ترجمة: علاء البشبيشي

برغم الخلاف القائم بين السعودية وروسيا بشأن سوريا منذ بدء الانتفاضة ضد الرئيس بشار الأسد قبل أربع سنوات، دون أن يتغير شيء منذ ذلك الحين، اللهم إلا الشكوك حيال خوض البلدين حربًا بالوكالة في ساحة المعركة السورية.. وبالنظر إلى الدعم المالي واللوجستي الذي تقدمه المملكة لبعض جماعات المعارضة المسلحة المناهضة للأسد. جاءت زيارة نجل العاهد السعودي- الذي يُنظَر إليه كوريث للعرش- إلى روسيا لتمثل خطوة جريئة، تستهدف- على الأرجح- اختبار نوايا بوتين حيال حل الورطة السورية. 

تخفيف المخاوف

وبصرف النظر عن سبر أغوار قرار موسكو بدعم حاكم دمشق، سعى الأمير محمد إلى الحصول على إجابة للسؤال الحاسم بالنسبة للمملكة: ما هي حدود التعاون بين روسيا وإيران، عدو السعودية اللدود؟ 

في الواقع، لا تزال قنوات الاتصال مفتوحة، بل خُفِّفَت مخاوف الرياض حيال دفعها إلى الزاوية نتيجة إعادة الاصطفاف الجديدة في المنطقة. وفي هذا السياق صرح وزير الخارجية السعودي عادل الجبير: “أعربنا عن قلقنا من أن هذه العمليات يمكن اعتبارها تحالفا بين إيران وروسيا. لكن خلال المحادثة، أخبرنا أصدقاؤنا الروس أن الهدف الرئيس هو محاربة تنظيم الدولة والإرهاب”.

وبحسب وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف، الذي بدت تصريحاته متفائلة على نحوٍ غير متوقع، أسفر اللقاء بين الشيخ محمد والرئيس بوتين عن اتفاقٍ شفهيّ على تحقيق “الأهداف المشتركة في سوريا”، وهي: مكافحة الإرهاب، وتحقيق المصالحة الوطنية.

وزعم “لافروف” أن موسكو والرياض يجمعهما هدف مشترك هو “ضمان نجاح المصالحة الوطنية في سوريا حتى يتسنى لجميع السوريين، بغض النظر عن جنسيتهم أو دينهم، أن يشعروا بأنهم أسياد على أرضهم”. 

تفاؤل مضلل؟

بيد أن هذا التقييم المتفائل قد يكون مضللا؛ لأن كلا البلدين حتى الآن لديهما تفسيرات مختلفة لمعنى جملة “جميع السوريين”. ومع ذلك، فإن النتيجة الإيجابية لاجتماع “سوتشي” لا يمكن تجاهلها؛ لأن الجميع الآن بدأ يتحدث عن حل سياسيّ. 

وكما أشار “لافروف”، تدعو روسيا “جميع اللاعبين الخارجيين، الذين بإمكانهم التأثير على العمليات السياسية في سوريا، لتعزيز إطلاق حوار وطني سوري في أقرب وقت ممكن”.

ولتخفيف مخاوف السعودية من أن الضربات الجوية الروسية تستهدف في الغالب المتمردين المناهضين للأسد، عرضت موسكو تدشين تعاون وثيق بين مراكز القيادة العسكرية والأجهزة الأمنية بهدف “محو أي شكوك في أن القوات الجوية الروسية تستهدف مليشيات تنظيم الدولة وجبهة النصرة والمنظمات الإرهابية الأخرى”، على حد قول “لافروف”.

كما وجدت موسكو والرياض أرضية مشتركة بشأن بعض النقاط العالقة. وأعرب الجبير عن قبول السعودية لفكرة الحفاظ على التكامل الإقليمي لسوريا، وأن المؤسسات الحكومية، بما في ذلك القوات المسلحة، يجب أن تبقى سليمة لضمان مستقبل هذا البلد.

لكن مصير بشار الأسد لا يزال عالقًا: حيث تصر المملكة العربية السعودية على ضرورة تنحِّيه؛ لتمهيد الساحة أمام انتقال السلطة في سوريا.

العقبة الكأداء

فهل مصير الأسد جزء من لعبة قوة إقليمية، أم أنها جزء من لعبة جيوسياسية كبرى؟

حول هذه النقطة، قال يفغيني ساتانوفسكي رئيس معهد الشرق الأوسط في موسكو: “اهتمام السعوديين بتدمير نظام الأسد قد يؤدي إلى إبادة الملايين، وتشريد أعداد مماثلة؛ وهو ما يجب أن تمنعه روسيا. ففي سوريا، هناك آلاف الإرهابيين الذين تدعمهم الرياض. والسعودية هي العدو الرئيس لنظام الأسد، حتى بقدرٍ أكبر من قطر أو تركيا. قبل مشاركة روسيا، كان ثمة أوهام بأن اللاعبين المحليين يمكن أن يفعلوا بالمنطقة ما يحلو لهم، سواء في أفغانستان، أو الشيشان داخل روسيا، أو ليبيا، أو سوريا. 

لكن ذلك كان خطئًا. ها قد عدنا. ونحن نعتزم القيام بما نعتقد أنه الصواب مع الإرهابيين في المنطقة. وهو الأمر الذي مثَّل تحديًا للقيادة السعودية: ما ذا نفعل؟ هذا هو السبب وراء زيارات كبار القادة السعوديين المتكررة إلى موسكو، والحديث مع الرئيس الروسي، وإعادة اكتشاف العالم”.

ثمة شيء واحد واضح: بشار الأسد يمثل حجر عثرة هائل. لكن المؤرخ البارز، البروفيسور جورجي ميرسكي، أحد أبرز خبراء شؤون الشرق الأوسط في روسيا، متأكد من أن كلا الطرفين لا يمكنه التخلي عن موقفه الصارم: موسكو لا يمكنها التخلي عن الأسد؛ لأن ذلك سيكون بمثابة اعتراف بأنها دعمت الشخص الخطأ لمدة أربع سنوات. والرياض مصممة على إسقاط الأسد؛ من أجل خططها الرامية إلى تنصيب حاكم سني على دمشق.

دوافع التقارب

ومع ذلك، كانت المناقشة الصريحة التي جرت في سوتشي بين الرئيس بوتين والشيخ محمد مفيدة بمنطق محاولة تجنب حدوث سوء فهم، دون ادعاء التوصل إلى تفاهم. على الأقل، ثمة تناغم بين الجانبين فيما يتعلق بتنظيم الدولة، التي تعهد أمراء حربه الروحيين بتدمير آل سعود، الذين يعتبرونهم كفارا ونسلا فاسدًا.

الدافع المحتمل الآخر للتقارب بين موسكو والرياض يمكن أن يكون التبادل الاقتصادي والتجاري، والمشاريع الاستثمارية التي تقدر بمليارات، مثل بناء محطات الطاقة النووية؛ التي تعتبر أحد التخصصات القليلة التي تبرع فيها روسيا.

ولمَّا كان الشرق الأوسط يشهد اضطرابات هي الأكثر دراماتيكية في تاريخه، سِمتها إعادة تشكيل وإعادة ترتيب اللاعبين الرئيسيين، فلا يمكن استبعاد شيء في هذه المرحلة. وفي يومٍ ما، قد يعني “الذهاب شرقًا” بالنسبة لروسيا المشاركة الإيجابية في المشاريع المشتركة مع الرياض، منافستها في سوق النفط العالمي، وعدوة حليفتها الحالية، سوريا.


 

شؤون خليجية

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم العالم بالعربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

الذكاء الاصطناعي سيكون له تأثير هائل على الاقتصاد في المستقبل

يمكن للمؤسسات (الإعلامية والبحثية إلخ) الحصول على تقاريرنا حصريًا الآن. لمعرفة المزيد حول …