ترجمة: علاء البشبيشي

* الخلاصة
يعيش قادة المملكة العربية السعودية حالة تأهب قصوى بعد أن أعلنت مجموعة تابعة لتنظيم الدولة مسئوليتها عن تفجير مسجدين شيعيين في المنطقة الشرقية، يومَي 21 و29 مايو. صحيحٌ أن الهجمات لم تُظهِر تطورًا تقنيًا كبيرًا، بيد أن الرياض تسعى لتأمين المنطقة دون قدح زناد العنف الطائفي. لكن عمليًا، استطاعت الشرطة السعودية وشيعة المملكة تجاوز خلافاتهما المزمنة، والتعاون تكتيكيًا، لتأمين المنطقة الشرقية، التي تستخرج منها السعودية معظم إنتاجها النفطي، وتتواجد فيها أكثر منشآت البنية التحتية المتعلقة بالطاقة.
 
* التحليل
لم يكن لدى شيعة السعودية يومًا ثقة كبيرة في حكومتهم. فغالبا ما كانت قوات الأمن، المدعومة من المؤسسة الدينية الوهابية التي تحمل وجهات نظر شديدة المعارضة للشعية، تشارك في المواجهات مع الأقلية الدينية المعارِضة في المنطقة الشرقية. وبعد هجوميين انتحاريين متواليين، استهدفا مسجدين شيعيين أثناء صلاة الجمعة، أصبحت العلاقات الطائفية في المنطقة متوترة.
إثر ذلك، بعثت الرياض برسالة قوية إلى المواطنين الشيعة، مفادها: أن الدولة- وليس المواطنين- هي المنوط بها تحقيق العدالة. وإذا حاولت الأقلية الشيعية ضبط الجهاديين ومعاقبتهم، فإن ذلك قد يؤدي إلى زعزعة استقرار البلاد، وتحدي سلطة الحكومة السعودية.
وتتعامل الرياض بحساسية خاصة مع خطر تنامي قوة شيعية داخل حدودها، لا سيما في ظل تزايد نفوذ إيران الإقليمي، واستمرار سيطرة قوات الحوثيين- المدعومين إيرانيًا، والمتواجدين على الجانب الآخر من الحدود مباشرة- على اليمن.

(المظلل باللون البنفسجي؛ هي المناطق ذات الأغلبية الشيعية- المظلل بالخطوط الرمادية؛ هي المناطق السنية-الشيعية المختلطة- الخطوط السوداء المتصلة؛ تشير إلى أنابيب النفط- الخطوط  السوداء المتقطعة؛ تشير إلى أنابيب الغاز الطبيعي المقترحة- المظلل باللون الرمادي الغامق؛ هي حقول النفط والغاز الطبيعي)

ورغم هذه المخاوف، يتولى شيعة السعودية- إلى حدٍ ما- إدارة أمورهم بأنفسهم. وتشير التقارير إلى أنهم يضطلعون بتأمين أنفسهم، ويقومون بعمليات اعتقال دون تدخل الرياض. ورغم إعلان السلطات السعودية أنها لن تتسامح مع عمليات القصاص غير القانونية، كانت السلطات الحكومية والأقلية الشيعية يتعاونان بهدوء في القبض على المتشددين السنة المشتبه فيهم، خلال الأيام التي تلت هجوم 21 مايو.
التعاون مع السكان المحليين
في أعقاب الهجمات، جاء الرد الحكومي السعودي بزيادة التواجد الأمني والاعتقالات والنشاطات الاستخباراتية في المنطقة الغنية بالنفط.. كان رد الفعل، طبيعيًا وتلقائيًا. لكن الرياض اتخذت أيضا خطوة دبلوماسية حذرة؛ حيث تواصلت السلطات مع الزعماء الدينيين الشيعة المحللين لتوضيح نواياهم في المنطقة بفعالية أكبر، والإعراب عن تفهم الحكومة لمخاوف المواطنين الشيعة. بالإضافة إلى ذلك، سمحت الحكومة السعودية للمجموعات الشيعية بإجراء تحقيقاتهم الخاصة والقيام بالاعتقالات في أعقاب التفجيرات.
وياله من تطورٍ هام.. فبعض هذه المجموعات لديها صلات مع مليشيات شيعية قائمة، كانت في كثير من الأحيان هدفا للتحقيقات الحكومية. وفي الماضي، أسفرت تعبئة هذه القوات عن اعتقالات استباقية واشتباكات مع قوات الأمن السعودية. ورغم براعتها، فإن التعاون السعودي الأخير مع المجموعات الشيعية يُظهِر أن الحكومة أعطت الأولوية لاحتواء التهديد الذي تمثله المليشيات السنية، في مرتبةٍ تسبق حتى منع تشكيل قوات شيعية للدفاع عن النفس.
وتعمل الجماعات الشيعية، المعبأة الآن، مع الحكومة السعودية، وليس في مواجهتها، لتعقب وضبط الجهاديين المحليين. لكن بدلا من القبض على المشتبه فيهم، أو تنفيذ الأحكام بحقهم، تختار هذه المجموعات تسليمهم المضبوطين إلى قوات الأمن لمحاكمتهم عبر القنوات القضائية الرسمية. صحيحٌ أن المناخ لا يزال متوترا، والرياض على أهبة الاستعداد للعنف الطائفي، إلا أن القوات الشيعية للدفاع عن النفس تتصرف بما يجنبها الحملات الأمنية من خلال العمل مع المسئولين السعوديين.
صحيحٌ أيضًا أن البيئة لا تزال متوترة، والرياض على أهبة الاستعداد للعنف الطائفي، لكن القوات الشيعية للدفاع عن النفس تحرص على تجنب عمليات القمع من خلال العمل جنبا إلى جنب مع الحكومة.
بطبيعة الحال، ليس التعاون الحكومي مع الشيعة صريحًا بالضرورة؛ ذلك أن الوهابية الدينية الداعمة لحكم آل سعود معروفة بموقفها شديد المعاداة للشيعة، والمملكة العربية السعودية هي المنافس الرئيس لإيران الشيعية على النفوذ الإقليمي. ولا تزال الحكومة تعارض بشدة الشيعة، وتدين القصاص غير القانوني، لكن وراء الكواليس، فإنها تسمح بمستوى من الحكم الذاتي لقوات الدفاع عن النفس الشيعية.
كما تُمَكِّن الحكومة المواطنين المحليين أيضًا من إدارة شئونهم الأمنية في أماكن العبادة، الأمر الذي ساعد في تحديد المهاجمين المحتملين.
ففي أعقاب هجوم 21 مايو الانتحاري، الذي أسفر عن مقتل 20 شخصا وجرح عشرات آخرين، رفع الشيعة المحليون درجة الاحتياطات الأمنية في المساجد وغيرها من أماكن التجمع المحلية. وقد أثمرت هذه الجهود في منع مهاجمي 29 مايو من الوصول إلى هدفهم المنشود: حيث منع أربعة شيعة محليين المهاجم الجهادي- الذي كان متخفيًا في ملابس نسائية تقليدية- من دخول المسجد. صحيحٌ أن المهاجم فجَّر حزامه الناسف داخل السيارة، ما أدى إلى مقتله والسكان المحليين الأربعة، لكنه فشل في تحقيق مستوى الضرر الذي كان مخططا إلحاقه بالمسجد.
التحرك بحذر
حتى مع تغلب الأقلية الشيعية والحكومة السعودية على خلافاتهما، والعمل سويًا، لا يزال التوتر الطائفي مرتفعا، ما يجعل السلطات السعودية تتحرك بحذر. وفي أحسن الأحوال، كانت العلاقات بين شيعة المملكة والدولة السعودية متوترة، ولأن الشيعة تاريخيا كانوا أهدافًا لعملايت الاعتقال الشرطية في المنطقة الشرقية؛ فلا يوجد هناك ثقة كبيرة بين الطرفين.
وسوف يُلقَى العبء على عاتق الرياض لإظهار الحزم العام في اعتقال ومحاكمة العناصر السنية المتطرفة من أجل الحفاظ على الثقة والتعاون مع الشيعة، وبالتالي ضمان الاستقرار.
كما تأتي هذه الهجمات في وقتٍ حرج بالنسبة للرياض، حيث تحاول التعامل مع الاتفاق النووي الناشئ بين إيران والولايات المتحدة، ومكافحة تنظيم الدولة في سوريا والعراق، ومحاربة المتمردين الحوثيين الشيعة في اليمن. وإذا زادت وتيرة الهجمات السنية، أو أصبحت أكثر دموية، أو أصبح الشيعة غير راضين عن مستوى الاستجابة الحكومية، فمن المرجح أن يضطلع السكان المحليون باتخاذ تدابيرهم الأمنية بأنفسهم، ما قد يؤدي إلى إثارة عنف طائفي جماعي في البلد النفطي.
لكن في الوقت الراهن، وفي مواجهة عدو مشترك، يعمل المجتمع الشيعي السعودي وقوات الأمن الرسمية سويًا لمحاربة التشدد السني، بغض النظر عن مدى استمرارية هذا التحالف.


شؤون خليجية

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم العالم بالعربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

بالأرقام.. كل ما تحتاج إلى معرفته عن مضيق هرمز

أولًا: إحصائيات الطاقة والتجارة العالمية 20% نسبة النفط والغاز الطبيعي المسال (LNG) في الع…