ترجمة: علاء البشبيشي

من المشجع أن تشير التقارير الواردة من واشنطن إلى استقرار الإدارة الأمريكية على استراتيجية جديدة لمواجهة تنظيم الدولة. فلطالما كان ترددنا في الالتزام باستراتيجية مبنية على أرضية مشتركة- من شأنها تقليل المخاطر بموازاة خدمة أهداف متناقضة- أمرًا مُكلِفًا لاستقرار العراق، ولهدفنا الرامي إلى الإطاحة بنظام بشار الأسد في سوريا.

وأحيانا تكون مواجهة عدوٍ ما أقل جاذبية من تجنُّب إفادة عدو آخر. من أجل ذلك تسامحت إنجلترا مع صعود النازية الألمانية، رغم كونها خطرا متزايدًا، بدلا من مواجهتها لمصلحة البلشفية.

وفي الشرق الأوسط، يعتبر المثال على ذلك شديد الدقة؛ لأن الظاهرة ذات وجهين: لا يمكننا حقا إلزام أنفسنا بالإطاحة بالأسد؛ لاعتقادنا أن سقوطه سيوفر فرصًا كبيرة لتنظيم الدولة، لكننا مترددون بالقدر ذاته في اتخاذ بعض الإجراءات العدوانية ضد تنظيم الدولة في العراق وسوريا؛ لأننا نعتقد أن نجاحنا يعني المزيد من تمكين إيران وزيادة نفوذها في بغداد ودمشق. 

هذا الشلل الذي أصابنا يرجع إلى تفضيلنا المكاسب المحتملة، حتى وإن كانت هامة، على تحمل خسائر بعينها لا يمثل تواجدها أهمية كبرى. 

وبدوري أعتقد أن ذلك نوع من “بغض الخسارة” الاستراتيجي. حيث أكدت العديد من دراسات الاقتصاد السلوكي أن الغالبية الثابتة من الناس يفضلون التخلي عن المكاسب على تحمل الخسارة، حتى عندما تكون النتائج غامضة إحصائيًا.

على سبيل المثال، أثبت علماء النفس مرارا أن الغالبية الساحقة تفضل تجنب دفع 100 دولار على جني 100 دولار. علاوة على ذلك، تقرر هذه الأغلبية بشكل روتيني أنها تقبل الخسارة المحتملة لألفي دولار بنسبة 50%، أكثر من قبولها خسارة أكيدة لـ ألف دولار. 

بالمثل، ربما تحجم الدول عن المجازفة بمنح ميزة غير مؤكدة للعدو، حتى لو كان تقاعسها عن الفعل يعني ربحًا معينًا لعدو آخر. هذه اللاعقلانية تتجاوز الاهتمامات الأكاديمية عندما نتخلى فعلا عن المكاسب المحتملة التي من شأنها أن تفوق خسائرنا.

لكن- يمكن للمرء أن يعترض- هذا لا يمكن أن يكون أكثر من استعارة؛ ذلك أن الدول ليس لديها نزعة نفسية. 

بيدَ أن قيادات الدول لديها هذه النزعة، وربما يحددون انتصارات الدولة وخسائرها وفق نفسيتهم الخاصة. والحروب التي يتم خوضها للدفاع عن الشرف الوطني يمكن أن تنطلق من الأساس ذاته (وكذلك- بطبيعة الحال- وجود آثار للمساومة العملية).

وقد يعترض آخر بأنه لا خسارة من عدم الفعل.. لكنه يتغافل عن خسارة الأمل.

بعض رؤى صامويل جونسون الأكثر حدة- وإثارة للقلق- حول طبيعة الإنسان تتجسد في ملاحظاته عن الأمل. ذلك أن التخلي عن الأمل هو أكثر تكلفة بكثير من التخلي عن النتيجة. ورغم ذلك تُشَجَّع حالة الشلل هذه كلما كانت الخيارات متاحة: “لا تفعل أي شيء، فقط قف هنا”!

 

يستند هذا إلى اعتقاد أننا بتجنب القيام بأي شيء، فإننا نتجنب على الأقل جعل الأمور أسوأ. لكن هذا يجعلنا نتجاهل حقيقة أن الأمور قد تزداد سوءًا إذا ما توقفنا عن المساعدة، وربما يكون التراخي أكثر كُلفَة لمصالحنا؛ لأننا لم نتمكن من تخفيف الخسائر عن طريق القيام بشيء”. 

 

يكون هذا هو الحال حينما تصبح تكاليف تقاعسنا عن الفعل بما يقوي حلفاءنها أكثر من التكاليف المباشرة لإقدامنا على الفعل. 

كثيرا ما يقال إن شركاءنا يمنحون علاقتنا معهم وزنا أكبر حين نتصرف بتهور، وهذا صحيح بلا شك. لكن أيهم تعول عليه وقت الأزمة: الشريك الذي هرع لتقديم يد العون، حتى حينما كان ذلك- على المدى القصير- في غير صالحه، أم الشريك الذي تلكأ ليزن بعناية فوائد كل خطوة يقوم بها؟

الأمر صعب.. فبعد كل شيء، أليس الجدال بشأن احتمالية أن يؤدي الانسحاب من فيتنام إلى تقويض تحالفاتنا الأوروبية هو الذي أبقانا في جنوب آسيا فترة طويلة بعد موعد الانسحاب المناسب؟ 

لكن كيف يمكننا قياس هذا التوازن في حالة إيران وتنظيم الدولة؟ 

نحن قلقون- وحُقَّ لنا أن نقلق- من أن ضخ أكثر من 50 مليار دولار سيقوي الدولة الثيوقراطية في إيران، وستجد هذه الأموال طريقها إلى قوى الإرهاب التي ينشرها النظام الإيرانيّ. 

نحن مستعدون لإلغاء العقوبات التي أحرزت نجاحا رائعا في اتساع نطاقها وتماسكها، وللأسف لا يمكننا التعويل على تحمُّل العقوبات الحالية. 

لكن إذا فشل الاتفاق، من المرجح أن نجني أسوأ الثمرتين: (1) برنامج غير مقيد للتطوير النووي تمتلكه إيران التي استفادت بقوة من رفع العقوبات التي لم تعد الولايات المتحدة تتحكم فيها. (2) تجاهل تأثير ذلك على تحالفاتنا يمكن أن يكون هو الأكثر كلفة على الإطلاق. 

على النقيض، في أعقاب اتفاق إيران، أصبحت استعادة الثقة في العلاقة مع الولايات المتحدة هي البند الأول على جدول أعمالنا مع إسرائيل والسعودية والأردن ودول الخليج. 


 شؤون خليجية

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم العالم بالعربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

بالأرقام والخرائط.. كل ما تحتاج إلى معرفته عن مضيق هرمز

أولًا: إحصائيات الطاقة والتجارة العالمية 20% نسبة النفط والغاز الطبيعي المسال (LNG) في الع…