“لم يتوقف تأثير الحرب في العراق وأفغانستان على عقلية جنود الاحتلال فقط، بل تعدى ذلك أيضًا ليصل إلى بيوتهم فيدمرها، وإلى علاقاتهم الأسرية فينقضها. لم تترك لعنة الحرب هؤلاء الجنود بعد رحيلهم من ميدان المعركة، بل لاحقتهم إلى أوطانهم بعد العودة”. كان ذلك خلاصة استطلاع للرأي أصدرته وزارة الدفاع البريطانية، وهي المعلومات التي يفصح عنها للمرة الأولى. 

ويظهر الاستطلاع أن خمسي عائلات الجنود، وخمس عائلات الضباط، الذين خدموا في العراق وأفغانستان أكدوا تغير سلوك ذويهم، نتيجة إصابتهم بـ”التوتر المرضي اللاحق للصدمة” جراء التفجيرات والهجمات الضارية في ساحات المعارك. 

وبحسب ما أوردته صحيفة “الجارديان” البريطانية، فقد قال كثير من الزوجات إن فترة خدمة أزواجهن الميدانية طويلة للغاية، لدرجة أنها أثرت بشكل سلبي على علاقاتهم الزوجية. 

ولم يقتصر التأثير على العلاقات الزوجية، بل تخطاه ليشمل تدمير الأسرة بكاملها، والتأثير سلبًا على تعليم الأولاد، بينما ذكر ما يربو على 70% من ذوي الضباط، و60% من ذوي الجنود أن أسلوب التعامل بين الزوجين تأثر كثيرًا بعد العودة من المعركة. 

وأشارت الجارديان إلى أن تلك التأثيرات السلبية إذا ما وضعت جنبًا إلى جبن مع ما توصلت له الدراسات السابقة من الأضرار العقلية للجنود جراء الحرب، يتضح خطورة الموقف. 

وكانت الحكومة البريطانية قد أعلنت، في وقت سابق ، إطلاقها لحملة واسعة لفحص الأوضاع العقلية لجنودها في العراق وأفغانستان، أسوة بالجيش الأمريكي الذي أطلق حملة مماثلة لفحص الآلاف من جنوده. 

وذكرت الجارديان أن قرار الجيش يأتي بعد تأكيدات طبية أن آلاف الجنود العائدين من الخدمة العسكرية في العراق، يعانون من إصابات شديدة التعقيد في الرأس والدماغ جراء التفجيرات والعمليات العسكرية، معربين عن خشيتهم من أن يعاني معظم أولئك الجنود من عوارض مرضية طويلة قد تلازمهم طوال حياتهم. 

فيما أعرب عدد من الأطباء عن دهشتهم من اختلاف الإصابات التي تظهر لدى هؤلاء الجنود عما اعتادوا عليه، مما يشكل تحديًا كبيرًا للنظام الصحي غير المؤهل للتعاطي مع هذه الحالات. 

وحول نفس الموضوع نشرت صحيفة “التايمز” البريطانية تقريرًا تحت عنوان “من سعير المعركة إلى برودة العلاقات الأسرية”، سلطت فيه الضوء على المعاناة المزدوجة لهؤلاء الجنود، بعدما زُج بهم في سعير حرب لم يكن لهم فيها ناقة ولا جمل، غير توجهات الرؤساء والقادة. 

ولفتت “التايمز” الأنظار إلى أن هؤلاء الجنود ظنوا أن الكابوس الذي ظل يطاردهم فترات طويلة في ساحة الحرب، سينتهي بمجرد العودة لأوطانهم، لكنهم فوجئوا به يلاحقهم، حتى في عقر دارهم. 

وأخذت الصحيفة تسرد شهادات لأزواج وزوجات دمرت الحروب في العراق وأفغانستان حياتهم، وحياة أولادهم وذويهم. 

وأوردت صحيفة “ذي ديلي ميل” البريطانية أن هذه الحالة المتردية للجنود، وارتفاع عدد الوفيات والإصابات في حربي العراق وأفغانستان جعلت وزارة الدفاع تجبر جنودها المتوجهين للحرب على دفع تأمين يصل إلى 1000 جنيه استرليني. 

وأشارت الصحيفة إلى أن حوالي 58 ألف جندي بريطاني، أي ما يعادل ثلث مجموع أفراد القوات المسلحة البريطانية، أمّنوا على أنفسهم لدى شركة “باكس” للتأمين الخاص، بعد أن اعترفت وزارة الدفاع بأن برنامجها للتعويضات ما زال غير ملائم. 

وأشارت الصحيفة أن الجنود الذين يسددون هذه الأقساط التأمينية يحصلون على 150 ألف جنيه إسترليني في حالة فقد أحد أعينهم! 

ونقلت الصحيفة عن “ليام فوكس”، وزير دفاع الظل في حكومة حزب المحافظين المعارض، انتقاده لتلك الخطوة التي اعتبرها” إهانة للجنود، وتحميل لهم ما لا يطيقون”، فيما طالب وزارة الدفاع بالتدخل. 

وذكرت الصحيفة أن 250، من الذين خدموا في العراق وأفغانستان من العام 2001، لقوا حتفهم، بينما الكثيرون مازالوا يعانون من إصابات وصفت بالخطيرة. 

ولتوضيح حجم الرعب الذي يعيشه جنود الاحتلال في ساحة المعركة، نقلت صحيفة “انترناشيونال هيرالد تربيبيون” عن قائد قوات الناتو في أفغانستان، الجنرال “دان ماكنيل” قوله: تذهب المقاومة لمناطق لا أستطيع شخصيًا الذهاب إليها. لقد أخبرني أحدهم أن المقاومة في أفغانستان أضحت قادرة على إعادة ترتيب صفوفها حتى خارج البلاد. 

وتقول الصحيفة: إن بوش سيترك لخلفه في البيت الأبيض إرثًا ثقيلاً من الحروب، سيتركه يحارب في جبهتين مستعرتين، بل ثلاث إذا ما أضفنا الجبهة الداخلية التي طالما تجاهلها بوش. 

وقد وضعت صحيفة “تشاينا ديلي” يدها على الجرح حين قالت: إن “العمليات الاستشهادية تؤرق الاحتلال في العراق وأفغانستان”. إنها العمليات التي أصابت جنود الاحتلال بالجنون، وجعلت بيوتهم عليهم نارًا، وحولت حياتهم لكوابيس مزعجة، لا يكادون يستيقظون من أحدها حتى يفاجئوا بكابوس آخر. 

هذه الأزمة لم تقف عند الجنود والضباط المحاربين، بل تعدتهم لتصل إلى الدبلوماسيين الذين وجهت إليهم مجلة “التايمز” الأمريكية تساؤلها الساخر: “لماذا لا يذهب الدبلوماسيون للعراق؟” في إشارة لما أقدمت عليه وزارة الخارجية الأمريكية من إجبار 250 من دبلوماسييها على شغل 50 منصبًا في العراق العام القادم 2008، سواء بإرادتهم أو بدونها. 

وتقول المجلة: “ليس سرًّا ما تقوم به وزارة الخارجية من إجبار موظفيها على العمل في العراق، وهي المهمة التي احتج مئات الدبلوماسيين الأمريكيين عليها، فيما وصف أحدهم قرار النقل إلى العراق بأنه “حكم ضمني بالاعدام”. 

وقد أعلن الدبلوماسي “جاك كرودي”، الذي عمل من قبل مستشارًا في (الناتو)، مخاوفه صراحة على مسامع وزيرة الخارجية الأمريكية “رايس” قائلا: من سيربي أطفالنا إذا متنا أو تعرضنا لإصابات خطيرة؟!

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم العالم بالعربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

بالأرقام والخرائط.. كل ما تحتاج إلى معرفته عن مضيق هرمز

أولًا: إحصائيات الطاقة والتجارة العالمية 20% نسبة النفط والغاز الطبيعي المسال (LNG) في الع…