ترجمة: علاء البشبيشي
(1)
انطلقت أجهزة الإنذار في جنبات الشرق الأوسط والغرب، أواخر أبريل 2015؛ حينما أطلقت البحرية الإيرانية طلقات تحذيرية، ثم صعدت لاحقًا على متن سفينة شحن (مايرسك تيجريس) ترفع علم جزر مارشال، في مضيق هرمز.
تشير التقارير إلى أن البحرية الإيرانية اتخذت هذه التدابير؛ بعد أن رفضت السفينة الامتثال للأوامر أثناء تواجدها في المياه الإيرانية. ويأتي الحادث بموازاة سعي الولايات المتحدة وإيران لتطبيع العلاقات، وتطلُّع إدارة أوباما لرفع بعض العقوبات المفروضة على طهران بمجرد التوصل لاتفاق نهائي.
إلى جانب ذلك، أرسلت القوات البحرية في القيادة المركزية مدمرة أمريكية وطائرة لمراقبة الوضع؛ بعد نداء استغاثة من سفينة الشحن، التي تمتلكها شركة “أوكتري كابيتال” ومقرها الولايات المتحدة.
(2)
في اليوم ذاته، لكن على بعد آلاف الكيلومترات شمالا، حدثت مواجهة أخرى في عرض البحر.. أطلقت البحرية الفلندية طلقات تحذيرية ضد غواصة أجنبية مشتبه بها بالقرب من هلسنكي. ورغم أن وزير الدفاع الفلندي لم يتهم الجيش الروسي مباشرة باقتحام المياه الفنلندية، فقد دأبت التقارير طيلة العام الفائت على الإشارة إلى التوغل الروسي المتزايد في المياه الإقليمية والمجال الجوي لدول المنطقة.  
ورغم استناد السياسة الخارجية الفلندية على مبدأ عدم الانحياز، وحفاظ البلاد على استقلالها خلال الحرب الباردة بالتزام الحياد، بيد أن الصراع في أوكرانيا جدَّد الجدل حول التوجه الأمني الفنلندي، والعلاقة مع الناتو. بل أصدرت وزارة الخارجية الروسية بيانا في 12 أبريل الماضي يعرب عن قلقها إزاء بيانٍ مشترك، وقعه مسئولون من فنلندا والدنمارك والنرويج والسويد وأيسلندا، يدعون فيه إلى مزيد من التعاون الدفاعي الإقليمي.
هاتان الحدثتان البحريتان، وردود الفعل المتباينة عليهما؛ تسلط الضوء على أهمية الجغرافيا والجغرافيا السياسية في تشكيل تصور وتأثير مثل هذه المواجهات:
(1) حادث سفينة الشحن في مضيق هرمز أثار اهتماما فوريا من واشنطن وطهران وعواصم أخرى، وحرَّك أسعار النفط، ولفت انتباه وسائل الإعلام على نطاق واسع.
(2) أما الحادث الذي وقع بالقرب من هلسنكي، من ناحية أخرى، فقد أثار إنذارًا أقل خفوتًا.
والسبب أن مضيق هرمز هو الممر المائي الاستراتيجي الذي يربط بين الخليج العربي وبحر العرب، ويمر عبره قرابة 30% من النفط الخام المنقول بحرا حول العالم، وأكثر من 25% من الغاز الطبيعي المسال؛ ما يجعله نقطة اختناق حرجة. ونتيجة لذلك، تتأثر أسواق النفط على الفور بأي حوادث أمنية، أو تعطل خطوط الإمداد في المنطقة.
في الوقت ذاته، جاء إطلاق البحرية الإيرانية طلقات تحذيرية، وصعودها على متن السفينة المملوكة لشركة أمريكية، في وقت حساس من المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران.
كما أن الاتفاق الذي تطمح البلدان للتوصل إليه، يلقى معارضة داخلية في كل من الولايات المتحدة وإيران:
(1) ففي واشنطن، سوف يعزز حادث يوم الثلاثاء موقف معارضي الاتفاق النووي، الذين يرون إيران شريكا غير جدير بالثقة في المفاوضات.  
(2) وفي المقابل، يمكن أن يصب الحادث في صالح عناصر داخل الحرس الثوري الإيراني، صاحب المصلحة في تأخير أو تعطيل المفاوضات. والسبب في ذلك يرجع إلى أن العقوبات مكنت جماعات مثل الحرس الثوري من التحكم بقبضة حديدية على قطاعات من الاقتصاد الإيراني، والانفتاح على الغرب يمكن أن يقوض مصالحهم.
علاوة على ذلك، وقعت حادثة مضيق هرمز بموازاة تصاعد الصراع بالوكالة بين السعودية وإيران في اليمن وسوريا، واستعداد الرئيس باراك أوباما لاستضافة دول مجلس التعاون الخليجي في كامب ديفيد في 13 مايو، في محاولةٍ ن البيت الأبيض لطمأنة حلفائه الخليجيين أن التقارب الأمريكي-الإيراني- الذي يخشونه- لن يضعف العلاقات واشنطن والخليج.
الخلاصة
 إن تداعيات الحوادث البحرية؛ لا تنبع في كثير من الأحيان من طبيعة المواجهة في البحر، بل من السياق الجغرافي والجيوسياسي. وفي المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية الكبيرة، في أوقات التنافس الجيوسياسي المعقد، يمكن لأي حادث روتيني أن يُنظَر إليه حول العالم باعتباره حدثًا هاما.


شؤون خليجية

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم العالم بالعربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

بالأرقام.. كل ما تحتاج إلى معرفته عن مضيق هرمز

أولًا: إحصائيات الطاقة والتجارة العالمية 20% نسبة النفط والغاز الطبيعي المسال (LNG) في الع…