الرئيسة في العمق نيلسون مانديلا.. المتظاهر السجين صانع السلام

نيلسون مانديلا.. المتظاهر السجين صانع السلام

0 second read
0

عرض وترجمة: علاء البشبيشي

تكريما لنيلسون مانديلا في ذكرى وفاته، أصدرت مجلة تايم الأمريكية عددا خاصا حمل غلافه صورة الرجل الذي وصفه مدير تحرير المجلة السابق، ريتشارد ستنجل، بأنه السجين الذي أصبح صانع سلام؛ أنقذ جنوب أفريقيا من نظام الفصل العنصري، وغيَّر العالم.

شهادة “ستنجل” على حياة مانديلا، تفضح نفاقا بلا حدود يطل برأسه من بين ثنايا ثناءٍ مستحَقّ، انساب على ألسنه سياسيين، لطالما وصموه سابقا بـ”التطرف”، بل أبقوا اسمه مدرجا على قائمة “الإرهاب” الأمريكية حتى عام 2008، لكنها أيضا شهادة تسلط الضوء على جوانب ربما لا يعلمها كثيرون عن رمز الحرية في جنوب أفريقيا.

كان نيلسون مانديلا يتحدث دوما عن موته بعدم ارتياح، ليس لأنه كان خائفا أو متشككا، بل لأنه أدرك أن الناس يريدون منه تقديم مواعظ عن الموت، بينما لم يكن لديه شيء ليقدمه. كان رجلا غير عاطفيّ بالمرة. لم أسمعه مرة واحدة يتحدث عن الرب أو السماء، أو يتطرق إلى أي شيء يتعلق بالآخرة. ربما كان الرجل ليصبح أكثر عاطفية إذا لم تُنتزع منه كل هذه الأشياء؛ حريته، وقدرته على اختيار درب حياته، ونجله الأكبر، وحفيدَيْه. لم يكن ثمة شيء دائم سوى القمع الذي رزح تحت نيره، هو وقومه. وكل ما حصل عليه، ضحى به من أجل حرية شعبه. لكن سجَّانه الفَظّ، وزنزانته الضيقة، وقادة الفصل العنصري المغرورون، فشلوا جميعا في سلبه كبريائه وكرامته وإحساسه بالعدالة.

أصبحت صورة نيلسون مانديلا نوعا من الأسطورة، باعتباره آخر الرجال النبلاء، وصاحب الإنجازات البطولية، لكنه قال لي، كما أخبر كثيرين على مر السنين: “أنا لستُ قديسا”، وبالفعل لم يكن. فباعتباره شابا ثوريا وناريا وفوضويًا، أراد في البدء استبعاد الهنود والشيوعيين من الكفاح من أجل الحرية، وكان مؤسس الجناح العسكري للمؤتمر الوطني الافريقي، واعتُبر الإرهابي رقم واحد في أفريقيا خلال خمسينيات القرن الفائت. صحيح أنه كان معجبا بـ”غاندي”، لكنه كما أوضح لي كان يعتبر “اللاعنف تكتيكا وليس مبدءًا”، وإذا رأى أنه أنجح الوسائل لتحرير شعبه، فإنه سيتبناه، وإلا فلا. وقد فعل. 

كان السجن هو البوتقة التي شكَّلت مانديلا الذي نعرفه. دخل السجن في عام 1962 وهو رجل متهور يسهل إثارته، وخرج بعد 27 عاما وهو هادئ، حيث تعلم داخل الزنزانة كيفية السيطرة على غضبه، ولم يكن لديه بديل آخر. ألحَّ “ستنجل” عدة مرات خلال الأسابيع والأشهر التي قضاها في محاورة مانديلا على سؤاله عن الاختلاف بين الرجل الذي دخل السجن والآخر الذي خرج منه. تنهَّد الرجل أخيرا، وقال ببساطة: “خرجتُ ناضجا”. لكنه برغم ذلك كان بشرًا، يشعر بمرارة عميقة، بيدَ أنه استطاع إخفاءها بمهارة.

أعظم إنجازاته بالتأكيد هو إنشاء ديمقراطية غير عرقية في جنوب أفريقيا، وإنقاذ هذا البلد الجميل من الانزلاق إلى حرب أهلية دموية رهيبة، عبر استخدام جميع المهارات التي يمتلكها في عقله وقلبه؛ أثبت لمفاوضه أنه يمتلك قوة زعيم أفريقي صلب، لكنه أيضا لا يسعى للثأر. وكان عليه في الوقت ذاته أن يظهر لشعبه أنه لا يساوم العدو، وهي الشعرة شديدة الدقة التي كان عليه السير فوقها.

ولأنه لم يكن قديسا، كان يمتلك نصيبه من المرارة، وهو المشهور بمقولته: “إن الصراع هو حياتي”، لكن حياته أيضا كانت صراعا. هذا الرجل الذي أحب الأطفال، قضى 27 عاما دون أن يحمل طفلا. قبل أن يدخل السجن، عاش تحت الأرض ولم يكن بمقدوره أن يكون الأب ولا الزوج الذي أراده. أذكر أنه أخبرني بأنه بينما كان ملاحقا من قبل الآلاف من رجال الشرطة، تسلل سرا ليدسَّ ابنه في الفراش، وحينها سأله نجله: لماذا لا يفعل ذلك كل يوم؟ فأخبره مانديلا بأن ملايين الأطفال في جنوب أفريقيا يحتاجونه أيضا. لذلك كلما أخبرني الناس على مرّ السنين عن دهشتهم من أنه لم يحمل مرارة، كنتُ أبتسم دوما، فبقدرته الهائلة على ضبط النفس، تعلَّم الرجل كيف يخفي مرارته.

لاحقا، بعد أن شكَّل جنوب أفريقيا الجديدة، فاز بأول انتخابات ديمقراطية في بلاده، وبدأ في تصحيح الأخطاء، ثم اختار عدم الترشح لفترة رئاسية ثانية، وهو أندر شيء في التاريخ الأفريقي. مثل جورج واشنطن، قال إنه يدرك أن كل خطوة قام بها ستكون أنموذجا يحتذي به الآخرون. كان بإمكانه أن يصبح رئيسا مدى الحياة، لكنه أدرك أن الديمقراطية لكي تحكم، لا بد وأن يتنحى.

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم في العمق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

خريطة تفاعلية لمسرح عمليات الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران

تقدم هذه الخريطة التفاعلية التي نشرها معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي عرضًا لمسرح عملي…