شارك على Facebook شارك على Twitter شارك على Google+ شارك على Reddit شارك على Pinterest شارك على Linkedin شارك على Tumblr ترجمة: علاء البشبيشي في ظل غياب السلطان قابوس، وتحليق النفط على مقربة من شاطئ الـ 60 دولارًا للبرميل، يبقى مستقبل عمان معلقًا في الهواء. وتزداد حالة عدم اليقين الاقتصادية صعوبة؛ نتيجة القصور الهيكلي المستمر بإصرار، رغم التخطيط لعقود، بل تزايد سوءًا خلال السنوات الثلاث الماضية. أما علامة الاستفهام السياسية حول من سيخلف السلطان قابوس بن سعيد آل سعيد- الذي يتلقى علاجًا للسرطان في ألمانيا منذ قرابة ثمانية أشهر- فلا تزيد التوترات المالية إلا تفاقمًا. وكانت عمان أحد أوائل دول مجلس التعاون الخليجي، التي أكدت على ضرورة الابتعاد عن الاقتصاد المعتمد كلية على النفط والغاز (قطاع الهيدروكربونات)، واعترفت أيضًا منذ وقت مبكر بخطأ الاعتماد على العمال الأجانب. ومنذ عام 1975، دشن السلطان قابوس- الذي أطاح بوالده في انقلاب عام 1970، ويحكم البلاد منذ ذلك الحين- سلسلة من الخطط الخمسية، التي أكدت مرارًا مخاطر الاعتماد عائدات النفط والغاز والعمالة الأجنبية. وإلى حد كبير، تواجه دول الخليج الأخرى المأزق الأساسي ذاته. فـ”ليست عمان وحدها هي التي تواجه هذه التحديات”، كما يقول رائد الجمالي، المؤلف المشارك لتقرير سبتمبر 2014، الصادر عن مركز تشاتام هاوس البريطاني، بعنوان: “التوظيف المخادع.. تخطيط التنمية واتجاهات سوق العمل في سلطنة عمان”. ومنبع الإحباط”؛ إن الحكومة العمانية رغم كونها في طليعة الدول السباقة إلى التشخيص والإعراب عن الضيق، فإنها فشلت في المتابعة وإدارة العلاج. ففي عام 1995، أصدرت عمان استراتيجية تنموية طويلة الأجل، لتصبح أول دولة خليجية تقوم بذلك. وأكدت الاستراتيجية، التي حملت عنوان “رؤية 2020″، الحاجة إلى تنويع الاقتصاد من خلال تمكين القطاع الخاص، وبالتالي خلق فرص عمل للعمانيين. وكانت الأهداف طموحة تمامًا؛ حيث نصت على أن يصل القطاع العام العماني إلى حاجز 95 % بحلول عام 2020، بدلًا من 68 % في عام 1995. أما القطاع الخاص، فكان الهدف أن يرتفع من 15 % إلى 75 %. وبعد مرور عشرين عامًا، يوضح تقرير تشاتام هاوس أن “ما كان يومًا مبادرة جريئة أصبح اليوم فشلًا. حيث تشير مؤشرات سوق العمل منذ عام 2005 إلى أنه في حين حقق القطاع العام ككل 82.7 % من التعمين Omanisation، لم يحقق القطاع العام سوى 22.5 %. وبدلًا من التحسن، انخفض المستوى على مدى النصف عقد القادم”، بحسب التقرير. (عدد العاملين في القطاع الخاص 2009-2013) في الواقع، بحلول عام 2013- وفقًا للإحصائيات الصادرة عن وزارة القوى العاملة- انخفض عدد العمانيين العاملين في القطاع الخاص بنسبة 14 %، رغم أن الدولة أنفقت 15.6 مليار دولار إضافية خلال العامين الماضيين على منح التعليم العالي والتدريب التقني والمهني. وخلال سنوات الطفرة في أسعار النفط، ارتفع عدد الأجانب بشكل كبير. هذا الفشل المستمر للتعمين له تداعيات اقتصادية وخيمة في بلدٍ يبلغ عدد سكانه الأصليين مليوني نسمة، أي دون 60 % من إجمالي تعداد السكان البالغ 3.6 مليون، أما بقية السكان فهم من العمال الأجانب. (المغتربون في القطاع الخاص، 2013) وتشهد عمان أحد أعلى معدلات المواليد في منطقة الخليج، ومعدل بطالة ظل بإصرار لا يراوح حاجز الـ 15 % لعدة سنوات. ويقول تقرير تشاتام هاوس: إن معدل البطالة بين الشباب يصل إلى أكثر من 30 %- وهي الإحصائيات التي تكتسب أهمية بالنظر إلى أن سكان سلطنة عمان هم الأقل عددًا في المنطقة، وفي عام 2013 كان 56 % منهم دون سن الـ 25، بحسب الإحصائيات الحكومية. (عدد سكان عمان 2009-2013) تضخيم القطاع العام أسهم السلطان قابوس في تفاقم مشكلة خطيرة بالفعل في مارس 2011، حينما قرر زيادة عدد وظائف القطاع العام بشكل دراماتيكيّ، فخلق 50 ألف وظيفة جديدة، ورفع الحد الأدنى لأجور القطاع الخاص في الوقت ذاته، وزاد مخصصات الضمان الاجتماعي والبحث عن العمل. هذه الخطوة، التي واكبت حركة إقالات وتعديلات وزارية جاءت استجابة لاحتجاجات مستوحاة من الربيع العربي، الذي هبت رياحه على بلدان أخرى في المنطقة، ركزت على ارتفاع معدلات البطالة وعدم وجود فرص عمل للشباب العماني. وإلى جانب الحملة الأمنية التي استهدفت المحتجين في الشوارع وعلى الإنترنت، أسفرت هذه الإجراءات عن تهدئة الأوضاع وتبديد الاحتجاجات. لكن كان لذلك ثمنه، وأقله هجرة العمال العمانيين من القطاع الخاص إلى الوظائف الحكومية، حيث دفعت سياسة الحد الأدنى للأجور الشركات إلى تخفيض عدد الموظفين. وكما جاء في تقرير تشاتام هاوس بإيجاز: “تدهورت المشاركة العمانية في القطاع الخاص نتيجة لسياسات الحكومة”. وكانت التكلفة المالية لهذه الخطوة باهظة، لا سيما وأن الحكومة وفرت 20 ألف وظيفة أخرى في القطاع العام في بداية عام 2013 ونهايته، ووحدت الأجور عبر أقسام الخدمات المدنية. ونتيجة لهذا السخاء، تضاعف إنفاق القطاع العام تقريبًا في ثلاث سنوات، من 7.9 مليار دولار في عام 2011 إلى 13.5 مليار في عام 2014، أي أكثر من 80 % من إجمالي الإنفاق الحكومي. وفي هذا يقول الخبير الاقتصادي جيسون توفي: “بإطلالة من نهاية النفق، يتضح أن القفزة الكبيرة في الإنفاق العام لم تكن فكرة جيدة. صحيح أن السلطات قد تكون قادرة على تدبر أمورها على مدى العامين القادمين بالسحب من المدخرات، لكن بعد ذلك يُتَوَقَّع أن يكون النمو أضعف بكثير”. وبالطبع لم تتمكن عمان من توقع انهيار أسعار النفط، لكن إذا اتبعت مسقط مسار الرؤية التي وضعتها حتى عام 2020 بحزم أكبر؛ فإنها لن تجد نفسها معرضة لهذا الخطر. وكما قال أحد خبراء الاقتصاد العمانيين: “2020 كانت خطة جيدة للغاية، وما قتلها كان عام 2011”. ويتوقع كثير من المحللين أن تظل أسعار النفط منخفضة لبعض الوقت (على سبيل المثال يرى “توفي” أنها ستصل إلى 70 دولارًا بحلول نهاية العقد). فإذا كان ذلك كذلك، سوف يتفاقم العجز الذي تشهده عمان، ما لم يتدخل الجيران الخليجيون الأكثر ثراء. بيدَ أنه من المرجح أن تتعامل مسقط بحذر مع عمليات الإنقاذ، لا سيما إذا جاءت مرتبطة بحملة لتوحيد دول الخليج. ومن المحتمل أن يلتزم المستثمرون الأجانب الآخرون جانب الحذر، نظرًا للعجز الذي يلوح في الأفق وضبابية مستقبل الخلافة (ما بعد قابوس). أما ما تحتاج الحكومة إلى القيام به، فهو: إما تحويل دفة التخفيضات إلى الدعم الحكومي، أو خفض الوظائف والأجور في القطاع العام، لكن كلا الخيارين ينطوي على مخاطر سياسية في مجتمع اعتاد على المساعدات الحكومية. وأيًا كان من سيخلف قابوس، فلا يرجح أن يرغب في أن ترتبط مثل هذه التغييرات ببداية حكمه. فلننتظر ونرى تقع المسؤولية عن المشكلات الاقتصادية في المقام الأول على كاهل السلطان قابوس، الذي يوصف في القانون الأساسي لعام 1996، بأنه “رمز الوحدة الوطنية وحاميها والمدافع عنها”. كما أنه يمتلك من القوة والسلطة ما لا يمتلكه فرد واحد في أي دولة خليجية أخرى؛ ذلك أنه يشغل منصب رئيس الوزراء ورئيس البنك المركزي والقائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع والشؤون الخارجية والمالية. وتحت قيادته، وضعت العديد من الخطط الاقتصادية، وكان هو صاحب قرارات عام 2011، التي أثرت سلبًا على رؤية عام 2020. يقول مارك فاليري، المحاضر البارز في الاقتصاد السياسي في معهد الدراسات العربية والإسلامية، ومدير مركز دراسات الخليج في جامعة إكستر، في تقريره الذي نشرته مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي أواخر يناير الماضي: إن اضطرابات عام 2011 باغتت السلطان ومستشاريه. “حيث لم يكونوا يدركون حجم صعوبات البطالة والفقر، خاصة خارج العاصمة مسقط”. وثمة إشكالية أخرى، محورها: تململ العمانيين من إثراء أولئك الذين يتربعون على قمة المجتمع على حساب الأمة. وكما كتب “فاليري” في تقريره، فإن “المشاركة الشخصية لمعظم صناع القرار من ذوي النفوذ وأعضاء مجلس الوزراء في مجال التجارة، غذت الصورة المنتشرة على نطاق واسع للنخبة المشغولة بحماية امتيازاتها، وإسكات الأسئلة المثارة حول الصراع بين مصالح البلاد العامة، التي من المفترض أن يعززوها- مثل سياسات التعمين في الوظائف- والمصالح الخاصة التي يدافعون عنها كرجال أعمال”. وعلى الرغم من أن آثار الاندفاع إلى توسيع القطاع العام المتضخم بالفعل بدت جيدة سياسيًا في ذلك الوقت، إلا أنها أسفرت عن نتائج عكسية لاحقًا. وبعد ثلاث سنوات، أدى المناخ الاقتصادي غير المستقر، إلى جانب الغياب الممتد للسلطان، إلى إغراق عمان في متاهة. “بيد أنه لا أحد يريد اتخاذ القرارات”- على حد قول “فاليري”- “فليست هناك رؤية طويلة الأمد حتى هذه اللحظة، فقط سياسة الانتظار والترقب.. وهناك شعور في أوساط العمانيين أن الطائرة تحلق بدون ربان”. شؤون خليجية