أقليات عزيزتي أمريكا.. رسالة من مسلم أمريكي لـ العالم بالعربية منشور في 0 second read 0 شارك على Facebook شارك على Twitter شارك على Google+ شارك على Reddit شارك على Pinterest شارك على Linkedin شارك على Tumblr ترجمة/ علاء البشبيشي كيف يشعر المسلم الأمريكي وهو يرى شطرَي هويته يتصارعان؟! لا أبلغ لوصف ذلك من قول صاحبي: إنه يشعر كزوجة قتل أخوها زوجَها.. لتقريب الصورة أكثر ننقل هذه الرسالة من مسلم أمريكي، يُدعَى (محسن محيي الدين) يخاطب فيها (الولايات المتحدة الأمريكية) البلد التي يعيش فيها بينما تعيش هي صراعًا مع شطر هويته الآخر. أمريكا، أكتب إليكِ كمسلم أمريكي أشعر بالإحباط وأنا أرى وجهَي هويتي ينشران الأكاذيب حول بعضهما البعض، في هذه الرسالة سأخاطب أمريكا من وجهة نظري كمسلم، وفي رسالة لاحقة سأكتبها خلال الأسابيع القادمة سأخاطب المجتمع المسلم من وجهة نظري كأمريكي. عزيزتي أمريكا،، يموج عالم اليوم في بحرٍ لُجيٍّ من العناوين الإخبارية التي تصف ثورة الإرهاب والتطرف، والفوضى السياسية في أفغانستان وباكستان ومنطقة الشرق الأوسط. ورغم وفرة الأخبار السيئة، شهدنا مؤخرًا يوم أملٍ تمثَّل في نهاية رمضان؛ حيث اتحد المسلمون من مختلف البلدان والطبقات الاجتماعية بانفتاح على معاني التواضع والأخوة والامتنان والسلام. هذه الرسالة التي جسدها قرابة مليار مسلم ينبغي ألا يُبخَس قدرها أو تَمُرَّ مرور الكرام. أمريكا، على الرغم من أنكِ جزءٌ منا ونحن جزءٌ منكِ، إلا أنكِ تخافين، ولا تدركين أن الشيء الوحيد الذي يُوَحِّد الملايين منا حول العالم هو السلام والحب والقوة الروحية… أنتِ تخافين من ديننا، الإسلام! أنا لا أكتب هذا الكلام لأتهم أحدًا، أو لأعتذر عن أي جماعة، بل أتحدث إليكِ (أمريكا) كفردٍ من الغالبية المسلمة التي تعارض سياسات أحمدي نجاد وبن لادن وطالبان والقاعدة، فهؤلاء سرقوا صوتي.. أصواتنا، ولطالما غطَّت أفعال العنف التي ترتكبها هذه الأقليَّة على الأعمال الصالحة وغير الأنانية التي تقوم بها الأغلبية المعتدلة، التي تفعل الخير باسم الإسلام. بادئ ذي بدء، المسلمون ليسوا قوم قسوة والإسلام ليس دين عنف. أخشى أن تُغفِلوا حقيقة أن دين المسلمين تَمَّ احتكاره من قِبَل حُكَّام فاسدين ومتطرفين يدعمهم إعلامٌ جمَّد أصوات الغالبية المسلمة التي تمقُتُ في الحقيقة العنف والإرهاب. بإمكان هذا أن يكون مربكًا حتى بالنسبة لي؛ ذلك أننا في جانبٍ نرى فقط المتطرفين الإسلاميين على شاشات التلفاز ينشرون الكراهية باسم الإسلام، أما الغالبية المسلمة فبالكاد نسمع أصواتها. وكما سأتطرَّق في الجزء الثاني من هذا المقال، لقد ساهم المسلمون في تهميش أنفسهم؛ فهذا المجتمع الذي يتكوَّن من مليار شخص أو أكثر، يعيش غالبيته في فقرٍ داخل الدول النامية التي تحكما أنظمة قمعيَّة فاسدة ومتسلطة. هؤلاء الذين يُقتَلون بصورةٍ يوميةٍ، إما على أيدي المتطرفين أو بسبب الهجمات الصاروخية المخرِّبة التي يشنها الناتو، ليسوا سوى أمهاتنا وبناتنا وأبنائنا. نحن ضد العنف؛ لأننا الهدف الأساسي لمعظم الهجمات الإرهابية التي تحدث اليوم، ربما لا نتَّفِق مع سياساتك وأفعالك العسكرية، لكننا نتطلع إلى المبادئ التي قامت عليها أمريكا. ثانيًا، كثيرون ينظرون إلينا كما لو كنا جهلة انطوائيين رجعيين متعصبين، وهو ما يُجافي الحقيقة إلى حدٍّ بعيد؛ فنحن فنانون ورسامون وشعراء وأطباء ومحامون وموسيقيون ومفكرون، مشاكسون أو محافظون، رجال ونساء، وصحيح أننا أيضًا أمريكيون. ثالثًا، المسلمون حول العالم وداخل أمريكا غالبًا ما تُربِكُهم أفعالكِ وسياساتُك العسكرية، والتي أحيانًا تتناقض مع شعارات الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. صحيحٌ أنه خطأُنا نحن (معشر المسلمين) في جوانب عديدة، لكن الحقائق التاريخية تُظهِر أن السياسات الخارجية الفاشلة أسهمت في تشكيل المشهد السياسي والاقتصادي الذي تزدهرُ فيه الآن العديد من الأنظمة المستبدَّة التي تحكم الدول الإسلامية. وأنا كأمريكي، أعلم أن الأجندة الأمريكية لا تنطوي على قتل المدنيين، بل إن الرجال والنساء الشجعان في القوات المسلحة يقاتلون من أجل السلم والأمن الدوليين. وأنا أؤمن بذلك حقًّا، لكن لماذا يشعر كثير من المسلمين في مجتمعي بالريبة من سياسات أمريكا وأفعالها؟! كلُّ ضحية في صفوف المدنيين في فلسطين والعراق وأفغانستان وباكستان تترك ثلمة في العقل الجمعي المسلم، يتردد صداها في جنبات العالم الإسلامي، سواء حدث ذلك بين جنبات مسلم من ولاية أيوا أو من المغرب العربي. ويأتي التأثير النهائي لهذه السياسات الخارجية الفاشلة ليُحدِث جرحًا غائرًا. لنأخذ أفغانستان كمثال، حيث دربت الـ سي آي إيه مقاتلي الحرية وسلَّحتهم وموَّلتهم خلال الحرب الباردة، لاحقًا بذل هؤلاء المقاتلون دماءهم وهزموا السوفييت، لكن بعدما انقشع الدخان، وأصبح الشعب الأفغاني بحاجةٍ إلى التنمية والمساعدة تخلى الجميع عنهم. لقد دربت أمريكا المقاتلين المسلمين، الذين أعادوا تشكيل أنفسهم فيما بعد وكوَّنوا طالبان التي نراها تطفو على السطح الآن. في العام 1953، تمت الإطاحة بالرئيس مصدق القائد الإيراني المؤيد للديمقراطية، في انقلاب موَّلته وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، وجيء مكانه بدكتاتور أثمرت حماقته في ولادةِ الثورة الإسلامية التي حوَّلت المجتمع العلماني الديمقراطي إلى نظام ثيوقراطي يقوده أمثال أحمدي نجاد. أمريكا.. تتحدثين عن حقوق الإنسان، لكنكِ ما تزالين حليفًا وفيًّا للهند التي ارتكبت مذابح جماعية في كشمير، قُتل فيها 70 ألفًا منذ العام 1989. فلسطين هي لبُّ الصراع الدائر في نفس كلِّ مسلم، وعلى أعتابها أصابت شعاراتكِ وأفعالكِ فيما يتعلق بحقوق الإنسان كلًّا من المسلمين والعرب بالإحباط، وهذا يؤثر على النفسية الجمعية كما المناخ العالمي الذي يُرَى فيه المسلمون كبشر من الدرجة الثانية، ولا يعامَل فيه المسلمون وفق قوانين حقوق الإنسان. أعلم أن هذا خطأٌ، إلا أن سُخف هذه الخرافة ليس واضحًا لملايين المسلمين الذين يعيشون في أتون الحرب وداخل الدول الظالمة حيث يُفتَقد العدل ولا يُسأل الحكام عما يفعلون. على الرغم من كل هذه الأمثلة، فإنك ببساطة إذا تكلمت مع شاب مسلم، ستظلُّ تجد أن الغالبية الساحقة منهم يفرِّقون بين سياسات أمريكا وثقافتها. استمع، على سبيل المثال، كيف يصلي الشباب المسلم من أجل مساحة أكبر للديمقراطية في إيران. انظر كم عدد الكشميريين الذين يتوسلون للالتحاق بإحدى الجامعات الأمريكية. انظر فقط إلى مئات الملايين من المسلمين في أفريقيا وآسيا الذين تابعوا الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2008 كما لو كانت انتخاباتهم. اشهد الفرحة التي غمرت هؤلاء حينما انتصرت الديمقراطية بانتصار أوباما. الخرافة الأخيرة التي أودُّ تحديها تتلخَّص في فكرة أن الإسلام هو التهديد. هذه النزعة ضربت بجذورِها في أعماق المجتمع الأمريكي، وكمسلم أمريكي أجدني معنيًّا بذلك. على سبيل المثال حينما صُوِّر الرئيس أوباما وهو يرتدي الزي الكيني، ثارت ضجة في وسائل الإعلام حول زيه الإسلامي. في الواقع هناك أمراء حرب وحكام مستبدون ومتطرفون اختطفوا ديني، لكن أن نسمح للإسلاموفوبيا أن تصبح وضعًا راهنًا فيكِ أمريكا، فهو أمر لا يختلف عن أن يؤمن العالم الإسلامي بأن أمريكا هي الشرُّ ذاته. أمريكا.. الإسلام والقرآن ليسا هما التهديد، بل الإسلام هو مصدر الإلهام لكثيرين كي يصبحوا بشرًا أفضل؟ ماذا ألهم الإسلام الغربَ؟ في العصر الذهبي للإسلام، على سبيل المثال، كان الإسلام مصدرَ إلهامٍ للعلماء والشعراء والناشطين والفلاسفة الذين امتزجت الكثير من ابتكاراتهم ببنية أوروبا وأمريكا. حتى غالبية المسلمين نسوا أن الفلاسفة المسلمين واليهود في القرن الثامن هم من روَّج لحرية التعبير وحرية العقيدة والسلام، وفي مجال الزراعة كان المزارعون المسلمون هم من قدَّم للعالم نظام الدورة المحصولية، وكان الأطباء المسلمون هم أول من طوَّر المستشفيات العامة، وكان الأكاديميون المسلمون هم أول من افتتح المِنَح الدراسية الجامعية في مختلف المجالات. إذا كان الإسلام يمثل هذا التهديد فكيف كان مصدر الإلهام الإيجابي للمئات طيلة القرون الماضية؟! أنظرُ إلى العالم الإسلامي اليوم فأرى مجتمعًا يعيش في فوضى، متأثرًا بالفقر والحرب والقمع السياسي والتطرف، لكن خلال شهر رمضان الفائت، شعرت بمجتمعي يقترب من جوهره. خلال رمضان شهدتُ أُسَرًا مجتمعة، تصلي من أجل السلام، وفي العيد لم يكن مئات الملايين من العائلات المسلمة في إفريقيا وأمريكا وأوروبا وآسيا يقفون ضد العالم، بل كانوا ينشرون رسالةَ الخير والسلام والصبر، رجال ونساء وأطفال كانوا يعانقون الغرباء الذين يجلسون بجوارهم. للمرة الأولى خلال حياتي الروحية، سمعتُ خطيب الجمعة في إحدى مساجد ميريلاند يطلب منا أن نكون ننخرط بفعالية أكثر في الخدمة والتنمية الاجتماعية. في الحقيقة، لقد تحدث الشيخ عن قيمة المواطنة الأمريكية، وحينما شاهدتُ ذلك لم أرَ الإسلام باعتباره تهديدًا، بل وجدتُ حلًّا.. وجدتُ أملًا. أمريكا.. أكتب هذا من أجلِك، لا لأتهمَكِ بالتسبب في الصَّدعِ الحاصل اليومَ مع العالم الإسلامي؛ لأن أمريكا ليست هي الوحيدة المسئولة عن ذلك، بل يتحمل المسلمون المسئولية الأساسية عن المشاكل الاقتصادية-السياسية التي أصابتهم. إليكِ أمريكا أكتب هذه الرسالة لربما أصبحتِ بطريقة ما أكثر إدراكًا بالغالبية المسلمة، وأكثر أملًا فيها. أمريكا، ستجدين تناقضاتٍ داخلَنَا، وسيجد المسلمون تناقضاتٍ داخلكِ؛ فنحن البشر من نلوِّث القِيَم والْمُثُل الكبرى ونفسدها، والمسلمون ليسوا بِدعًا من البشر. في الواقع، لقد حان الوقت كي ننظر نحن المسلمون في المرآة ونُصلِحَ أنفسنا، وهذا ما سأتحدث عنه بإسهاب أكثر في الجزء الثاني من مقالي، لكن (أمريكا) كلما ظلَلْتِ تنظرين إلى الإسلام باعتباره تهديدًا، كلما اتسعت الهوةُ بينكِ وبين العالم الإسلامي، ومن ثَمَّ يظلُّ العالم مقسَّمًا.