ترجمة: علاء البشبيشي

يراقب مركز ستراتفور عن كثب مناطق الصراع من منظور جيوسياسي. ولعل الصراع الأكثر تقلبًا اليوم، هو الذي تدور رحاه على الأراضي التي يسيطر عليها تنظيم الدولة في العراق وسوريا. 

ورغم أن هذه المناطق مستقلة جغرافيا، إلا أنها متصلة وظيفيًا: ذلك أن الهياكل القبلية السنية، وعمليات المتمردين، والمصالح الكردية، والتأثيرات الخارجية، وهيمنة تنظيم “الدولة”، تربط هذه المناطق كلها، باعتبارها مسرحًا واحدًا متماسكًا. 

ويستغل تنظيم الدولة فوضى الحرب الأهلية السورية، وعدم كفاية قوات الأمن العراقية، للسيطرة على رقعة واسعة من الشرق الأوسط. لكن بعد إحراز بعض المكاسب المثيرة، بما في ذلك الاستيلاء على الموصل، فَقَد التنظيم بعض الزخم، واصطفت مجموعة من المعارضين ضده. ومع ذلك، يتمتع التنظيم بمرونة فريدة، ولا يزال يمثل خطرًا بالغًا، وغير متوقع. 

وبالإضافة إلى دراسة المقاتلين المشاركين في المعركة السورية-العراقية، يتتبع ستراتفور أيضًا المكائد السياسية والمفاوضات وأهداف الفاعلين المتواجدين خارج المعركة، بما في ذلك إيران وروسيا ودول الخليج والولايات المتحدة. كما يقدم المركز تحديثات دورية تغطي مكاسب، وخسائر، ومدى تمدُّد تنظيم الدولة. 

سوريا.. 6 نوفمبر

أحرز المتمردون، من الجيش السوري الحر ومجموعات إسلامية مختلفة، نصرًا على القوات الموالية المدعومة من إيران وروسيا في حماه مؤخرًا. ومنذ ذلك الحين، شن المتمردون هجوما مضادا، استولوا خلاله على مناطق هامة في الجزء الشمالي من المحافظة، من بينها مدينة مورك. وفي ضوء الخسارة التي منيت بها القوات الموالية، فإنها تقوم حاليا بتنظيم صفوفها في مدينة حماه لصدّ المزيد من تقدم المتمردين. 

وتعتبر الأحداث التي تشهدها محافظة حماه موحية؛ لأنها تُظهِر حدود الدعم الروسي والإيراني، الذي وإن كان حاسمًا، إلا أنه ليس قويا بما يكفي لتحويل المدّ جذريًا لصالح الموالين. 

وتقدم روسيا في الغالب دعما جويا وعتادا، لكنها لا توفر ما يحتاجه النظام أكثر: القوى البشرية التي يمكن الاعتماد عليها. وفي حين ساعدت إيران على تدشين قوات الدفاع الوطني كقوة مساعدة، وأرسلت عدة وحدات من قوات الحرس الثوري وقوات مليشيوية، فحتى هذا الدعم لا يمكن أن يعوِّض عشرات الآلاف من الجنود الذين فقدهم النظام بالفعل. 

والحال هكذا، فلا غروَ أن النجاح الذي أحرزته القوات الموالية كان متقطعا في أحسن الأحوال. ففي حين تصدت للمتمردين في بعض مناطق محافظة حلب الجنوبية، إلا أنها كانت أقل نجاحا في دحرهم من محافظتي اللاذقية وحمص. ومن الواضح أن النصر السريع الذي كانت القوات الموالية للحكومة تأمل في إحرازه بموازاة زيادة الدعم الأجنبي لن يحدث في المستقبل القريب.

أما نجاح المتمردين في حماة فسيضغط على روسيا وإيران للتعهد بمزيد من القوات للمشاركة في الصراع. وربما تنصاع موسكو وطهران لهذا الضغط، لأن الفوز الحاسم حتى وإن لم يكن ممكنًا، فإن تعزيز الجنود الموالين يُحَسِّن موقفهما التفاوضي إذا اجتمعت القوى على طاولة المفاوضات للحديث بشأن تسوية. 

في الواقع، زادت روسيا بالفعل وجودها في سوريا من 2000 إلى 4000 فرد. كما أنشأت ثلاث قواعد للعمليات المتقدمة خارج مطار اللاذقية، وأرسلت أنظمة صواريخ أرض-جو إضافية، كما تشارك على نحو متزايد بوحداتها المدفعية لدعم الموالين.

لكن هنا يكمن الخطر الكامن في انزلاق المهمة إلى ساحات صراعٍ أوسع. ونظرا لمدى قتامة أفق للتفاوض بشأن تسوية النزاع، يمكن لروسيا وإيران أن يجدا نفسيها متورطين في حرب صعبة دون نهاية واضحة في الأفق. 


 

شؤون خليجية

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم العالم بالعربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

الذكاء الاصطناعي سيكون له تأثير هائل على الاقتصاد في المستقبل

يمكن للمؤسسات (الإعلامية والبحثية إلخ) الحصول على تقاريرنا حصريًا الآن. لمعرفة المزيد حول …

ترجمة: علاء البشبيشي

يراقب مركز ستراتفور عن كثب مناطق الصراع من منظور جيوسياسي. ولعل الصراع الأكثر تقلبًا اليوم، هو الذي تدور رحاه على الأراضي التي يسيطر عليها تنظيم الدولة في العراق وسوريا. 

ورغم أن هذه المناطق مستقلة جغرافيا، إلا أنها متصلة وظيفيًا: ذلك أن الهياكل القبلية السنية، وعمليات المتمردين، والمصالح الكردية، والتأثيرات الخارجية، وهيمنة تنظيم “الدولة”، تربط هذه المناطق كلها، باعتبارها مسرحًا واحدًا متماسكًا. 

ويستغل تنظيم الدولة فوضى الحرب الأهلية السورية، وعدم كفاية قوات الأمن العراقية، للسيطرة على رقعة واسعة من الشرق الأوسط. لكن بعد إحراز بعض المكاسب المثيرة، بما في ذلك الاستيلاء على الموصل، فَقَد التنظيم بعض الزخم، واصطفت مجموعة من المعارضين ضده. ومع ذلك، يتمتع التنظيم بمرونة فريدة، ولا يزال يمثل خطرًا بالغًا، وغير متوقع. 

وبالإضافة إلى دراسة المقاتلين المشاركين في المعركة السورية-العراقية، يتتبع ستراتفور أيضًا المكائد السياسية والمفاوضات وأهداف الفاعلين المتواجدين خارج المعركة، بما في ذلك إيران وروسيا ودول الخليج والولايات المتحدة. كما يقدم المركز تحديثات دورية تغطي مكاسب، وخسائر، ومدى تمدُّد تنظيم الدولة. 

سوريا.. 6 نوفمبر

أحرز المتمردون، من الجيش السوري الحر ومجموعات إسلامية مختلفة، نصرًا على القوات الموالية المدعومة من إيران وروسيا في حماه مؤخرًا. ومنذ ذلك الحين، شن المتمردون هجوما مضادا، استولوا خلاله على مناطق هامة في الجزء الشمالي من المحافظة، من بينها مدينة مورك. وفي ضوء الخسارة التي منيت بها القوات الموالية، فإنها تقوم حاليا بتنظيم صفوفها في مدينة حماه لصدّ المزيد من تقدم المتمردين. 

وتعتبر الأحداث التي تشهدها محافظة حماه موحية؛ لأنها تُظهِر حدود الدعم الروسي والإيراني، الذي وإن كان حاسمًا، إلا أنه ليس قويا بما يكفي لتحويل المدّ جذريًا لصالح الموالين. 

وتقدم روسيا في الغالب دعما جويا وعتادا، لكنها لا توفر ما يحتاجه النظام أكثر: القوى البشرية التي يمكن الاعتماد عليها. وفي حين ساعدت إيران على تدشين قوات الدفاع الوطني كقوة مساعدة، وأرسلت عدة وحدات من قوات الحرس الثوري وقوات مليشيوية، فحتى هذا الدعم لا يمكن أن يعوِّض عشرات الآلاف من الجنود الذين فقدهم النظام بالفعل. 

والحال هكذا، فلا غروَ أن النجاح الذي أحرزته القوات الموالية كان متقطعا في أحسن الأحوال. ففي حين تصدت للمتمردين في بعض مناطق محافظة حلب الجنوبية، إلا أنها كانت أقل نجاحا في دحرهم من محافظتي اللاذقية وحمص. ومن الواضح أن النصر السريع الذي كانت القوات الموالية للحكومة تأمل في إحرازه بموازاة زيادة الدعم الأجنبي لن يحدث في المستقبل القريب.

أما نجاح المتمردين في حماة فسيضغط على روسيا وإيران للتعهد بمزيد من القوات للمشاركة في الصراع. وربما تنصاع موسكو وطهران لهذا الضغط، لأن الفوز الحاسم حتى وإن لم يكن ممكنًا، فإن تعزيز الجنود الموالين يُحَسِّن موقفهما التفاوضي إذا اجتمعت القوى على طاولة المفاوضات للحديث بشأن تسوية. 

في الواقع، زادت روسيا بالفعل وجودها في سوريا من 2000 إلى 4000 فرد. كما أنشأت ثلاث قواعد للعمليات المتقدمة خارج مطار اللاذقية، وأرسلت أنظمة صواريخ أرض-جو إضافية، كما تشارك على نحو متزايد بوحداتها المدفعية لدعم الموالين.

لكن هنا يكمن الخطر الكامن في انزلاق المهمة إلى ساحات صراعٍ أوسع. ونظرا لمدى قتامة أفق للتفاوض بشأن تسوية النزاع، يمكن لروسيا وإيران أن يجدا نفسيها متورطين في حرب صعبة دون نهاية واضحة في الأفق. 


 

شؤون خليجية

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم العالم بالعربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

الذكاء الاصطناعي سيكون له تأثير هائل على الاقتصاد في المستقبل

يمكن للمؤسسات (الإعلامية والبحثية إلخ) الحصول على تقاريرنا حصريًا الآن. لمعرفة المزيد حول …

ترجمة: علاء البشبيشي

يراقب مركز ستراتفور عن كثب مناطق الصراع من منظور جيوسياسي. ولعل الصراع الأكثر تقلبًا اليوم، هو الذي تدور رحاه على الأراضي التي يسيطر عليها تنظيم الدولة في العراق وسوريا. 

ورغم أن هذه المناطق مستقلة جغرافيا، إلا أنها متصلة وظيفيًا: ذلك أن الهياكل القبلية السنية، وعمليات المتمردين، والمصالح الكردية، والتأثيرات الخارجية، وهيمنة تنظيم “الدولة”، تربط هذه المناطق كلها، باعتبارها مسرحًا واحدًا متماسكًا. 

ويستغل تنظيم الدولة فوضى الحرب الأهلية السورية، وعدم كفاية قوات الأمن العراقية، للسيطرة على رقعة واسعة من الشرق الأوسط. لكن بعد إحراز بعض المكاسب المثيرة، بما في ذلك الاستيلاء على الموصل، فَقَد التنظيم بعض الزخم، واصطفت مجموعة من المعارضين ضده. ومع ذلك، يتمتع التنظيم بمرونة فريدة، ولا يزال يمثل خطرًا بالغًا، وغير متوقع. 

وبالإضافة إلى دراسة المقاتلين المشاركين في المعركة السورية-العراقية، يتتبع ستراتفور أيضًا المكائد السياسية والمفاوضات وأهداف الفاعلين المتواجدين خارج المعركة، بما في ذلك إيران وروسيا ودول الخليج والولايات المتحدة. كما يقدم المركز تحديثات دورية تغطي مكاسب، وخسائر، ومدى تمدُّد تنظيم الدولة. 

سوريا.. 6 نوفمبر

أحرز المتمردون، من الجيش السوري الحر ومجموعات إسلامية مختلفة، نصرًا على القوات الموالية المدعومة من إيران وروسيا في حماه مؤخرًا. ومنذ ذلك الحين، شن المتمردون هجوما مضادا، استولوا خلاله على مناطق هامة في الجزء الشمالي من المحافظة، من بينها مدينة مورك. وفي ضوء الخسارة التي منيت بها القوات الموالية، فإنها تقوم حاليا بتنظيم صفوفها في مدينة حماه لصدّ المزيد من تقدم المتمردين. 

وتعتبر الأحداث التي تشهدها محافظة حماه موحية؛ لأنها تُظهِر حدود الدعم الروسي والإيراني، الذي وإن كان حاسمًا، إلا أنه ليس قويا بما يكفي لتحويل المدّ جذريًا لصالح الموالين. 

وتقدم روسيا في الغالب دعما جويا وعتادا، لكنها لا توفر ما يحتاجه النظام أكثر: القوى البشرية التي يمكن الاعتماد عليها. وفي حين ساعدت إيران على تدشين قوات الدفاع الوطني كقوة مساعدة، وأرسلت عدة وحدات من قوات الحرس الثوري وقوات مليشيوية، فحتى هذا الدعم لا يمكن أن يعوِّض عشرات الآلاف من الجنود الذين فقدهم النظام بالفعل. 

والحال هكذا، فلا غروَ أن النجاح الذي أحرزته القوات الموالية كان متقطعا في أحسن الأحوال. ففي حين تصدت للمتمردين في بعض مناطق محافظة حلب الجنوبية، إلا أنها كانت أقل نجاحا في دحرهم من محافظتي اللاذقية وحمص. ومن الواضح أن النصر السريع الذي كانت القوات الموالية للحكومة تأمل في إحرازه بموازاة زيادة الدعم الأجنبي لن يحدث في المستقبل القريب.

أما نجاح المتمردين في حماة فسيضغط على روسيا وإيران للتعهد بمزيد من القوات للمشاركة في الصراع. وربما تنصاع موسكو وطهران لهذا الضغط، لأن الفوز الحاسم حتى وإن لم يكن ممكنًا، فإن تعزيز الجنود الموالين يُحَسِّن موقفهما التفاوضي إذا اجتمعت القوى على طاولة المفاوضات للحديث بشأن تسوية. 

في الواقع، زادت روسيا بالفعل وجودها في سوريا من 2000 إلى 4000 فرد. كما أنشأت ثلاث قواعد للعمليات المتقدمة خارج مطار اللاذقية، وأرسلت أنظمة صواريخ أرض-جو إضافية، كما تشارك على نحو متزايد بوحداتها المدفعية لدعم الموالين.

لكن هنا يكمن الخطر الكامن في انزلاق المهمة إلى ساحات صراعٍ أوسع. ونظرا لمدى قتامة أفق للتفاوض بشأن تسوية النزاع، يمكن لروسيا وإيران أن يجدا نفسيها متورطين في حرب صعبة دون نهاية واضحة في الأفق. 


شؤون خليجية

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم العالم بالعربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

الذكاء الاصطناعي سيكون له تأثير هائل على الاقتصاد في المستقبل

يمكن للمؤسسات (الإعلامية والبحثية إلخ) الحصول على تقاريرنا حصريًا الآن. لمعرفة المزيد حول …