أفضل حالا. فقد لعبت القنوات التلفزيونية والصحف التي تدعمها الدوحة والرياض دورا هاما في تشويه صورة روسيا في الشرق الأوسط، وربط صورة موسكو في أذهان الرأي العام بالدكتاتورية وإراقة الدماء. كما بدأت بعض وسائل الإعلام في مناقشة موضوعات أخرى تمثل حساسية لدى الكرملين، مثل: حالة الديمقراطية، أو الأقليات المسلمة، في روسيا. على سبيل المثال، دأبت الجزيرة دوريا منذ عام 2011 على إبراز المخاوف بشأن السياسات الداخلية التي يتخذها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وفي أكتوبر 2012، بث التلفزيون القطري الرسمي خطبة للشيخ يوسف القرضاوي تصف روسيا بأنها “العدو رقم واحد” للإسلام. مثل هذه التصريحات التي أدلى بها القرضاوي أججت مخاوف روسيا من أن الدوحة قد تستخدم نفوذها لتقويض الحوار الروسي مع الزعماء الدينيين في الشرق الأوسط، وهو الأمر الذي تراه موسكو مركزيًا للحفاظ على الاستقرار الداخلي. حيث تعتقد موسكو أن متابعة هذا الحوار يمكن أن يساعد في الحد من المساعدة المالية والمعنوية المقدمة للإسلاميين المتطرفين الناشطين في جنوب روسيا. كما أن دعم قطر- وأيضا السعودية- للفصائل المتطرفة في سوريا منذ عام 2011، يمثل مصدر قلق خاص؛ نظرا لتواجد الإسلاميين الروس في هذه الدائرة. الواقعية السياسية ومع ذلك، ورغم هذه المخاوف، لم تسفر الأحداث في سوريا عن انهيار العلاقة بين روسيا وقطر أو السعودية. وإذا كان عامي 2011 و2012 قد مثلا اختبارات جادة للعلاقات، فإن عامي 2013 و2014 أثبتا أن موسكو لن ترحل بعيدا. جزئيًا، كانت إعادة روسيا لعلاقاتها مع دول الخليج العربي نتيجة عودة بوتين إلى الرئاسة في 2012، ذلك أنه أقل موالاة للغرب وأكثر واقعية من سلفه ديمتري ميدفيديف. ووفقا لدبلوماسيين روس، كان قرار إعادة تنشيط الاتصالات مع بعض دول الشرق الأوسط (ومن بينها: قطر والسعودية) مبادرة خالصة من بوتين. كما شهدت عودته أيضًا تحول موسكو لتصبح أكثر ذكاء وقوة في الدفاع عن الخطوط الحمراء لسياستها الخارجية، مثل: عدم قبول التدخل العسكري الأجنبي في سوريا، وضرورة وقف النشاط الجهادي. ويقول محللون: إن تشدد السياسة الروسية يشجع دول الخليج للرد بالمثل على محاولات سوريا إعادة التواصل. كما أن تقويض روسيا لمحاولات الولايات المتحدة للتدخل عسكريا في سوريا عام 2003 لم يمر دون أن يلاحظه أحد، ولا دورها الرئيسي في مبادرة تدمير الأسلحة الكيميائية في سوريا، ما اضطر قطر وآخرين إلى قبول موسكو كلاعب مهم، وإن كانت أهدافه الاستراتيجية مختلفة. وفي هذه الأيام، تظهر روسيا رغبتها في الحوار مع كل القوى تقريبا في الساحة الشرق أوسطية. ولأنها ترى دول الخليج لاعبا مركزيا؛ بذلت عدة جهود لإعادة تأسيس التواصل مع قطر، والانتهاء إلى أن سياسة المواجهة أضرت أكثر مما نفعت. وفي 22 نوفمبر 2013، عينت موسكو سفيرا جديدا في الدوحة، على الرغم من أنها لم تتلقَّ تفسيرا رسميا حول حادث “تيتورينكو”، كما طالبت في البداية. وفي 10 فبراير 2014، زار قطر وفدٌ رفيع المستوى من أعضاء البرلمان الروسي، برئاسة ميخائيل مارجيلوف، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في المجلس الفيدرالي. وكانت زيارة مارجيلوف- على أقل تقدير- مهمة لتأمين الحد الأدنى من الحوار الثنائي. قبل هذه الزيارة ببضعة أيام فقط- ما يدل على استعداد قطر للرد بالمثل- زار أمير قطر الشيخ تميم بن حمد دورة الألعاب الأولمبية في سوتشي يوم 5 فبراير، حيث عقد اجتماع عمل مع بوتين. تقارب سعودي؟ كان يُنظَر إلى التوتر بين الرياض وواشنطن باعتباره فرصة لموسكو، التي تحاول زيادة تواجدها في الخليج منذ عام 2003. وفي عام 2013-2014، أسفرت زيادة الاستقلال الأمريكي في مجال الطاقة، والتقارب الدولي مع إيران، وإحجام المجتمع الدولي على التدخل في سوريا، عن وضع بعض المسافة بين واشنطن وحلفائها التقليديين في الخليج، وتشجيع الرياض على إعادة تقييم علاقاتها الأخرى. كما جذبت زيارتين لموسكو، قام بهما مدير المخابرات العامة السعودية آنذاك، الأمير بندر بن سلطان، في يوليو وديسمبر 2013، اهتماما كبيرا، والكثير من التكهنات. ورغم أن جدول الأعمال لم يعلن عنه أبدا، يرجح بعض المحللين أنها كانت محاولة غير رسمية لسد الفجوة التي فاقمتها سوريا. وكان هناك إيحاء آخر بالتعاون من المجلس الخليجي في نوفمبر من ذلك العام، حين نشرت الصحافة المصرية أن السعوديين (والإماراتيين) سوف يساعدون المصريين على شراء أسلحة روسية للتعويض عن نقض الذخائر الأمريكية. ووفقا لصحيفة “روسيسكايا جازيتا” الروسية الرسمية، حينما زار وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل موسكو في نوفمبر 2014، كانت إحدى القضايا التي طرحت للنقاش هي الجهود المشتركة لمحاربة الإرهاب، وهو التصريح السعودي الذي يعني تعهد السعودية بعدم تمويل الانفصاليين في جنوب روسيا كبادرة حسن نية. أن يكون هناك حوار بين البلدين ليس مفاجئًا؛ فلدى موسكو والرياض العديد من المصالح المشتركة، بما في ذلك الاستقرار السياسي الإقليمي والمشروعات التي الطاقة والفضاء. يقول المحلل السياسي ناصر التميمي: “للوهلة الأولى، تبدو العلاقات السعودية-الروسية مزيجا هائلا من التناقضات، لكن هناك الكثير من المؤشرات التي تثبت وجود تقارب في المصالح بين البلدين، قد يدفع العلاقات إلى مزيد من التقارب”. وتعتبر الطاقة مثال ساطع على ذلك. ففي عام 2004، على سبيل المثال، وقعت شركة لوك أويل أوفرسيز عقدا مع السعودية؛ مَنَح الشركة امتيازا مدته 40 سنة لاستكشاف وتطوير حقل الغاز في الربع الخالي. ولتنفيذ هذا المشروع أسست لوك أويل أوفرسيبز وأرامكو السعودية شركة مشتركة، يمتلك الروس 80% منها، واكتشفت عام 2006 حقلًا جديدًا تقدر احتياطياته بـ85 مليون طن نفط مكافئ. وتجري الشركة تقييما للاحتياطيات المكتشفة حتى تتمكن من البدء في تطوير الحقل. وخلال زيارته التي قام بها في يوليو 2013، قيل إن الأمير بندر استخدم نفوذ الطاقة للتأثير على سلوك موسكو، في مقابل ضمان أن دول مجلس التعاون الخليجي لن تمنع صادرات روسيا من الغاز إلى الاتحاد الأوروبي إذا أوقفت موسكو دعمها للأسد. صحيح أن مثل هذه الشائعات لم تتأكد، لكن مما لاشك فيه أن الهيدروكربونات يعتبر قطاعا حساسا بشكل خاص لروسيا، وتستحوذ عليه دائما فكرة أن السعودية قد تهدد مصالح موسكو في أسواق النفط والغاز العالمية عن طريق السماح لأسعار النفط بالتراجع. وفي الواقع كان انخفاض أسعار النفط منذ منتصف 2014 مؤلما للغاية لموسكو، وأدى إلى تكهنات في أوساط نخبتها السياسية بأن ذلك جزء من مؤامرة سعودية-أمريكية لتدمير الاقتصاد الروسي. فإلى أي سوف تمتد هذه التكهنات إلى العلاقات السياسية؟ هذا ما ستثبته الأيام. وفي حين يبدو أن موسكو والدوحة والرياض على استعداد للحفاظ على مستوى معين من التعامل، وحتى المودة، فإن استمرار الخلافات بينهم بشأن سوريا سوف تظل عائقا أمام أي تعاون كبير.