ترجمة: علاء البشبيشي

حديثٌ عن الاقتصادات الآسيوية التي أذهلت العالم بنشاطها، لفترة طويلة، والمواطنين الذين انتشلتهم آسيا الحديثة من الفقر المدقع بفضل سنواتٍ من النمو المذهل، بأعداد أكثر من أي وقت مضى في التاريخ الحديث. بجانب فاتورة الرفاهية، المتمثلة في انفتاح شهية المواطنين إلى المزيد حين تصبح البلاد أكثر رخاء.

يتزايد الضغط عبر القارة من أجل المعاشات الحكومية، والتأمين الصحي الوطني، وإعانة البطالة، وغيرها من مظاهر الضمان الاجتماعي. ونتيجة لذلك تتحول اقتصاديات العالم الأكثر حيوية نحو بناء دولة الرفاهية، بعيدًا عن مجرد بناء الثروة. 

سرعة ونطاق هذا التحول مذهلة للعقل. في أكتوبر الماضي وعدت الحكومة الإندونيسية بتقديم تأمين صحي لكافة مواطنيها بحلول العام 2014. وفي غضون عامين وسعت الصين مظلة المعاشات لتشمل 240 مليون شخصٍ إضافيّ يعيشون في الريف، وهو العدد الذي يفوق بكثير إجمالي من يغطيهم الضمان الاجتماعي. قبل بضع سنوات كان 80% من سكان الريف الصيني محرومون من الرعاية الصحية، أما الآن فالجميع تقريبا يتمتعون بذلك. في الهند يستفيد 40 مليون أسرة من خطة الحكومة لرفع الحد الأدنى للأجور ليصل إلى 100 يوم عمل في السنة، وتوسيع مظلة التأمين الصحي لتغطي قرابة 110 مليون فقير، وهو ضعف عدد غير المؤمَّن عليهم في أمريكا.

إذا اعتبرنا تقديم ألمانيا للمعاشات في ثمانينيات القرن الفائت هو البداية، وإطلاق بريطانيا لخدمة الصحة الوطنية في العام 1948 هو الذروة، يكون إنشاء دول الرفاهية في أوروبا قد استغرق أكثر من نصف قرن، بينما ستقوم بعض الدول الآسيوية ببناء خاصتها في غضون عشر سنوات.

لكن إذا ما ساءت الأمور؛ خاصة عبر وعود لا يمكن تحملها، فربما تتعرض اقتصاديات العالم الأكثر ديناميكية للدمار. لذا إذا ما أنشأوا شبكات ضمان ميسورة، فإن بإمكانهم ليس فقط تحسين الحياة لمواطنيهم، بل تقديم نماذج تُحتَذى.

وبينما تفشل الحكومات الغنية في إعادة تصميم الدول للتعامل مع شيخوخة السكان، والعجز الهائل في الميزانية، يبرز مجال آخر حيث تتفوق آسيا على الغرب. 

لكن آسيا تواجه أيضًا عددا من المشكلات الصعبة؛ أحدها (الديمجرافيا): فعلى الرغم من أن عددا قليلا من البلدان، خصوصا الهند، تعتبر شابة نسبيا، فإن المنطقة تضم بعضا من أسرع دول العالم شيخوخة. الصين اليوم لديها خمسة عمال مقابل كل مُسِنّ، لكن بحلول العام 2035 ستنخفض النسبة إلى اثنين فقط. ثمة مشكلة أخرى هي (الحجم): الذي يجعل تحقيق الرفاهية مهمة صعبة. العمالقة الثلاثة: الصين والهند وإندونيسيا، تضم أماكن شاسعة تشهد تفاوتا ضخما في الدخل الإقليمي داخل حدودها. وإقامة دولة الرفاهية في أي من هذه البلدان، يشبه نوعا إقامة مثلها عبر الاتحاد الأوروبي.

وأخيرًا: العديد من العمال الآسيوين (تصل بسبتهم في الهند إلى قرابة 90%) يقبعون في منطقة الاقتصاد (غير الرسمي)، ما يُصَعِّب التحقق من دخولهم، أو الوصول إليهم مع التحويلات.

كيف يمكن التغلب على هذه التحديات؟

ليس هناك حل واحد يمكن تطبيقه من الهند إلى كوريا الجنوبية، بل ينبغي على الدول المختلفة أن تجرب نماذج متنوعة من الرفاهية, في حين تبقى ثلاث مبادئ عامة يمكن للحكومات الآسيوية الاستفادة منها بوضعها في الاعتبار: 

أولا: منح اهتمام أكبر بالقدرة على تحمل تكاليف الوعود مع مرور الوقت. قد تكون معظم المعاشات في آسيا متواضعة، لكن الناس يجمعونها في وقت مبكر. في الصين، على سبيل المثال، تتقاعد المرأة في سن الـ 55، وفي تايلاند يضطر الموظفون إلى التوقف عن العمل في سن الـ 60، ويمكنهم سحب أموال التقاعد في سن الـ 55. وهذا ما لا يمكن تحمله بشكل واضح. في أنحاء الصين، يحتاج سن التقاعد أن يرتفع، وينبغي أن يتم فهرسته وفقا لمتوسط العمر المتوقع.

ثانيا: تحتاج الحكومات الآسيوية إلى استهداف الإنفاق الاجتماعي بعناية أكبر. وينبغي أن يركز الاعتماد الاجتماعي، المطبق بصورة فجة، على حماية الفقراء أكثر من دعم الأغنياء.

في المجتمعات الأسرع شيخوخة، ينبغي ألا تضغط معونات المسنين على استثمارات الشباب. أنفقت إندونيسيا، على سبيل المثال، العام الماضي على دعم الوقود تسع أضعاف ما أنفقته على الرعاية الصحية. الأخطر أن حصة الأسد من هذه الإعانات تتدفق إلى جيوب الأكثر ثراء في البلاد. وبينما يعد السياسيون الآسيويون بدول أكثر رفاهية، فإن أمامهم فرصة سياسية ومسئولية اقتصادية أن يتخلصوا من مثل هذا الإنفاق المسرف.

ثالثا: ينبغي أن يركز الإصلاحيون في آسيا على الجمع بين المرونة والابتكار. فلا يخنقوا أسواق العمل بقواعد جامدة، أو يسرفوا في وضع حد أدنى للأجور. وأن يستخدموا التقنية لتجنب أوجه القصور التي تعرقل القطاع العام في الدول الغنية. وما بين إنشاء سجلات صحية إلكترونية في كل مكان، وتنظيم مدفوعات التحويل من خلال الهواتف المحمولة، بإمكان البلدان الآسيوية إنشاء أنظمة تسليم جديدة وفعالة بتقنية حديثة.

في النهاية، نجاح قفزة آسيا الكبرى صوب الرفاهية ستحدده السياسة كما الاقتصاد. كما يجدر بمواطني القارة أن يبدوا رغبتهم في التخطيط للمستقبل، والعمل لمدة أطول، وتجنب المعونات التي تراكم الديون على الأجيال القادمة: وهي الفضائل التي استعصت حتى الآن على نظرائهم الأغنياء. وتحقيق هذا النضج السياسي سيتطلب قفزة هي الأكبر على الإطلاق.

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم العالم بالعربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

بالأرقام.. كل ما تحتاج إلى معرفته عن مضيق هرمز

أولًا: إحصائيات الطاقة والتجارة العالمية 20% نسبة النفط والغاز الطبيعي المسال (LNG) في الع…