الرئيسة في العمق شادي حميد: ما الذي يخطئ الجميع بشأنه حين يتعلق الأمر بالإسلام السياسي؟

شادي حميد: ما الذي يخطئ الجميع بشأنه حين يتعلق الأمر بالإسلام السياسي؟

6 second read
0

ترجمة: علاء البشبيشي

بمناسبة الانطلاقة الرسمية للطبعة الورقية الجديدة من كتابه “إغراءات السلطة: الإسلاميون والديمقراطية غير الليبرالية في الشرق الأوسط الجديد”، يحاول الباحث شادي حميد، الزميل بمركز سياسات الشرق الأوسط بمعهد بروكنجز، الإجابة على سؤال: لماذا أصبح الإسلامويون إسلامويين؟. 

يميل علماء السياسة، وأنا أحدهم، إلى رؤية الدين والأيديولوجية والهوية باعتبارها ثمار مجموعة معينة من العوامل المادية. هذه العوامل هي: الأشياء التي بإمكاننا لمسها وفهمها وقياسها. على سبيل المثال، حين نشرح لماذا يُقدِم الانتحاريون على ما يفعلونه، نفترض أن هؤلاء الشباب مكتئبون نتيجة إخفاقاتهم المتراكمة، ومحبَطون من وضعهم الاقتصادي المتردي، ومُذَلُّون بالقمع السياسي والاحتلال الأجنبي. 

وفي حين لا يشكك أحد في هذه العوامل، إلا أنها لا تمثل الصورة كاملة، ولا يمكن أن تكون.

إن دور الدين وسلطته في الشرق الأوسط الحديث أكثر دُنيَويَّة من ذلك (فبرغم كل شيء، لا تفكر الغالبية الساحقة من المسلمين في أن يصبحوا انتحاريين). وما أصبحت الإسلاموية كلمة سيئة، إلا لأن الإسلامويين الذين نسمع عنهم ينتمون عادة إلى تنظيم الدولة أو القاعدة. 

بيدَ أن معظم الإسلامويين ليسوا جهاديين ولا متطرفين؛ بل أعضاء في الحركات الإسلامية المعتدلة، مثل: الإخوان المسلمين؛ الجماعة التي سِمَتها الأساسية: التدرج (كانت تتحاشى الثورة تاريخيًا)، وقبول السياسة البرلمانية، والاستعدد للعمل ضمن هياكل الدولة القائمة، حتى العلمانية منها. وعلى النقيض مما يستقر في الخيالات الشعبية، لا يتطلع الإسلامويون بالضرورة إلى (نموذج) الجزيرة العربية في القرن السابع.

لماذا أصبح الإسلاميون إسلاميين؟

هناك أسباب عديدة، وكل عضو في جماعة الإخوان المسلمين له حكايته الخاصة عن لحظة التحول، أو “الولادة من جديد”. وكما قد يُذَكِّرني عضو الجماعة عادة؛ انضم كثيرون إلى الحركة حتى يتمكنوا من “دخول الجنة”. ورَفْض مثل هذه التصريحات، باعتبارها نوباتُ وهمٍ لاعقلانية؛ مُغرٍ. لكن إذا نظرت إليها بطريقة أخرى، ما الذي يمكن أن يكون أكثر عقلانية من الرغبة في الخلاص الأبدي؟

لا يعمل الإسلامويون فقط من أجل هذه الحياة الدنيا، ولكن أيضا للدار الآخرة. وتهدف جماعة الإخوان، والمنظمات المستوحاة منها، إلى تعزيز الطابع الديني للأفراد من خلال الانتظام في عضوية متعددة المستويات، والخضوع لعملية تعليمية بمنهج مُنَظَّم. 

كل أخٍ عضو في “أسرة”، تتكون عادة من 5-10 أفراد، وتلتقي أسبوعيًا لقراءة ومناقشة النصوص الدينية. والأمر، بالنسبة لكثير من الأعضاء، بسيط جدًا ومباشر؛ فكونه جزءًا من جماعة الإخوان المسلمين يساعده على طاعة الله، وأن يصبح مسلما أفضل، وهذا بدوره يزيد من احتمالية دخوله الجنة. 

هذا الاعتقاد لا يعني أن هؤلاء الأعضاء، الأكثر تركيزا روحيًا، لا يأبهون بالسياسة، لكنهم قد يرون الإجراءات السياسية- سواء كان ترشُّحًا على مقاعد المجالس البلدية أو مشاركة في احتجاج جماهيريّ- مجرد وسيلة أخرى للعمل من أجل الله.

صحيحٌ أن الميل لرؤية الدين من منظور سياسي أو اقتصادي (وليس العكس) ليس خطئًا بالضرورة، لكنه يمكن أن يحجب أحيانا القوة المستقلة للأفكار، التي تبدو- لغالبية العالم الغربي- غريبة وعتيقة. 

يمكن أن يكون صعبًا فهمُ كيف أن الناس قادرون على- وراغبون في- القيام بأشياء تبدو غير عقلانية لخدمة أهداف تبدو غير عقلانية. وقوى العقل والعقلانية، إذا لم تكن قد سادت بالفعل، فإنها بعد كل شيء، من المفترض أن تسود في نهاية المطاف. وإن كان الشرق الأوسط الحديث يتحدى هذه التوقعات. 

عندما تقل أهمية الدين في حياتنا الخاصة، يصعب القيام بهذه القفزة. في حين يجب على الغرباء أن يبذلوا جهدا إضافيا لتجسير هذه الفجوة. وهذا، في بعض النواحي، هو أكثر جوانب عملي تحدِّيًا، وإثمارًا في نهاية المطاف: التعرض لشيء مختلف جذريًا. 

لفهم الإسلاميين؛ عليك أن تجلس معهم، وأن تتحدث إليهم، وأن تتعرف عليهم كأفراد لديهم مخاوف وتطلعات خاصة. هذا ما أعتقد بأهمية أن يحيط المحللون والأكاديميون وصناع السياسة الغربيين معتقداتهم الخاصة والتزاماتهم السياسية به.

إذا ذهبتَ إلى دراسة الإسلاموية محاوِلا المقارنة بين الإسلامويين وبعض المثالية الليبرالية، فسوف يؤدي ذلك إلى تشويه التحليل؛ فالإسلامويون في النهاية ثمار سياقهم السياسي الخاص بهم، وليس بنا. 

بالنسبة لنا، تبدو الديمقراطية والديمقراطية الليبرالية قابلتان للتبادل، لكن ذلك غير ممكن في الشرق الأوسط (مثل العديد من الأماكن الأخرى). وفي تاريخنا كأمريكيين، نتبع تسلسلا معينًا: أولا، دُشِّنَت أسس الليبرالية الدستورية، ثم بعدها فقط جاء دور الديمقراطية لتصبح واقعا (في النهاية). لكن في العديد من المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة لا تضع التوترات بين الليبرالية والديمقراطية أوزارها أبدًا. 

ربما لا يروق لنا ذلك- وربما لا ينبغي- لكن ما ذا لو أرادت أغلبية المواطنين في بلدٍ ما تمرير تشريعات تحظر الكحول، وتفصل بين الجنسين في مستويات التعليم المختلفة، وتُمَكِّن رجال الدين، أو “تُؤسلِم” مناهج التعليم؟ وهذه كلها أشياء، في مستوى ما، تحظر أو تقيد الحرية الفردية. 

لسنا بحاجة إلى التكهن: هناك نموذجان عادة ما يُستَشهَد بهما على نجاح الديمقراطية الإسلامية؛ إندونيسيا وماليزيا. في أحد المقالات، يوثق الباحث الإندونيسي روبن بوش تطبيق الشريعة بموجب القانون في سولاوسي الجنوبية، وجاوة الغربية، ومناطق أخرى مُحافِظَة، تتضمن: المطالبة بارتداء موظفي الخدمة المدنية والطلاب “ملابس إسلامية”، وارتداء النساء الحجاب للحصول على الخدمات الحكومية المحلية. 

لكن وفقا لدراسة أعدها معهد وحيد في جاكارتا، من تبنَّى معظم هذه الإجراءات هم مسئولون ينتمون لأحزاب مثل جولكار. 

كيف يكون هذا ممكنا؟ 

إن تطبيق تعاليم الشريعة جزء من الخطاب السائد الذي يمر عبر خطوط حزبية، مما يوحي بأن الإسلام ليس بالضرورة متعلقا بالإسلامويين، ولكن بالشريحة الأوسع من السكان منفتحين على مراسيم الشريعة.

وكما كتب جوزيف ليون، وهو باحث إسلامي بارز في جنوب شرق آسيا: “التطبيق التدريجي للشريعة من خلال القوانين عبر إندونيسيا لم يؤدي إلى إثارة معارضة واسعة في صفوف السكان المحليين”.

وهكذا يتضح أن الإسلاموية لا تتطلب بالضرورة وجود إسلامويين. لكن في المقابل، من الصعب جدا أن تكون هناك ليبرالية دون ليبراليين. لكن الليبراليين ضعفاء في معظم البلدان ذات الأغلبية المسلمة. وفي الحالتين الرائعتين، اللتين غالبا ما يتم إغفالهما، في إندونيسا وماليزيا، مضت الديقراطية جنبا إلى جنب مع الأسلمة. بعبارة أخرى، حيثما يفترض كثيرون أن الديمقراطية لا يمكن أن تتعايش مع الأسلمة، يصبح حدوث العكس أكثر ترجيحا. 


شؤون خليجية

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم في العمق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

كيف يؤثر التحول الرقمي على المستهلك السعودي؟

المستهلك الرقمي في المملكة العربية السعودية. التجارة الإلكترونية.. من التبني إلى التسار…