الرئيسة في العمق مستقبل العلمانية في تركيا.. حملة غربية ترويعيّة تتجاوز الانقلاب

مستقبل العلمانية في تركيا.. حملة غربية ترويعيّة تتجاوز الانقلاب

2 second read
0

منذ فشل محاولة الانقلاب، مساء 15 يوليو 2016، وحتى اليوم، يتواصل الحديث داخليًا وخارجيًا عن “مستقبل العلمانيين في تركيا”، ومعظمه تحذيرات تخويفيَّة تأتي في سياق حملة إعلامية ترويعيَّة سبقت هذا الحدث بكثير.

يظهر ذلك في حديث مراسل صحيفة واشنطن بوست، هيو نايلور، يوم 19 يوليو عن شعور العلمانيين بالقلق؛ ليس فقط نتيجة التطورات الأخيرة، ولكن أيضًا بسبب صعود “التعليم الديني في المدارس وفرض قيود أكبر على الكحول”.

حتى الاتهام الذي ساقه “نايلور” لـ”أردوغان” بعد فشل الانقلاب بأربعة أيام استحضر “إغلاق وسائل الإعلام، وتكميم النقاد، وتهميش منافسيه، على مر السنين”، وهو ما ظل يتكرَّر طيلة الشهور التي سبقت المحاولة الفاشلة، ووصل صداه إلى موقع ذا كونفرزيشن الذي كتب يوم 6 سبتمبر عن الشعور بالقلق الذي يرفرف على رؤوس العلمانيين الأتراك، مشددًا على أنهم، برغم تمثيلهم الأقلية، إلا أنهم يلعبون دورًا حيويًا في رسم مستقبل البلاد.

عقوبات موجهة وسحب استثمارات وتهميش سياسي

لم يتوقف الأمر عند حد التكهنات التحذيرية، بل طالب الكاتب عبد الله بوزكورت عبر موقع IOL الجنوب إفريقي إلى “فرض عقوبات موجهة، وإطلاق حملة لسحب الاستثمارات من تركيا؛ لإحداث تغيير ديمقراطي في هذا البلد”، وضرب ما وصفه بـ”نظام المحسوبية” و”النومنكلاتورا” (مصطلح روسي يعني: الموظفون المتنفذون في مختلف أنشطة الدولة بترشيح من الحزب الشيوعي).

وأضاف: “من العار أن يقوم “أردوغان” بتدمير المؤسسات التركية، ويتخلص من الضوابط والتوزانات، وتوجيه آلته الإعلامية الدعائية لتشويه سمعة النقاد والمعارضين، وتفكيك البنية العلمانية، والذهاب بتركيا بعيدًا عن الديمقراطية البرلمانية”.

هذه العقوبات التي اقترحها عبدالله بوزكورت شبيهة نوعًا بما طرحه سفير أمريكا السابق لدى تركيا، إريك إيدلمان، في أغسطس 2015 عبر صحيفة نيويورك تايمز، قائلا: “ينبغي على إدارة أوباما تقييد مشاركة تركيا في الاجتماعات رفيعة المستوى، والحد من التعاون الاستخباراتي معها، وحجب الدعم الأمريكي لتركيا في المؤسسات المالية الدولية”. لماذا؟ يجيب “إيدلمان”: لأن “أنقرة ليست الحليف المناسب للعب الدور الذي تريده الولايات المتحدة من تركيا العلمانية الديمقراطية في الشرق الأوسط المضطرب”.

العالم يريدها علمانية.. لمصلحته

في الاتجاه ذاته، ذهبت الكاتبة بريدجيت جونسون في موقع أوبزرفر إلى أن “تركيا يجب أن تتمسك بالدولة العلمانية، لكي تستطيع محاربة الإرهاب”، مضيفة: “إن تركيا المتمسكة بجذورها باعتبارها نموذجا للعلمانية والقوة تمثل نصف الطريق لتحقيق النصر في الحرب على الإرهاب”.

وتحت عنوان “تركيا تحتاج إلى العلمانية، والعالم يحتاج إلى تركيا العلمانية، حذرت الكاتبة من أن “أردوغان يُعَرِّف الإرهاب باعتباره مناهضة الإسلام، وهو يقترب بذلك من رؤية تنظيم الدولة”.

ورأت “بريدجيت” أن ضعف تركيا في مواجهة الإرهاب يتناسب طرديًا مع ابتعادها عن مبادئ العلمانية والمساواة التي تأسست عليها الجمهورية الحديثة. مستدركة: “لكن هذا لا يعني أن تركيا العلمانية لن تكون هدفا كبيرًا للإرهاب. ذلك أن تنظيم الدولة بالتأكيد سوف يستهدف الأكراد الذين يناضلون بشجاعة ضد الإرهابيين”.

وتابعت، باللهجة التحذيريّة ذاتها: “كلما حارب الشعب التركي هذا التحوُّل بعيدًا عن العلمانية كلما زادت معاناتهم من التمييز على أيدي الحكومة التي تدعي أنها تتشارك القيم ذاتها”.

ديمقراطية غير ليبرالية

حتى الروائية التركية الرائدة، إليف شفق، حذرت من أن بلادها تتجه إلى عالم كابوسيّ (استخدمت مصطلح Kafkaesque الذي يشير إلى اسم رائد الكتابة الكابوسية، فرانس كافكا). وأعربت عن خشيتها من أن تركيا في طريقها الآن لتصبح “ديمقراطية غير ليبرالية”. مضيفة: في أعقاب الانقلاب، كان الجميع مُشتَبَهًا فيه. والسؤال الذي يُحَلِّق فوق الرؤوس، هو: هل أنتَ واحد منا، أم منهم؟

وتابعت “شفق”: “تحتاج الديمقراطية الحقيقية إلى الفصل بين السلطات، وسيادة القانون، وحرية التعبير، وحقوق المرأة، وحقوق مجتمعات الـGLBT (اختصار يشير إلى الحروف الأولى من كلمات: السحاق، والمثلية، وازدواجية التوجه الجنسي، والتحوُّل الجنسي)، ووسائل الإعلام الحرة والمتنوعة، والأكاديمية المستقلة. بدون كل هذه المؤسسات والقيم يمكنكَ فقط أن تقيم “حكم الأغلبية Majoritarianism”، وهو نمط من الحكم مختلف عن “الديمقراطية”.

علمانية شبه استبدادية

في مقابل هذه الرؤية، يعتبر أردوغان وحلفاؤه أنفسهم أنصار “الديمقراطية والتعددية الحقيقيين في تركيا، الذي أنقذوا البلاد من العلمانية شبه الاستبدادية التي استمرت لعقود، وحظرت على النساء ارتداء الحجاب في الجمعات الحكومية، ومنعت الأكراد من الكتابة والحديث بلغتهم، وجعلت الجيش يضرب بالمؤسسات الديمقراطية عرض الحائط”، حسبما أشار إحسان ثارور في صحيفة واشنطن بوست. الذي لفت أيضًا إلى زاوية هامة، تتمثل في أن هذا الجدل لا يدور فقط حول الإسلاميين ضد العلمانيين، مستشهدًا بالمعركة الدائرة منذ فترة بين “أردوغان” و”كولن”، وكلاهما إسلاميّ.

هذه الرؤية الأردوغانيَّة لتركيا قديمة هي الأخرى؛ ففي منتصف عام 2008 أجرى أوين ماثيو من مجلة نيوزويك حوارًا مع “أردوغان” قال فيه: “استطاعت تركيا تحقيق ما اعتبره الناس مستحيلًا، ألا وهو التوازن بين الإسلام والديمقراطية والمعاصرة. وقد أثبتت حكومتنا أن الشخص المتدين يمكنه حماية فكرة العلمانية؛ فحزب العدالة والتنمية ليس فقط حزبًا للمتدينين المحافظين، لكنه حزب غالبية الأتراك. إننا نقف بشدة ضد القومية العرقية، والإقليمية الضيقة، والتعصب الديني. فتركيا بديمقراطيتها، تعتبر مصدر الإلهام لبقية العالم الإسلامي”.

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم في العمق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

كيف يؤثر التحول الرقمي على المستهلك السعودي؟

المستهلك الرقمي في المملكة العربية السعودية. التجارة الإلكترونية.. من التبني إلى التسار…