ترجمة: علاء البشبيشي 

 

كان أول لقاء يجمع بين أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني والرئيس الأمريكي باراك أوباما في 24 فبراير 2015، خلال أولى زيارة للأول إلى البيت الأبيض. بيد أن مسارات الرجلين تقاطعت سابقًا؛ حيث شارك الشيخ تميم في اجتماع قمة رأسه أوباما في مقر الأمم المتحدة يوم 25 سبتمبر 2013، لمناقشة الأخطار التي تهدد السلام والأمن الدوليين. فيما أجرى والده الشيخ حمد بن خليفة، محادثات مع أوباما قبل شهرين فقط من تسليم السلطة لابنه في يونيو 2013، وقبلها في أبريل 2011. وإن صرَّح المتحدث باسم البيت الأبيض لـ جالف ستاتس نيوز بأن أوباما وتميم لم يجمعهما لقاء رسمي، رغم تأكيدهما العلني المشترك على قوة العلاقات الثنائية بين بلديهما. 

في يوم الاجتماع، نشر الأمير تميم مقالا في صحيفة نيويورك تايمز بعنوان “رسالة قطر لأوباما”؛ تناول وضع قطر كدولة تقدمية مستعدة وجاهزة للقيام بكل ما يلزم لهزيمة التطرف. وجاء فيه: “عندما التقيت الرئيس أوباما يوم الثلاثاء في واشنطن… كانت رسالتي واضحة: يجب علينا أن نعمل معا لاستعادة الشرق الأوسط من على حافة الانهيار. وهذا سيتطلب التزاما جريئًا، على أساس رؤية طويلة الأجل من العدل والأمن والسلام لجميع شعوب المنطقة. ونحن في قطر على استعداد للقيام بكل ما يلزم للمساعدة في تحقيق هذه الرؤية”. 

وكما هو متوقع، خرج بيان أوباما عقب الاجتماع ليصف هذه التفاهمات بأنها “ممتازة”، و”واسعة النطاق”، واعتبر الحدث بأنه “لقاء عقول هام”، مشيرًا إلى “العلاقات الأمنية بالغة القوة” بين أمريكا وقطر، وأهمية الاستثمار القطري في الولايات المتحدة، ودور الدوحة في التحالف الذي تقوده واشنطن لمكافحة مسلحي تنظيم الدولة في العراق وسوريا. كما تطرق النقاش إلى ليبيا واليمن وفلسطين وإيران، ويرجح أن يكون تناول مصر أيضًا، بالنظر إلى التوترات الأخيرة بين الدوحة والقاهرة على خلفية قصف الأخيرة لليبيا. 

بيدَ أن السياسة التي تحكم العلاقة بين الدوحة وواشنطن تتسم بالتعقيد. فرغم وضوح الفوائد الاستراتيجية للعلاقات الجيدة مع واشنطن إلى حد ما للدوحة (سواء من حيث أمنها الخاص، وطموحاتها لزيادة مكانتها على الساحة العالمية)، لا يزال هناك تعارض بين ما تحتاجه واشنطن (المال، الدعم العسكري، الوصول مع الجماعات المسلحة) والانزعاج السياسي من قيامها بأعمال تجارية مع دولة تقيم علاقات مع هذه الجماعات، ولديها سجل سيء في مجال حقوق الإنسان، وتتمركز العديد من السلطات في أيدي عائلتها الحاكمة. 

الجانب الجيد 

رغم أن أوباما لم يجلس من قبل مع تميم البالغ من العمر 34 عاما، فقد أثنى عليه بالفعل علانية في مايو 2014، بعدما ساعدت قطر في تأمين إفراج طالبان عن الرقيب الأمريكي بوي بيرجدال، واصفا “الالتزام الشخصي” الذي أبداه الشيخ تميم بأنه “شهادة على الشراكة التي تجمع بين بلدينا”. 

ومن المحتمل أن يكون رأي الرئيس الأمريكي في القطريين متأثرًا برأي وزير خارجيته جون كيري، الذي بنى علاقات قوية مع نظيره القطري خالد العطية. وكان هذا الأخير قد زار واشنطن أوائل فبراير، وقبل لقائه في الثاني من الشهر ذاته، وصفه كيري بـ”صديقي” قائلا: لقد عملنا سويًا بجدية بالغة على العديد من القضايا”. 

وكانت قدرة قطر على الوساطة- سواء مع طالبان أو حماس أو الجماعات المتمردة في سوريا وليبيا أو غير المرغوب فيهم الآخرين الذين تريد الولايات المتحدة الوصول إليهم- جزءًا رئيسيًا من فائدتها لواشنطن، إلى جانب استعدادها لإيواء الجيش الأمريكي في منشأتين؛ قاعدة السيلية العسكرية، وقاعدة العُديد الجوية (التي تضم عشرات الطائرات القتالية وطائرات الدعم وآلاف الموظفين). 

كما يبرز دعم قطر المالي- الواضح أيضًا في عواصم أوروبية مثل لندن وباريس- على نحو متزايد في الولايات المتحدة. حيث افتتحت شركة الديار القطرية، الذراع الاستثماري لجهاز قطر للاستثمار QIA، أولى مشاريعها الاستثمارية في الولايات المتحدة خلال شهر نوفمبر. ويتكلف مشروع “سيتي سنتر دي سي” 1.5 مليار دولار في واشنطن، ويشمل في مرحلته الأولى بناء 485 شقة للإيجار، و216 وحدة سكنية ومكتب ومكان للبيع بالتجزئة ومساحة خضراء. ويقال إن من بين سكانها بعض أقوى اللاعبين في واشنطن، ومن بينهم السناتور الديمقراطي كلير مكاسكيل عضو لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، وتفيد التقارير بأنه دفع 2.7 مليون دولار مقابل شقة في هذا المشروع. 

وتعتزم شركة الديار القطرية أيضًا البدء في بناء فندق في واشنطن في وقت لاحق من العام الجاري 2015، فيما تخطط هيئة الاستثمار القطرية لفتح مكتب لها في نيويورك. كما تخطط قطر لاستثمار أكثر من 30 مليار دولار في الولايات المتحدة على مدى العامين المقبلين، بحسب تصريحات وزير المالية القطري على شريف العمادي خلال زيارته إلى واشنطن في يناير. وجدير بالذكر أيضا أن زيارة تميم إلى واشنطن جاءت بعد أيام قليلة من زيارته إلى اليابان، التي تنافس الولايات المتحدة لتصبح أكبر شريك تجاري لدولة قطر. 

الجانب السيء 

رغم ترحيب الولايات المتحدة بالاستثمار القطري، وإشادتها بوساطة الدوحة السياسية، يشعر الكثيرون في الإدارة الأمريكية بعدم الارتياح حيال شراكات قطر. فقد نشرت صحيفة وول ستريت جورنال في 23 فبراير أن بعض أعضاء مجلس الأمن القومي، خلال فترة ولاية أوباما الأولى، ضغطوا على الرئيس لسحب سرب طائرات من قاعدة العديد؛ احتجاجا على دعم قطر للمليشيات. لكن هذا لم يحدث، بل في الواقع ذهب وزير الدفاع الأمريكي تشاك هيجل إلى قطر؛ ليس فقط لتوقيع اتفاق تعاون دفاعي مدته عشر سنوات، ولكن أيضًا لزيارة قاعدة العديد في خطوة علنية غير مسبوقة: ففي حين كان تواجد القوات الأمريكية هناك سرًا شائعًا، اعتبر استعداد وزارة الدفاع الأمريكية لتحديد موقعها علنًا كمحاولة من واشنطن لإظهار التزامها حيال قطر. 

وهناك أمثلة أخرى على مثل هذه الانقسامات بشأن قطر، وصلت إلى داخل مجلس النواب الأمريكي. ويعزز كراهية الدوحة في المقام الأول الأدلة على ارتباط قطر بشبكات تمويل الإرهاب، وإن كان على المستوي الفردي وليس الرسمي. ففي سبتمبر، أدرجت وزارة الخزانة الأمريكية أحد مسئولي تنظيم الدولة، يدعى طارق الحارزي، على قائمة الإرهابيين، مستشهدة بتلقيه مليوني دولار من ممول قطري. كما أدرجت وزارة الخزانة المواطن القطري إبراهيم البكر على القائمة ذاتها، وقد كان اعتقل في الدوحة في أوائل الألفية الثانية لتورطه مع شبكة إرهابية، لكن أطلق سراحه بعدما وعد بعدم الانخراط في أي نشاط إرهابي داخل قطر. وقالت وزارة الخزانة الأمريكية إن “البكر” لعب دورا رئيسيًا في خلية إرهابية تخطط لشن هجمات ضد القوات الأمريكي المتواجدة في الأراضي القطرية. 

أهداف قطر 

من وجهة النظر القطرية، كانت زيارة تميم تهدف إلى ما هو أكثر من رؤية أوباما، كما أظهر قراره بكتابة مقال في نيويورك تايمز. (المرة الأخيرة التي زار فيها الولايات المتحدة، أجرى مقابلة مطولة مع سي إن إن، إلى جانب نيويورك تايمز). ذلك أن قطر في عهد تميم تدرك جيدًا كيف ينظر العالم إليها، ومدى احتياجاتها لتحدي هذا التصور. 

كما عقد الأمير عددا كبيرا من الاجتماعات في واشنطن، شملت كيري، ووزير الدفاع الجديد أشتون كارتر، ووزير الخزانة جاكوب ليو، ووزير الأمن الداخلي جين جونسون، ورئيس وكالة المخابرات المركزية جون برينان، ورئيس مجلس النواب جون بوينر، وغيرهم، كما تناول الإفطار في منزل نائب الرئيس جو بايدن. كما تحدث في جامعة جورج تاون (التي لديها كلية في قطر)، والتقى شخصيات عربية-أمريكية وتجمع أصدقاء قطر في الكونجرس. وسافر تميم أيضًا إلى هيوستن؛ حيث زار الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الأب، والتقى الرئيس التنفيذي لشركة كونوكو فيلبس العالمية للطاقة، ريان لانس (ولديها حصة في مشروع قطرغاز 3)، وحضر مأدبة غداء أقامتها إكسون موبيل؛ شريكة قطر للبترول في حقل الشمال.


جالف ستاتس نيوز

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم العالم بالعربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

الذكاء الاصطناعي سيكون له تأثير هائل على الاقتصاد في المستقبل

يمكن للمؤسسات (الإعلامية والبحثية إلخ) الحصول على تقاريرنا حصريًا الآن. لمعرفة المزيد حول …