ترجمة/ علاء البشبيشي

عشرة أيام قضاها الصحفي البريطاني “جيمس هاركين” بصحبة الثوار المحاصرين في سوريا، نقتطف منها مشاركته في أحد الجنازات الشعبية لخمسة شهداء، من بينهم طفلين، تحت رقابة الشبيحة؛ لأنها تطرقت إلى تفاصيل تشرح الوضع بعمق أكثر مما تفعل العناوين الإخبارية.

في أحد أيام شهر فبراير الماضي تلقيتُ رسالة فيسبوكية من ناشط سوري يخبرني بأن تظاهرة ستبدأ بعد نصف ساعة في جزء يخضع لحراسة مشددة من دمشق. كانت المناسبة تشييع جنازة؛ لذلك كان من المرجح أن تكون التظاهرة كبيرة. أوضحت الرسالة أنها “جنازة خمسة شهداء من بينهم طفلين، وأن جنازات الأطفال دائما ما تكون كبيرة.”

ركبتُ سيارة أجرة إلى حي كفر سوسة، الذي يستضيف كثيرا من المباني الحكومية، ومشيتُ لمدة 20 دقيقة، حتى قابلتُ قرابة 75 رجلا يحملون أسلحة رشاشة. هؤلاء كانوا من “الشبيحة” الذين يرتدون ملابس مدنية، ويشكلون المليشيات، الموالية للحكومة، والمتصدرة لقمع الاحتجاجات. كان تواجدهم يعني أنني في أسير الاتجاه الصحيح.

تابعتُ عددًا ضئيلا جدًا من الشباب في أحد الشوارع السكنية الجانبية. وقف عدد من كبار السن في الجوار بعصبية، كما لو كانوا في انتظار حدوث شيء. اندفع طفل في نحو العاشرة إلى وسط الشارع، يحجب وجهه جزئيًا رداءً ذي قلنسوة. صاح وهو يركض “الله أكبر”. مشيتُ وراءه، وبعد اجتياز صف آخر من الرجال المدججين بالسلاح، كان هناك مسجد عادي، يتجمع خارجه بضعة آلاف من المشيعين.

كانت جثة صبي يبلغ 12 عاما محمولة على لوح خشبي، يبدوا أن الجيش أطلق النار عليه خلال احتجاجات سابقة. لم أرى صحفيين غربيين، أو أي شخص من التلفزيون الرسمي السوري. تسلق السكان المحليون ظهر شاحنة مهجورة، وكانوا يصورون باستخدام الـ آي باد وأجهزة التسجيل الرقمية. حينما أخرجتُ هاتفي لالتقاط الصور، اقترب رجل مقنع، واقترح أن أبقي الهاتف بعيدًا.

لبعض الوقت، بدا كما لو كان الشبيحة لن يسمحوا لأحد بالمغادرة. في نهاية المطاف، بدأ موكب الجنازة يتحرك، يتقدمه مجموعة من المراهقين. أخبرني رجل ملتحٍ بأن هذا المشهد شائع؛ موضحًا أن الشباب “لديهم طاقة أكثر منا؛ لذلك يأخذون زمام المبادرة.”

اقتربتُ من شاب في منتصف العشرينات، يرتدي قبعة وسترة صوفية، وقدمتُ نفسي كصحفي. فأجاب: “هل بحوزتك كوكاكولا وبصل؟.”

هذا الرد لم يكن غير ذي معنى، كما يبدوا في الظاهر؛ فحينما تُستهدف التظاهرات بالغاز المسيل للدموع، يفرك المتظاهرون عيونهم بالكوكاكولا ويستخدمون البصل للوقاية من الرائحة النفاذة.

بينما كنا نسير، أخبرني الشاب، واسمه محمد، بأن المتظاهرين يهتفون مخاطبين الطفل (الشهيد) “والد يقول: ارفع رأسك عاليا”، ومخاطبين والديه “كلنا ابنك”. وأوضح أن الميشعين يتجنبون العبارات السياسية؛ حتى لا يستفزوا الجيش أو الشبيحة، ذلك أن مجرد النطق باسم بشار يمكن أن يثير وابلا من الرصاص. حذرني قائلا: إذا حدث أي شيء، لا ينبغي أن أجري إلى الأمام أو الخلف، بل أتخذ شارعا جانبيا، مضيفًا: “لا يمكن أن يُلقى القبض عليك.. ستكون صوتنا.”

بينما كنا نسير  في شوارع ضيقة، تجمع الناس في الشرفات، للمشاهدة وإظهار الاحترام. كانت وجوه الكبار جامدة، لكن الأطفال كانوا يبتسمون، بينما يرقص واحدا أو اثنان. بدأت مجموعة من الفتيان في مهاجمة شبكة حديدية لأحد المتاجر المغلقة، لكن محمد، الذي بدا وكيلا غير رسمي، هتف بهم ليذهبوا بعيدا. وأوضح أن مالك المتجر يشتبه في أنه يعمل لصالح الشرطة السرية، ونحن لا نريد إعطاء الحكومة أدنى ذريعة.

بعد خمس دقائق، استجابوا. وقف الحشد صامتا تماما يستمع إلى خطبة جنائزية مختصرة. بعد فترة وجيزة، حاول الحشد الاندفاع للأمام لكن الشبيحة بدأوا الهجوم. سارع الجميع للاختباء، وتسابقنا أنا ومحمد إلى زقاق. بعد حوالي 100 متر، نظرنا خلفنا فلم نجد أحدا يتبعنا.

كانت هذه زيارتي الثالثة لسوريا. زرتها للمرة الأولى في أكتوبر 2010، ومرة ثانية في نوفمبر العام الماضي. هذه المرة كنتُ حريصًا على لقاء الناشطين الشباب الذين يمثلون قلب الحركة المناهضة لنظام الأسد. ثلاثة من بين كل 5 سوريين دون سن الـ 25، وبعيدا عن الكليشات الكسولة الجديدة حول (جيل الـ فيس بوك)، لا يعرف الغرب الكثير عن من هؤلاء، ولا ماذا يريدون. وهكذا عدتُ إلى سوريا لعشرة أيام، ليس كصحفي رسمي، ولكن كمدني-يعيش في فنادق دمشق العادية، ويلتقي بأكبر عدد ممكن من الناشطين السوريين.

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم العالم بالعربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

كيف سيؤثر الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد في المستقبل؟

يمكن للمؤسسات (الإعلامية والبحثية إلخ) الحصول على تقاريرنا حصريًا الآن. لمعرفة المزيد حول …