ترجمة: علاء البشبيشي

* الملخص:

في بوتقة الحرب الباردة، صيغت العلاقات الإسرائيلية-الأمريكية، على وَقْع الدور الذي لعبته إسرائيل بفعالية كثقل موازِن لطموحات الاتحاد السوفيتي في الشرق الأوسط. 

واليوم، لا يمثل الاتفاق النووي الإيراني تهديدًا وجوديًا لإسرائيل، بقدر ما يعتبر تطورًا يثقل كاهلها للمساهمة في تشكيل المنطقة بالطريقة التي تريدها الولايات المتحدة.

هذا يعني أنها قد تضطر في كثير من الأحيان إلى العمل على الخطوط الأمامية، خلال السنوات المقبلة، سواء كان ذلك نتيجة ضرباتٍ تُوَجهها إيران عبر وكلائها من أمثال حزب الله، أو تحولها إلى هدف ثانوي جاذِب للدولة الإسلامية والجماعات الجهادية الأخرى. 

كما ستجد إسرائيل نفسها مشتركة في تحالفاتٍ غريبة، مثل الشراكة مع السعوديين ضد إيران، ومع حماس ومصر ضد الدولة الإسلامية، ومع تركيا بموازاة مختلف الفصائل الكردية.

ومع ذلك، سوف تدوم العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل. ورغم من أن ترتيبات هذه العلاقة لن تكون بالسهولة التي كانت عليها خلال إدارة الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش، ستظل إسرائيل تمثل أهمية استراتيجية للولايات المتحدة؛ لخلق توازن القُوى في الشرق الأوسط.

* التحليل:

انطلاقا من العلاقة العدائية العلنية بين الرئيس الأمريكي باراك أوباما ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، سيكون من السهل افتراض أن الصفقة الإيرانية من شأنها تعزيز هذا التوجه الفاتر في العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة. 

في الواقع، جزء من استراتيجية واشنطن لخلق توازن القُوى، يعني: تدشين علاقات أكثر واقعية مع القوى الإقليمية؛ التي هي في حالتنا: تركيا وإيران والسعودية ومصر. 

لم تكن الولايات المتحدة ستتجنب عقد اتفاق مع إيران لمجرد معارضة إسرائيل. لكن هذا لا يعني أن واشنطن ستتخلى عن علاقاتها مع إسرائيل، التي هي في الأساس بوليصة التأمين الأمريكية التي ينبغي على إيران أو تركيا إثبات قدرتها على الاستفادة منها بفعالية شديدة فيما يتعلق بالاضطرابات الإقليمية. 

ورغم أن الولايات المتحدة لا يمكنها الاعتماد فقط على إسرائيل لتشكيل المنطقة وفق رغبات واشنطن، لا تزال إسرائيل تلعب دورا هاما للغاية في مجمل الاستراتيجية الأمريكية: ذلك أن إسرائيل القوية، التي تمدها الولايات المتحدة بالسلام حدّ النخمة، هي التي تحول دون سيطرة قوة واحدة على المنطقة بشكل كامل. 

وهو ما يعني أن إسرائيل سوف تستمر في التمتع بدعم أمريكي كبير، لكنه يعني أيضا أن إسرائيل ستصبح هدفا للقوى التي ستصبح مهيمنة إقليميًا.

دور الجغرافيا الإسرائيلية

تقع إسرائيل في موقع يتمتع بأهمية استراتيجية خاصة. 

وما مارست الإمبراطورية الفارسية القديمة ضغطًا باتجاه شرق المتوسط، على وجه التحديد؛ إلا لحاجتها إلى مِرساة في بلاد الشام تحميها من الأعمال العدوانية التي قد تشنها القوى الأوروبية. وبدون موطئ قدم لها في الشام، لا يمكن أن تشعر إيران بالأمان. 

وحتى لو نجحت استراتيجية الهلال الشيعي الإيرانية في بداية الألفية الثانية، سيكون على وكيل إيران في بلاد الشام، حزب الله، مواجهة إسرائيل العدوانية التي لم تتسامح مع تواجد مثل هذه القوة المدعومة من ايران على أعتابها. 

صحيحٌ أن الصراع في لبنان خلال الثمانينيات كان كارثيًا بالنسبة لإسرائيل، لكنه أثبت أنها حين تتعرض لتهديد جديّ؛ تبسط نفوذها شمالا باتجاه نهر الليطاني. وفي مواجهة منظومة التحالفات التي تحرص إيران استمرارها من البحر المتوسط وحتى جبال زاغروس، عبر حزب الله، ستُجبَر إسرائيل على اتخاذ موقف. 

وتعتبر إسرائيل أيضا موقعا استراتيجيًا هامًا للقوى المتوسطية المحتملة، مثل: تركيا. والسبب الأبسط هو أنه بدون السيطرة على بلاد الشام، فإن القوة المتوسطية سوف تترك نفسها عرضة للهجوم من قبل قوة شرقية، مثل: إيران. 

ويعتبر بحر مرمرة جوهر تركيا الجغرافي، وأكبر ميزاته الجيوسياسية هو سيطرته على طرق التجارة البحرية الهامة في البحر المتوسط. وبإمكان أي قوة خارجية طموحة تُحكِم السيطرة على بلاد الشام أن تعطل الطرق التجارية الهامة، أو تتحدي الهيمنة البحرية للبحر الأبيض المتوسط. 

علاوة على ذلك، إذا طمحت تركيا إلى استعادة ولو جزء من السلطة التي تمارسها باسم الإمبراطورية العثمانية، ستصبح السيطرة على إسرائيل حتمية. وبدون ذلك، لا توجد حكومة في اسطنبول يمكنها أن تتوقع بسهولة امتلاك قوة عسكرية برية في جنوب البحر الأبيض المتوسط.

دعوة للعمل

لن يجد الإسرائيليون بالضرورة المناخ الدبلوماسيّ الجديد في الشرق الأوسط معتدلا. 

صحيحٌ أن العراق وسوريا هما الخطوط الأمامية الراهنة لساحة القتال في منطقة الشرق الأوسط، واليمن جبهة ثانوية، إلا أن إسرائيل لن تكون قادرة على البقاء بعيدا عن المعمعة إلى الأبد. 

وعندما تضع الحرب الأهلية السورية في نهاية المطاف أوزارها، قد تجد إسرائيل على حدودها الشمالية إما: دولة علوية مدعومة من إيران، أو دولة إسلامية سنية لها علاقات مع تركيا أو السعودية، أو أي كيان آخر لميتبلور حتى الآن. 

هذا المجهول ليس أقل من مرعب لإسرائيل، التي ستضطر إلى توخي الحذر ضد هجمات القوات التقليدية والمتشددين على حد سواء. وسبق لـ “ستراتفور” ترجيح أن القضية الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة ستكون مصدر إزعاج طفيف في أسوأ الأحوال بالنسبة للإسرائيليين، وإن كانت إمكانية أن تستخدم قوة أجنبية القضية الفلسطينية ضد إسرائيل تظل قائمة، ولا يمكن تجاهلها.

ومثل اللاعبين الآخرين في الشرق الأوسط، ستضطر إسرائيل إلى أن تصبح أكثر استغلالا للفرص بشكل ملحوظ. فيما سوف تكون عاجزة ببساطة عن بناء سياج أمني على جميع حدودها، وترك للشرق الأوسط يواجه مصاعبه الخاصة. 

إن آثار التغيير في سلوك إسرائيل واضح بالفعل. حيث تشير مصادر ستراتفور إلى أن العلاقات السعودية-الإسرائيلية السرية تسارعت في الأشهر الأخيرة، وأن الرياض وإسرائيل تجمعهما تفاهمات عمل فيما يتعلق بالصراع في سوريا. 

كما أدى الهجوم المتطور التي شنه تنظيم الدولة مؤخرًا في شبه جزيرة سيناء إلى خلق مخاوف مشتركة بين مصر وحماس وإسرائيل، وثلاثتهم سيعمل على مكافحة محاولة تنظيم الدولة لإنشاء قاعدة عمليات في سيناء.

علاوة على ذلك، تم تسريب محادثات بين مسؤولين مهمين في إسرائيل وتركيا إلى وسائل الإعلام في يونيو. ورغم أن المصالحة الرسمية بين البلدين لم تحدث حتى الآن، سوف تعمل إسرائيل مع تركيا على القضايا ذات الاهتمام المشترك، خاصة في سوريا، وأيضا فيما يتعلق بمنع إيران من أن تصبح دولة بالغة القوة. 

أيضا، هناك دلائل تشير إلى أن السلطة الوطنية الفلسطينية وإسرائيل ربما يعودان إلى طاولة المفاوضات. يحدث هذا بالتوازي مع التبادلات الهادئة بين إسرائيل وحماس. كما ستستمر إسرائيل دوما في الحفاظ على علاقاتها مع الجماعات التي لم تشكل دول في مناطق مثل الأكراد والدروز، في حين ستشكل تحالفات واصطفافات جديدة للحد من تداعيات توازن القوة الناشئ.

لكن الهدوء النسبي الذي شهدته إسرائيل في العقود الأخيرة ليس هو القاعدة. وإن كانت إسرائيل ليست معرضة لخطرٍ جذريَّ من إيران أو أي قوة أخرى في الشرق الأوسط طالما تدعمها الولايات المتحدة. 

صحيحٌ أن التغييرات التي طرأت على استراتيجية النفوذ الأمريكي خفَّضَت من تأثير إسرائيل على القرارات الاستراتيجية التي تتخذها واشنطن، لكن تبقى إسرائيل جزءا لا يتجزأ من المحاولة الأمريكية الشاملة لخلق شرق أوسط أكثر استقرارا. وهو الوضع الذي أنفقت إسرائيل سنوات للتحضير له. 

وسوف تجبر البيئة الاستراتيجية الجديدة إسرائيل لأن تكون أكثر عدوانية في متابعة علاقاتها المحسوبة مع أعداء الأمس وأصدقاء اليوم. 

صحيحٌ أن إسرائيل لن تذهب إلى أي مكان، لكن هذا لا ينبغي أن يحجب حقيقة أن الظروف الجيوسياسية أصبحت أكثر خطورة بكثير.


 

شؤون خليجية

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم العالم بالعربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

بالأرقام والخرائط.. كل ما تحتاج إلى معرفته عن مضيق هرمز

أولًا: إحصائيات الطاقة والتجارة العالمية 20% نسبة النفط والغاز الطبيعي المسال (LNG) في الع…