ويكأن الصراعات العنيفة التي تتصدر النشرات المسائية لا تكفي لإرواء الظمأ الطائفي والأيديولوجي في منطقة الشرق الأوسط المسلمة؛ حتى توغل السعودية، مركز الإسلام السني، وإيران، الثيوقراطية الشيعية، في حربهما الباردة التي أضحت ساخنةً في بعض الأماكن، أبرزها سوريا، وتؤججان توترات سنية-شيعية تخطت الحدود، ووصلت إلى العراق ولبنان والبحرين، بل ضربت المملكة في عقر دارها، حيث تتواجد أقلية شيعية. صحيح أن أفراد السنة والشيعة لا ينخرطون بالضرورة في هذا الانقسام الصارم (نحن-في-مواجهتهم)، بيدَ أن قادة النظامين والمتشددين من أنصارهما يفعلون ذلك. وصحيح أيضًا أن العلاقات السعودية -الإيرانية ظلت تتأرجح صعودا وهبوطا بوحشية لفترة طويلة، لكنها اليوم تغلي. 

على سبيل المثال كان سقوط صنعاء؛ هدية لإيران وفرصة لتوسيع نفوذها في جزيرة العرب. وما حدث باختصار أن أمريكا “اختارت استيعاب توسيع النفوذ الإيراني في اليمن لسببين؛ الأول: غياب الاستراتيجية لمقاومة هذا النفوذ المتزايد. والثاني: إصرار واشنطن على نهجها التقليدي الذي يركز على الأمن ويضع مكافحة الإرهاب كأولوية قبل أي جانب آخر في علاقاتها مع الشرق الأوسط”، وفقا للمحلل في معهد بروكنجز الدوحة، إبراهيم شرقية. “ويعتبر الحوثيون وإيران خصمان قويان لتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية؛ لذلك فإن وصول الحوثيين للسلطة، وإن كانوا يرفعون شعار “الموت لأمريكا”، لا يزال هو الخيار الأفضل للولايات المتحدة من تأثير القاعدة المتزايد”. “كما أن الحوثيين هم الأقرب في اعتبار إيران ليصبحوا ورقة ضغطٍ على السعودية ومؤشرًا على النفوذ الإقليمي”، بحسب محلل الشئون الخليجية في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، نيل باتريك. بل إن السيطرة على مدينة الحديدة تمنح المتمردين، المعروفين باسم الحوثيين والذين يشتبه- على نطاق واسع- في علاقتهم بإيران الشيعية، متنفسًا قد يكونون في حاجة إليه لإقامة أي كيان مستقبلا.

وفي سياق متصل أخبر قائد الحرس الثوري الإيراني محمد علي جعفري رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، خلال زيارته طهران يوم 21 أكتوبر، أنه يريد تعزيز التواجد العسكري الإيراني في العراق. وفي هذا السياق، سيتم نشر 500 ضابط إضافي من نخبة فيلق القدس التابع للحرس الثوري في العراق؛ للإشراف على تدريب الجيش النظامي العراقي الموالي لبغداد، إلى جانب فصيلة أخرى من “الباسدران” سوف تقوم بتدريب حزب الله العراقي، وغيرهم من مقاتلي المليشيات الشيعية.

وفي المقابل أُعلِن عن تكليف (مجموعة الأمن البحري 81) بمراقبة أنشطة إيران في الخليج، خاصة في مضيق هرمز وكذلك على طول حدود المياه الإقليمية اليمنية. بل تضغط المخابرات العامة السعودية على وكالة الاستخبارات الباكستانية لتصعيد عملياتها ضد إيران. وفي هذا السياق، التقى رئيس المخابرات العامة السعودية، الأمير خالد بن بندر، مع مدير الاستخبارات الباكستانية، رضوان أختر، يوم 12 أكتوبر الماضي. وكان بصحبة “بندر” الأمير مقرن بن عبد العزيز، الرئيس السابق للمخابرات السعودية. وبموجب هذا الاتفاق السري بين البلدين، طالب المسؤولون السعوديون الاستخبارات الباكستانية بتكثيف دعمها للمقاتلين الانفصاليين عبر الحدود في محافظة سيستان-بلوشستان. بدورها تسعى المملكة العربية السعودية لفك الحلقة الشيعية التي تُحكِم الخناق حولها؛ من جهة العراق وسوريا اللتين تبرز فيهما إيران حاليًا كحليف موضوعي للولايات المتحدة، وأيضًا من جهة الحوثيين الذين يخوضون حربًا في شبه جزيرة العرب.

ورغم ميل المحللين الغربيين إلى الإطلالة على السياسات السعودية بعيون شرق أوسطية فقط، تقوم الرياض بمناورة عالية المخاطر في جنوب آسيا لها تداعيات مباشرة على التطورات النووية الإيرانية والحرب في سوريا واستقرار باكستان والسلام بين إسلام أباد و نيودلهي. 

وكلما تزايد قلق المملكة حيال قرب حصول إيران على أسلحة نووية، ورعاية طهران للإبادة الجماعية التي يرتكبها الأسد، فاضت الكراهية السعودية-الإيرانية المتبادلة على هيئة ردود فعل سياسية. وهو ما يمثل مشكلة جديدة كبرى لأمريكا، ويغذي الكابوس الأمني المتزايد. وهكذا تزداد الأمور سوءًا؛ فإذا أطلقت إيران العنان للطائفية ضد السنة العراقيين، فسترد السعودية على الأرجح بدعم جماعات إرهابية سنية غير متوقعة. هذا يعني أن أمريكا تواجه برميل بارود طائفيا مسيسا في المنطقة. وإذا انفجر، فسترتفع ألسنة اللهب في جنبات الشرق الأوسط المحترق.

ولهذا تأثيره على “إسرائيل”، الدولة الوحيدة في المنطقة التي لا تضم أغلبية مسلمة، وكذلك على كيفية مواجهة تهديد “داعش”. كما يذكرنا هذا الانقسام السني- الشيعي بأن إسرائيل ليست الدولة الوحيدة التي تعتبر إيران تهديدًا، فالمملكة تراها كذلك أيضًا. وفي ضوء ذلك يمكن للتهديدات أن تتحول إلى فرص؛ فانقسامات الشرق الأوسط المسلم توفر لإسرائيل فرصة كي تعقد تحالفات غير رسمية مع الدول العربية لاحتواء التهديدات المشتركة، المتمثلة في: إيران والجهاديين السنة. ولا ضير بعد ذلك ألا يساند أي نظام عربي إسرائيل علانية، خاصة وأن أمريكا على الجانب الآخر تحافظ على علاقتها الخاصة بالعائلة المالكة في السعودية ودول الخليج الأخرى عبر اتفاقيات في المجالات العسكرية والطاقة. 

لكن وسط هذا الخضم المتلاطم، ظهرت داعش كأحد العوامل التي يمكنها تجسير فجوة الانقسامات السنية-الشيعية بل والسنية-السنية؛ فوحشيتها ورفضها للحدود السيادية وتهديدها لجميع الأنظمة في المنطقة قد يحولها إلى عدو مشترك. فبينما تدعم إيران الشيعة الذين يقاومون “داعش” في العراق، تشارك السعودية والإمارات وقطر- اللذين يساندون طرفي الحرب الأهلية في ليبيا- في الحملة العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة ضد “داعش”، إلى جانب الضغوط المتزايدة التي تمارس على تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي، للانضمام إلى التحالف الذي يقوده الرئيس أوباما ضد التنظيم. 

وهكذا أصبحت إحدى النتائج اللافتة لصعود داعش؛ هو: تغيير المفاهيم بشأن الشرق الأوسط. أحيانًا يبدوا كما لو أن الأصدقاء أصبحوا حلفاء محتملين، وبدأت الشكوك تطرق حتى أبواب الأصدقاء القدامى. والمؤكد أن الأمور تبدوا أكثر اختلاطا مما كانت عليه قبل بضع سنوات.

وإذا كانت السعودية وإيران يعتبران “داعش” تمثل تهديدا وجوديا لهما، يتساءل برويز أحمد في هافينجتون بوست: لماذا لا يتعاونان لهزيمتها؟ لا سيما وأن التقارب السني الشيعي، بقيادة الرياض وطهران، من شأنه أن يكون أكثر فعالية بكثير وأقل تكلفة من الـ 10 ملايين دولار التي تنفقها أمريكا يوميًا الآن لقصف “داعش”. وإلا فمن سيدفع في النهاية فاتورة هذه الحرب؟

هذا يتوافق مع ما نشره مركز ستراتفور أواخر العام 2013 حين توقع أن تفكر الحكومة السعودية بهدوء في فتح قناة خلفية مع طهران للتفاوض بشأن هدنة؛ مع افتقارها إلى القوة والنفوذ لعرقلة المفاوضات الغربية-الإيرانية حول الملف النووي. وبالفعل مرَّ العام وأثبتت السعودية عجزها في عرقلة هذا المسار، وفي المقابل تعالت دعوات إيجاد تسوية بين القوتين الإقليميتين. فكلا البلدين أدرك أنهما يمتلكان أدوات ضغط قوية ونفوذًا في المنطقة. وعندما يعترف اثنان من اللاعبين السياسيين في منطقة حساسة مثل الشرق الأوسط بامتلاكهما لقدرة سياسية عالية، فإن ذلك دليل على أن كلا منهما قَبِل الآخر باعتباره قوة إقليمية كبرى.

فهل يتسق ذلك مع كون أحد أوراق اعتماد “جلوي” أميرا لنجران؛ هو “علاقته الإيجابية مع شيعة المنطقة الشرقية”، بحسب برقية السفارة الأمريكية التي سربها ويكيليكس بتاريخ مارس 2009؟ وأن يكون أحد أبرز المرشحين لخلافة أمير الكويت؛ رئيس الوزراء السابق، الشيخ ناصر المحمد الصباح، يحظى بدعم الشيعة في الكويت، وقضى 11 عامًا في طهران كدبلوماسي؟

فرغم صياغة البلدان شكلًا معينًا من توازن التهديد، يخشى كل منهما أن يتحول إلى بطلين ميتين في خضم هذه اللعبة الإقليمية، التي يمكن أن تكون نموذجا جيدا للتعاون بينهما كقناصَين- على حد وصف جان جاك روسو- خرجا إلى البرية في رحلة صيد، ويمكن اعتبار “داعش” أيلا رمزيًا في سلة مصالحهما الوطنية. صحيحٌ أن السلة تحوي دائمًا أرانب برية، لكن الوقت قصير جدا لصيد الأيل، ولو تُرِك حبله على غاربه ربما تحوَّل إلى ذئب متعطش للدماء.

وفي هذا السياق يرجح البعض أن تتقارب السعودية وإيران حتى في الشأن السوري، في ضوء اعتراف جدة أن المسلحين المتمردين الذين تدعمهم لا يمكنهم هزيمة الأسد أو احتواء “داعش” في هذا البلد، إلى جانب نجاح هذه المجموعة الأخيرة في احتلال أراضي إضافية في المناطق الكردية السورية. وفي هذه الحالة سوف تعطي السعودية موافقتها على بقاء الأسد في السلطة ونسف تطلعات المتمردين ليأخذوا مكانه.

وبحسب حامد رضا كمالي في إيران ريفيو؛ ينبغي على الرياض تقبُّل أن الخط الأحمر الذي رسمته سابقا لرفض تدخل إيران في تطورات العالم العربي رفضه حتى حلفاؤها المقربون، وأن تبدأ في التعامل مع واقع أن الأزمات الجارية في لبنان وسوريا والعراق والبحرين وحتى اليمن لا يمكن حلها دون الاحترام الواجب لمصالح إيران الوطنية، والاستفادة من نفوذ طهران في هذه البلاد. ويمكن أن تكون مكافحة الإرهاب والتطرف الديني، بما في ذلك التهديد الذي تشعر به المملكة من التيارات الإسلامية التابعة لجماعة الإخوان المسلمين، هو محور التعاون الرئيس بين البلدين.

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم العالم بالعربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

الذكاء الاصطناعي سيكون له تأثير هائل على الاقتصاد في المستقبل

يمكن للمؤسسات (الإعلامية والبحثية إلخ) الحصول على تقاريرنا حصريًا الآن. لمعرفة المزيد حول …