الرئيسة إسرائيليات جولة إسرائيلية في عقل حماس

جولة إسرائيلية في عقل حماس

2 second read
0

قتلت حماس مئات الإسرائيليين، وهي أحد أعداء إسرائيل الألدّاء. لن تختفي حماس، بل ربما تكون عنصرًا رئيسيًا لسنوات قادمة.

بهذه الجملة بدأت صحيفة جيروزالم بوست مقالا كتبه الدكتور جيرشون باسكين* تحت عنوان “فهم حماس”.

معرفة وثيقة

كنتُ على تواصل منتظم مع كبار مسؤولي حماس منذ مطلع عام 2005. وخلال السنوات الأولى من المحادثات، أسهمت محادثاتي معهم في التوصل إلى اتفاقات لوقف إطلاق النار وبالطبع إطلاق سراح جلعاد شاليت.

في السنوات الأخيرة، حاولتُ جاهدا ضمان الإفراج عن جثتي الجنديَيْن الإسرائيليَيْن هدار جولدين وأورون شاؤول، وإعادة المدنيَيْن الإسرائيليين أبيرا منجيستو وهشام السيد.

التقيتُ كبار مسؤولي حماس في الضفة الغربية وغزة، وقابلت بعض مسؤولي حماس في الخارج في القاهرة وأماكن أخرى. وأعتقد أن الوقت الذي قضيته في المحادثات المباشرة مع مسؤولي حماس يفوق ما أنفقه أي إسرائيلي آخر، باستثناء حراس السجون ووكلاء جهاز الأمن، الذين أمضوا بالطبع وقتا أطول، لكن في الاستجواب وليس في حوار حر ومفتوح. لذلك أعتقد أن لدي فكرة جيدة عن حركة حماس وعما يحفزها.

هم ليسوا أصدقاء إسرائيل؛ بل أعداء ألداء. بيدَ أنني انتهجتُ في حياتي سياسة مبنية على الاستعداد للحديث مع أي شخص يكون مستعدًا للتحدث معي.

أنا لا أتجنب أي شخص يرغب في التواصل معي لإجراء حوار؛ في محاولةٍ لفهم مواقف تختلف تمامًا عما أتبناه. وأنا لا أخفي هويتي، وقد خضتُ محادثات صادقة وصعبة معهم.

فيما يلي بعض الأفكار التي اكتسبتها على مر السنين ومن دواعي سروري أن أشاركها معكم:

غياب ثقة متبادل

عدم ثقة مسؤولي حماس تجاه إسرائيل وقادتها هي أكثر المشاعر التي قابلتها تطرُّفًا على مدى الأربعين عاما التي انخرطتُ خلالها في التحدث مع العرب. والشيء ذاته يمكن أن يقال عن عدم ثقة الإسرائيليين تجاه حماس، لكن محور هذا المقال القصير هو محاولة فهم حماس.

لا أحد ممن التقيتُ بهم من حماس يعتقد أن الإسرائيليين وقادتهم مهتمون بالسلام. وهم يعتقدون اعتقادًا راسخًا بأن إسرائيل ملتزمة بإخلاء جميع أراضي فلسطين (من النهر إلى البحر) من سكانها العرب الفلسطينيين الأصليين.

وهم لا يعتقدون بأن الصهيونية تتمتع بالشرعية؛ لأنهم لا يرون أن اليهود شعبًا له حقوق وطنية. بل يؤمنون بأن اليهود اليوم ليسوا هم اليهود الأصليين المذكورين في القرآن، وأن التوراة التي يعتبرها اليهود مقدسة اليوم ليست هي التوراة الأصلية التي أنزلها الله على موسى.

كما أنهم يعتقدون اعتقادًا راسخًا بأن الصهيونية هي مؤسسة استعمارية، وليست المسألة قصة شعب يعود إلى وطنه القديم. بيد أن تجربتي أظهرت أنه من الصعب جدا، لكن ليس مستحيلا، إقناعهم بأنهم مخطئون تماما في هذه المزاعم.

حركة وطنية فلسطينية

حماس حركة وطنية فلسطينية أكثر بكثير من كونها حركة إسلامية، على الرغم من أنها نبتت من رحم جماعة الإخوان المسلمين، وهي حركة تدافع عن الوحدة الإسلامية.

وُلِدَت حماس ككيان منفصل عن الإخوان المسلمين، على الرغم من أن مؤسسيها كانوا جميعا أعضاء في الجماعة، وهذا يرجع على وجه التحديد إلى أنها تأسست كحركة وطنية فلسطينية. وحماس مهتمة بإنشاء دولة فلسطينية أكثر من اهتمامها بإقامة خلافة إسلامية في أنحاء المنطقة أو العالم.

في إحدى محادثاتي مع أحد العقائديين من أبناء حماس، سألته عما إذا كان اعتراض حماس على إسرائيل يكمن في تأسيسها على ما يعتقد أنها أرض وقف إسلامية. فضحك في وجهي، وقال: “نحن نعارض إسرائيل لأنكم أنتم اليهود سرقتم أرضنا وجعلتمونا لاجئين. أما بالنسبة لنا، فالعالم كله وقف، وليس فقط فلسطين، لكن معركتنا ضد إسرائيل، وليس ضد العالم”.

براجماتية واقعية

من واقع فهمي لحركة حماس؛ أرى الفارق بين الاعتدال والبراجماتية. حماس ليست حركة معتدلة، لكنها عملية. لقد كانت حماس دائما ترفض التعامل مع إسرائيل بشكل مباشر، لكنها خلقت أنظمة لمواجهة واقع الاعتماد الكلي تقريبا على إسرائيل في الكهرباء والمياه واستيراد السلع والعملة والرعاية الصحية وغير ذلك، ومَكَّنت الوسطاء من التواصل مع إسرائيل والإسرائيليين نيابة عنها. وعلى حد علمي، كنتُ أنا الإسرائيلي الوحيد الذي كان على اتصال مباشر مع مسؤولين في حماس بإذن من قياداتهم العليا.

ظهرت براجماتية حماس بوضوح أكثر عبر التزامها بوقف إطلاق النار بعد حرب صيف عام 2014، إلى حد أن الحركة أنشأت منطقتها العازلة الخاصة بين سكان غزة والحدود الإسرائيلية، بل لاحقت العناصر المارقة التي تطلق صواريخ على إسرائيل واعتقلتهم.

تجسدت براجماتية حماس أيضًا في الإذعان للمطالب المصرية بالانفصال الكامل عن جماعة الإخوان المسلمين، وتسليم الإرهابيين في غزة إلى مصر، وإنشاء منطقة عازلة على طول الحدود بين مصر وغزة، وتسيير دوريات هناك مع إصرار تام على منع أي هجمات ضد مصر أو إسرائيل عبر الحدود. وتحت الضغط المصري، عدَّلت حماس ميثاقها لإزالة اللاسامية المباشرة والموافقة على دولة فلسطينية بحدود 1967 (دون الاعتراف بإسرائيل).

تحت قيادة السنوار

استطاع يحيى سينوار، وهو أقوى قائد في غزة، أن يجمع بين الجناحين السياسي والعسكري، اللذين كثيرا ما تنازعا على السلطة، تحت سيطرته المباشرة، وتبين أنه أحد رواد البراجماتية داخل الحركة.

كان كثيرون يعتقدون سابقا، وأنا من بينهم، أن السنوار سيعيد حماس إلى دائرة النفوذ الإيراني المباشر، لكن هذا لا يحدث. بل تركز حماس حاليًا على مصر، ومن ثم انفصلت عن قطر، واتجهت نحو الإمارات والسعوديين، وهي في طريقها نحو المصالحة مع فتح داخل البيت السياسي الفلسطيني.

لا، لن تتخلى حماس عن سلاحها، ولن تضعه تحت سيطرة السلطة الفلسطينية. وصرح السنوار بأن فلسطين حينما تعيش في سلام، فإن المقاومة لن تكون ضرورية، لكن طالما أن الاحتلال موجود، فإن حماس ستحتفظ بحقها في حمل السلاح ومحاربة الاحتلال. وأعلن أنه مستعد لمشاركة حركة فتح في اتخاذ قرارات بشأن الحرب.

الاستجابة الإسرائيلية

في فترة الإجماع الوطني، ربما يذهب جيش حماس تحت الأرض- حرفيًا ومجازًا. وسيحافظون على مستوى منخفض جدا من الظهور، وسيسمحون لممثلي الأمن التابعين للسلطة الفلسطينية بإدارة المعابر الحدودية بما في ذلك رفح.

هل يمكن القيام بأي شيء لفتح باب الحوار بين إسرائيل وحماس؟ المصالحة بين فتح وحماس قد تخلق فرصا لإجراء حوار منفصل وعقد لقاءات وراء الكواليس.

يعتقد معظم قادة حماس أن هذا النوع من المناقشات مضيعة للوقت، وأن السلطة الفلسطينية أنفقت 20 أو 30 عاما في ذلك دون نتائج.

لكن إذا ما تطورت بعض المحادثات الجادة التي تشمل الإسرائيليين الذين قد يحدثون تغييرات سياسية حقيقية كنتيجة مباشرة لتلك المحادثات، فحينها قد يكون من الممكن فتح باب للمضي قُدُمًا.

حماس جزء من المجتمع الفلسطيني، وخطواتها الأحدث نحو المزيد من البراجماتية يجب أن تستجيب لها إسرائيل بخطوات عملية.


* الدكتور جيرشون باسكن، هو المؤسس والرئيس المشارك المركز الإسرائيلي الفلسطيني للبحوث والمعلومات IPCRI، وكاتب عمود في صحيفة جيروزالم بوست، وصاحب مبادرة فتح قناة سرية للتفاوض من أجل الإفراج عن جلعاد شاليت. عمل باسكن مستشارا خارجيا لعملية السلام تحت إدارة رئيس الوزراء الراحل إسحق رابين، ومع لجنة خبراء القدس برئاسة رئيس الوزراء السابق إيهود باراك. وكان أول موظف مدني يتولى المسؤولية عن العلاقات اليهودية-العربية في إسرائيل، خلال عمله في وزارة التربية والتعليم تحت إدارة زفولون هامر، وباعتباره مؤسس ومدير معهد التربية للتعايش اليهودي-العربي. هاجر من نيويورك إلى إسرائيل في عام 1978 ويعيش حاليًا في القدس.

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم إسرائيليات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

تغطية تحت النار.. متابعة مستمرة للحرب ضد إيران

تغطية تحت النار.. متابعة مستمرة للحرب ضد إيران …