ترجمة: علاء البشبيشي
خلال العام الأول من الثورة السورية، توقع عدد من وكالات الاستخبارات ووسائل الإعلام أن ما تبقى من عمر حكومة الرئيس السوري بشار الأسد لن يتجاوز أشهر، لكن “ستراتفور” كان لها رأي مختلف. صحيحٌ أن المعركة كانت تسير بخطى حثيثة، لكن المركز كان يعرف أنها ستكون طويلة الأمد.
ويرجع ذلك لعدة أسباب:
أولها؛ العلويون. صحيحٌ أنهم منقسمون بشكل طبيعي، لكنهم يواجهون أزمة وجودية في مواجهة أغلبية سنية، ما يعني أن انهيارهم لن يكون سهلا.
ثانيها؛ ضخامة الانقسامات في صفوف المتمردين (وبين الرعاة الأجانب).
ثالثها؛ افتقار كلا الجانبين إلى الوسائل الكافية لهزيمة الآخر.
صحيحٌ أن كثيرًا من هذه القيود لا يزال قائمًا، لكن الأمور تسير الآن في اتجاه يجعلنا نفكر بجدية في سيناريو ما بعد الأسد.
نقطة تحوُّل
نقطة التحول كانت: فقدان الحكومة السورية السيطرة على محافظة إدلب- مفتاح مدينة حلب- في مارس. حيث يتحرك المتمردون- المدعومون في المقام الأول من تركيا وقطر- الآن صوب الشمال، ويضيقون الخناق على القوات الموالية للنظام، في حين يضغط المتمردون المدعومون من المملكة المتحدة والأردن من الجنوب باتجاه دمشق.  
صحيحٌ أن الحكومة تمكنت، بمساعدة حزب الله، من الحفاظ على ممر يمتد من وادي البقاع في لبنان عبر دمشق  وحمص وحماة وصولا إلى الساحل، إلا أن حراسته ستكون صعبة.
فيما يتقدم المتمردون بالفعل على الساحل من الشمال والشرق، ويعيد تنظيم الدولة تركيز اهتمامه على منطقة حمص-حماه بالإضافة إلى معاركه في الشمال.
صحيحٌ أيضًا أن الحكومة ليست على وشك فقدان السيطرة على مناطقها الأساسية، لكنها واقعة تحت ضغطٍ شديد. وبينما يستطيع المتمردون الآن توجيه قدراتهم القتالية العالية في اتجاهات متعددة، يغرق النظام في سلسلة من ردود الفعل. وتغيير هذا الوضع يحتاج إلى قدرٍ مهولٍ من التعزيزات، يفوق مستوى الدعم الذي أسهمت به إيران حتى الآن. ومع تراكم النعوش يومًا بعد آخر، تدهورت الروح المعنوية في أوساط القوات الحكومية السورية وحلفاءها في حزب الله إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق.
الفرصة سانحة
وتعتقد الولايات المتحدة وروسيا- لأسبابهم الخاصة- أن الفرصة سانحة الآن أكثر من أي وقت مضى لمحاولة فرض تسوية عبر طاولة المفاوضات.
بالنسبة لروسيا؛ كلما ضعفت الحكومة السورية كلما قلت فرص موسكو للاحتفاظ بأي تأثير ملموس في بلاد الشام. علاوة على ذلك، أي دور تلعبه موسكو في إيجاد تسوية يمكن أن يستخدم للتفاوض مع الولايات المتحدة حول القضايا الأخرى ذات الصلة.
وبالنسبة لأمريكا؛ تتعثر بالفعل خطة تدريب قوة أخرى من المتمردين، بعيدًا عن الراديكاليين الإسلاميين، وليس في مقدور واشنطن فعل الكثير لتركيز اهتمام المتمردين على مصدر القلق الرئيسي لأمريكا: تنظيم الدولة.
ونحن نعلم أن روسيا أنفقت الكثير في زياراتها للرعاة الخليجيين، بما في ذلك السعودية وقطر، وهي تحاول إقناع هذه الدول بدفع الفصائل المتمردة التي تدعمها إلى طاولة المفاوضات. كما أُبلِغنا بأن لقاء 2 يونيو في باريس، الذي جمع الأمريكيين والفرنسيين لمناقشة تطور تهديد تنظيم الدولة مع شركاء الائتلاف، شهد مناقشات مغلقة مع دول الخليج حول شكل التسوية التفاوضية التي ينبغي أن تتم في سوريا.
خطوتان
الخطوة الأولى تتمثل في: التخلص من الأسد؛ لجعل التفاوض مستساغًا سياسيًا لعدد كافٍ من الفصائل المتمردة. فيما تنظر روسيا وإيران- وكلاهما لم يوقع على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية- ما هي البلد الذي يمكنه استضافة الأسد في المنفى.
الخطوة الثانية؛ تتعلق بإيجاد أحد كبار الضباط العلويين، الذين يتمتعون بما يكفي من المصداقية في صفوف قواتهم، وما يكفي من الإرادة للتحرك ضد بشار الأسد والمساعدة في تشكيل حكومة انتقالية.
انقلاب علويّ؟!
وفي ضوء الدروس المستفادة من اجتثاث البعث في العراق، فإن مشاركة العلويين بقوة في حكومة ما بعد الأسد سيكون شرطًا مسبقًا للحفاظ على المؤسسات اللازمة لإدارة سوريا، ودحر التهديدات مثل تلك التي يمثلها تنظيم الدولة.
وأشارت المصادر إلى أن الولايات المتحدة كانت على اتصال مع ضباط علويين في دمشق لاستشكاف ما إذا كانت الأقلية المحاصرة مستعدة للتحرك ضد رئيسها. ومن المحتمل أن تعلب روسيا أيضا دورا في هندسة انقلاب غير دموي والضغط على الأسد لقبول هذا الأمر الواقع.
الرعاة السنة
ونظرا لحالة الحرب السورية، فإن إجراء مثل هذه المناقشات أمر منطقي. لكن ما إذا كانت هذه الجهود سوف تثمر اتفاقًا قابلًا للتطبيق لتقاسم السلطة فهي مسألة مختلفة تماما. ذلك أن رعاة القتال السنة سوف يرغبون في التأكد من أن الفصائل المتمردة سوف تلعب دورا قياديا في الحكومة المقبلة. وتركيا وقطر- على سبيل المثال- لن تكونا في صف السعودية والأردن. علاوة على ذلك، مع وضع إيران اللمسات النهائية على اتفاقها مع الولايات المتحدة، وتوقع إعادة تأهيلها اقتصاديا، فإن القوى السنية ستصبح أكثر اهتماما باستمرار القتال لكبح جماح إيران في الشام قبل تقديم تنازلات للعلويين.
الفصائل المتمردة
في الوقت ذاته، ترتفع الروح المعنوية في أوساط العديد من الفصائل المتمردة. وإذا شعروا أن بإمكانهم كسر الحكومة السورية، فإن المعركة ستستمر. (في الواقع، سيواجه الرعاة الأجانب عقبات تتمثل في تأثيرهم المحدود على الفصائل المتمردة الرئيسية؛ فبينما سيكون دفع الجيش السوري الحر إلى طاولة المفاوضات، على سبيل المثال، أسهل من دفع جماعات إسلامية مثل: أحرار الشام وجبهة النصرة.) وإذا مزَّق العلويون أنفسهم في محاولة انقلاب، فإن ذك سيفيد الفصائل السنية التي تحاول خلق مساحة لنفسها في سوريا بدون الأسد.
كبش “المفاوضات”
وسيكون الإطاحة بالأسد ضروريا لجلب ما يكفي من المتمردين إلى طاولة المفاوضات للتوصل إلى اتفاق، لكن المفارقة تكمن في أن الإطاحة به ستضمن في الوقت ذاته دمار أي اتفاق في النهاية. فالاتفاق على إسقاط الأسد هو الذي يجمع الجهاديين المتشددين والمعتدلين العلمانيين في بوتقة التمرد. وبانقطاع هذا الرابط، ستصبح المنافسات الأساسية التي تصعب إدراتها بالفعل الآن هي المهيمنة على أي محاولة لتقسيم السلطة. وطالما تركز اهتمام هذه الفصائل على محاربة بعضها البعض من أجل الغنائم، ما الذي سيتبقى لوقف تنظيم الدولة؟
ياله من تكهن متشائم، لكنه رصين.
ما تحتاجه الولايات المحتدة هو فقط النظر إلى ليبيا حيث يمكنها الإطلالة على مرحلة ما بعد الأسد في سوريا.. فالأمر هناك ليس بأفضل حالا كثيرًا من هنا.


* اقرأ أيضًا:
– الدعم الإيراني للأسد.. لا يزال مطلقًا أم أصبح مشروطًا؟
– المبشرون بالتسليح والتدريب الأمريكي في سوريا.. حان وقت “غربلة الثوار”
– مخاطر وفوائد توحيد ثوار سوريا
– دليلك المختصر لفهم التحول الاستراتيجي في سوريا
– آفاق التعاون (السعودي – التركي) في سوريا
– التقارب (التركي – الخليجي).. التوازن الصعب
– تركيا والسعودية.. تعاون تكتيكي رغم التنافس على القيادة السنية
* شؤون خليجية

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم العالم بالعربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

الذكاء الاصطناعي سيكون له تأثير هائل على الاقتصاد في المستقبل

يمكن للمؤسسات (الإعلامية والبحثية إلخ) الحصول على تقاريرنا حصريًا الآن. لمعرفة المزيد حول …