شارك على Facebook شارك على Twitter شارك على Google+ شارك على Reddit شارك على Pinterest شارك على Linkedin شارك على Tumblr ترجمة: علاء البشبيشي لم تفعل العقوبات الكثير لمنع إيران من بسط نفوذها في أنحاء الشرق الأوسط. لكن معارضي الاتفاق النووي يروق لهم التحذير بشكل متزايد من أن تخفيف العقوبات- التي تُقَدَّر بـ 150 مليار دولار، بحسب تصريحات الرئيس الأميريكي باراك أوباما خلال مقابلته الأخيرة مع جيف جولدبيرج- سوف يدعم التوغل الإيراني، الكبير بالفعل، في مختلف النزاعات التي تخيم على الشرق الأوسط. وهي حجة مقنعة بلا شك؛ فبإمكان 150 مليار دولار شراء الكثير من السلاح والنفوذ. بيدَ أنها أيضًا حجة مضللة، وتُبرِز سوء فهم خطير لكيفية نمو التأثير الإيراني بسرعة فائقة على مر السنين. ولكي نبدأ فهم صعود إيران كقوة إقليمية؛ من المهم دراسة الآلية التي كسبت بها طهران الأصدقاء، وأثَّرت في الناس: أيديولوجيا ثورية في صميم الاستراتيجية الإيرانية تكمن الأيديولوجيا الثورية، أو ما يطلق عليه المقاومة الإسلامية؛ ذلك الاعتقاد بأنها تقود معركة وجودية ضد قوى الإمبريالية والتطرف الديني. بدورها قدَّمت إيران صورة مُجَمَّلة للمقاومة والاستقلال، تتجاوز الانقسامات العرقية، ووجدت صداها لدى الاتجاه الشعبي المناهض لأميريكا والصهيونية والتطرف في المنطقة. ورغم تلقي السُّمعة الإيرانية ضربةً؛ نتيجة للطبيعة الطائفية المتزايدة التي تتسم بها الاضطرابات الإقليمية، لا تزال طهران هي الحليف الأكثر منطقية لأعداد كبيرة من العرب الذين يزدرون الولايات المتحدة، ولا يثقون في دول الخليج، ويحتاجون إلى السلاح بإلحاح لمحاربة المتطرفين السنة. براعة الاستجابة للأزمات إلى جانب الأيديولوجيا الثورية، أثبتت إيران- في الواقع- براعتها الشديدة في الاستجابة للأزمات الإقليمية. وحيثما فشل الآخرون، أسهمت إيران بحلول عسكرية وسياسية ملأت بسرعة فراغ السلطة، وأحرزت نجاحا نسبيًا لحلفائها: في العراق على سبيل المثال، ردت طهران فورًا على سقوط الموصل بتوفير دعم عسكري ولوجستي غير مشروط لبغداد. وساعدت أيضًا في تطوير قوات الحشد الشعبي، مظلة القوات ذات الأغلبية الشيعية التي يبلغ عددها الآن أكثر من 100 ألف مقاتل، أحرزوا سلسلة نجاحات ميدانية؛ وهو الإنجاز الذي جعل قوات الأمن العراقية، التي تلقت تدريبًا أميريكيًا وتكلفت مليارات الدولارات، تكافح لتظل في الصورة. بدورها نجت إيران من عقوبات قاسية وعزلة دولية واستمرت لأكثر من ثلاثة عقود. وفي خضم الحرب المدمرة بين إيران والعراق، احتضنت طهران حزب الله في لبنان، الذي أصبح الفاعل غير الحكومي الأكثر شراسة في الشرق الأوسط. واليوم أصبح النفوذ الإيراني في العراق يفوق نظيره الأميريكي، رغم الفروق الهائلة في الموارد المتاحة للجانبين. هذا لا يعني أن إيران لا تنفق المال. بل تفعل ذلك، تحديدًا في سوريا حيث يُمنى نظام الأسد بالهزائم ويتعرض للإنهاك؛ حيث تشير أحدث التقارير إلى أن إيران تنفق ما يصل إلى ستة مليارات دولار سنويا على دعم الأسد. الاستفادة من الحرب الأهلية ما لم يحظَ بالقدر الكافي من النقاش، هو أن إيران هي المستفيد الرئيس من الحرب الأهلية في المنطقة، في ظل تقارير تفيد بأن طهران تلقت دفعات تصل إلى 10 مليارات دولار من بغداد. وحتى إذا سلَّمنا بأن طهران تستخدم ثروتها لكسب النفوذ، يبقى القول بأن تخفيف العقوبات سوف يؤدي إلى زيادة التدخل الإيراني ضعيف الحجة. ليس فقط لأنه يقصُر عن النظر في كيفية إدارة النظام الإيراني، لكن لأنه أيضًا يُغفِل حتى الفروق الدقيقة الاستراتيجية الأساسية في سياسة إيران الإقليمية. ذلك أن الأموال المخصصة للسياسة الخارجية الإقليمية تديرها المنظمة ذاتها المسئولة عن تنفيذ هذه السياسة، وهي: الحرس الثوري الإيراني؛ الذي حمت سيطرته على مصادر الدخل، واتخاذ القرارات الاستراتيجية، السياسة الخارجية الإيرانية من الآثار الأوسع للعقوبات الدولية، بالنظر إلى المستوى الكبير من الصلاحيات الممنوحة للمنظمة لصرف الأموال على العمليات الخارجية حسبما تراه مناسبًا. استغلال العقوبات الدولية في الواقع، اضطرت إيران بسبب هذه العقوبات إلى الاعتماد الكبير على الحرس الثوري. وكما أوضح الرئيس أوباما لـ جولدبيرج: “صحيحٌ أيضًا أن الحرس الثوري الإيراني في الوقت الحالي، وتحديدًا بسبب العقوبات، قادر في بعض النواحي على استغلال القيود الموجودة لاحتكار ما يأتي إلى البلاد وما يخرج منها، وقد نجح في تطوير مصادر الدخل الخاصة به، والتي قد يقل بعضها في الواقع بسبب تخفيف العقوبات… لكنها ليست صيغة رياضية يحصل (القادة الإيرانيون) بموجبها على قدر معين من تخفيف العقوبات، ومن ثم يتسببون تلقائيًا في المزيد من المشكلات في الجوار”. الأهم من ذلك، ما أشار إليه الرئيس أوباما قائلا: “في المناقشات مع دول مجلس التعاون الخليجي، أشرنا إلى أن نقاط ضعفهم الأكبر في مواجهة إيران، وأنشطة الحرس الثوري وفيلق القدس الأكثر زعزعة للاستقرار، هي في الواقع أشياء منخفضة التكاليف”. استقلال التمويل ووضع السياسات لا يتمتع الحرس الثوري فقط بالاستقلالية في تمويل سياساته، لكنه أيضًا يحدد السياسات التجارية المتبعة مع الشركاء الذين يتسمون بالحساسية الجيوسياسية. في سوريا، تشرف لجنة تنمية العلاقات الاقتصادية الإيرانية-السورية على المصالح الاقتصادية الإيرانية. وبالمثل، تدير لجنة التنمية الاقتصادية الايرانية-العراقية العلاقات الاقتصادية الإيرانية مع العراق. كلا الهيئتين يقوده رستم قاسمي، عضو الحرس الثوري والرئيس السابق لمؤسسة خاتم الأنبياء، الذراع الاقتصادي الرئيس للحرس الثوري. وهو الذي قام- في الشهور القليلة الأولى من العام 2015- بزيارتين إلى الأسد في دمشق، ووقع مذكرة تفاهم لتصدير الغاز لحكومة إقليم كردستان العراق. الاستراتيجية ثم تأتي مسألة الاستراتيجية. فمع انهمار المال المفاجئ، يمكن أن يخاطر الحرس الثوري بالتزاماته الأمنية. لكن إلى أي حد؟ في سوريا، شَكَّل شبكة منخفضة التكلفة من المقاتلين الأجانب، وغير النظاميين المحليين، والأقليات السورية، لتشكيل شبكة من الجيوب الدفاعية التي تحمي المراكز الحضرية الرئيسية وتحافظ على طرق الإمداد إلى لبنان. كما أنقذ النظام من الانهيار، وبالتالي حرم خصومه الإقليميين من تحقيق النصر التام. وعلى الرغم من ذلك، عزز المتمردون مواقعهم، وأي جهد عسكري لإزاحتهم من البلد سيتطلب قدرًا لا يمكن تصوره من الإمكانيات والإرادة. وهو الالتزام الذي لم تعبر عنه طهران صراحة. انتهاج استراتيجية رخيصة وفعالة في العراق، كما يبدو في اليمن أيضًا على نحو متزايد، انتهجت قوات الحرس الثوري استراتيجيات ناجحة تتسم بانخفاض التكلفة والفعالية. فإذا كانت طهران قادرة على تحقيق الأهداف الأساسية تحت وطأة سلسلة العقوبات، لماذا تعتقد أن مضاعفة التدفقات ستحسن موقفها الإقليمي بجدية؟ ناهيك عن التحول الجوهري في النظرة الاستراتيجية الايرانية الذي ينبغي أن تحرزه الصفقة النووية. ومن المفارقات، أن تدفق الاستثمار الأجنبي الذي تحتاجه إيران بإلحاح قد يخفف قبضة الحرس الثوري في مجالات اقتصادية معينة. ذلك أن الكثير من الأموال الناتجة عن تخفيف العقوبات سوف يتدفق إلى البنك المركزي الايراني، الذي يعين مديره مباشرة من قبل الرئيس روحاني، ولديه خطط طموحة لتعافي الاقتصاد الإيراني المتأزم. كما ستواجه شركات الحرس الثوري منافسة محلية متزايدة، بالنظر إلى انخفاض احتياجهم في مواجهة تزايد التحرر الاقتصادي والاستثمار الأجنبي. زمام المبادرة للحرس الثوري مما لاشك فيه أن المال يلعب دورًا هامًا في سياسة إيران الإقليمية. لكن القول بأن تخفيف العقوبات سيؤدي إلى زيادة التدخل الإيراني في المنطقة يبدو سطحيًا بالنظر إلى الحقائق الراهنة، بدءًا من حقيقة أن الحرس الثوري يأخذ زمام المبادرة- سياسيًا وعسكريًا وماليًا- في قيادة سياسة إيران الإقليمية. وقد سمح عمق استقلال وسائل الحرس الثوري الاقتصادية، ودوره كفيصَل في السياسة الإقليمية الإيرانية، بممارسة السلطة التمويلية والاستراتيجية. وهو الترتيب الذي بالكاد تحدَّته العقوبات المفروضة على إيران طيلة عشر سنوات. وبالمثل فإن النهاية التدريجية لنظام العقوبات لن يؤدي إلى كثيرٍ من التغيير في القوة الإقليمية الإيرانية. وإذا كان لذلك أي تأثير، فإن الانفتاح الاقتصادي قد يقلل من الفرص المتاحة أمام الحرس الثوري الإيراني للهيمنة على الاقتصاد الإيراني. هافينغتون بوست عربي