ترجمة: محمد بدوي

في مجلة “لوموند ديبلوماتيك” الفرنسية، استهل الكاتب “فيك كاتريان” مقاله “شبح الدول في الشرق الأوسط .. حدود بلا دول” بسؤال : “هل تستعد أوروبا لاتفاقية سايكس بيكو جديدة؟ ” موضحا أن هذا السؤوال وجهه له أحد أصدقائه في بيروت، في اشارة الى الاتفاقية الفرنسية البريطانية التي عقدت سرا في مايو عام 1916 م لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، وتنبع وجاهة سؤاله من ملاحظتين: أولاهما انهيار نظام الشرق الأوسط القديم الذي يعود تاريخه لنهاية الحرب العالمية الأولى؛ إضافة إلى القدرة والرغبة الواضحة من أوروبا في إقامة نظام سياسي جديد بالمنطقة.

 حدود سايكس بيكو أصبحت وهمية

فقد باتت الخريطة الحالية للشرق الأوسط لا تعبر عن واقع الدول بدقة. فالحدود المرسومة لأراضي العراق وسوريا ولبنان وتركيا، واليمن، الخ…، صارت وهمية ولا تعكس الواقع على الأرض. وبالتالي فإن الحدود السورية العراقية لم يعد لها وجود منذ عام 2012 على الأقل.

 سقوط الحدود بين العراق وسوريا فعليا

فمن الجانب العراقي، تسيطر الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام على جزء كبير من محافظة الانبار الصحراوية وأجزاء كبيرة من الفلوجة؛ إضافة إلى سيطرته على الموصل. كما أنها تسيطر على الجانب الآخر من الحدود، في قلب الشمال السوري، بدءا من البوكمال إلى الرقة وحلب. ولا شيء يوقف تقدم قواتها على هذه الحدود الدولية سابقا.

 سقوط الحدود اللبنانية السورية فعليا

الحال نفسه حدث غربا عند الحدود السورية اللبنانية. فقد تحول لبنان لقاعدة لوجستية للمتمردين السوريين، حيث يتمتعون فيه بحرية تنقل كبيرة حتى استعادة القلمون وقلعة الحصن من النظام السوري في مايو 2014. وفضلا عن ذلك، فإن حزب الله تدخل بقواته على نطاق واسع في معركة القصير في مايو 2013 عندما فقدها النظام السوري. وفي كل تلك الأحوال لم تقف الحدود عائقا لحركة المقاتلين في الجانبين. بل إن الأمر أبعد من ذلك، فقد أهملت الحدود السورية اللبنانية لفترة أطول قبل ذلك بكثير، وبالتحديد منذ عام 1976، عندما أرسلت دمشق قواتها إلى لبنان في خضم الحرب الأهلية هناك.

وبعد استعراض عدد آخر من نماذج “الحدود الملغاة” تتأكد أن القوى والحركات الفاعلة على الأرض تحاول أن تعيد إرث الأمة العربية والإسلامية، ولكن ليس لديهم مشروع بديل واضح حتى الآن داخل حدود الدولة القومية؛ فلا أحد الآن يناضل من أجل لبنان أو العراق أو سوريا. فكثير من الحركات تمثل مصالح محلية وقبلية وطائفية، بينما يعمل البعض لصالح مفهوم الأمة الواحدة.. وفي كل الأحوال فالمتفق عليه أنه حين تنطفئ جذوة العنف والثورات الحالية، فإن الخريطة السياسية للمنطقة ستكون قد تغيرت حتما. ولكن كيف ستبدو حينئذٍ ؟.

 أسباب التغيير

وفي نفس الموضوع؛ وعلى موقع قناة “تي في 5 موند”، كتب “ليا بارون” عن أن سؤال الحدود المتغيرة لم يقتصر فقط على العالم العربي وأفريقيا بل امتد إلى اسكتلندا وأوروبا التي تشهد خارطتها تغيرا جزئيا في الوقت الحالي من ناحية أوكرانيا. الأمر الذي يؤكد أن كثيرا من المناطق الهامة في العالم تمضي نحو تغيير حقيقي خلال السنوات القليلة القادمة.

وأرجع “بارون” سبب التغيير المرتقب في المنطقة العربية إلى عدة عوامل مختلفة تؤخذ في الاعتبار، بدءا من الحرب الأهلية في لبنان في عام 1975، مرورا بالاحتلال الأمريكي للعراق في عام 2003 وصولا إلى ثورات الربيع العربي، وتضارب أهدافها مع مصالح القوى الخارجية إضافة إلى الخلافات بين السنة والشيعة وسوء إدارة السياسات الداخلية في الدول العربية والتي أدت في كثير من الأحيان إلى انهيار بعض الدول القومية.

وأضاف أن كل تلك الأسباب أدت إلى أن يشهد الجيل الحالي انهيار الترتيبات والاتفاقيات الدولية القديمة بدءا من اتفاقية سايكس بيكو التي وضعتها بريطانيا وفرنسا لتقسيم المنطقة العربية على أسس قومية وعرقية وتسميتها بالشرق الأوسط.

عوامل أخرى، وفقا للكاتب، تساهم في إحداث عملية التغيير، تأتي في مقدمتها الحركات الإسلامية السياسية التي تنظر إلى تلك الحدود باستخفاف ولا تعترف بها داخل وجدانها، وأحيت من جديد مفهوم الأمة بين سكان المنطقة ذات الأغلبية المسلمة.

 الخرائط الجديدة

في عام 2006، نشر رالف بيترز، وهو ضابط استخبارات عسكرية أمريكي متقاعد خريطة تقسيم المنطقة العربية (في مقال نشر بمجلة القوات المسلحة الأمريكية في عدد يونيو 2006). مستندا في خريطته الجديدة على عدة منطلقات منها ما يسميه الظلم الذي لحق بالأقليات حين تم تقسيم الشرق الأوسط أوائل القرن العشرين من خلال اتفاقية سايكس بيكو، ويذكر أن من أهم تلك الأقليات الأكراد، والشيعة العرب وذلك تمهيدا منه لتقسيم العراق وسوريا والسعودية والخليج.

ثم يقدم بيترز خريطته للشرق الأوسط الجديد فيتحدث عن تقسيم العراق إلى ثلاثة أجزاء، ويصف السعودية بأنها دولة غير طبيعية، ويقترح أن يقتطع منها كل من مكة والمدينة المنورة حتى تنشأ فيها “دولة إسلامية مقدسة” ، كما يقترح إضافة الأرض المقتطعة من شمالي السعودية إلى الأردن، وأن تقتطع أرض من جنوبي البلاد كي تضاف إلى اليمن، وأما شرقي البلاد فلن تسلم أيضا من المقص، إذ تقتطع منها حقول النفط لمصلحة دولة شيعية عربية.

خريطة بتيرز تناولت الأردن أيضا بأن تحتفظ بأراضيها وتضاف إليها أرض من شمالي السعودية، كما سيرتبط “مستقبل الضفة الغربية بها”.

أما الإمارات فتأخذ اهتماما كبيرا من بيترز وصناع القرار في أمريكا والغرب، ويخطط لها بأن تصبح قوة توازُن مقابل الدولة الفارسية لا حليفا لها، وذلك بعدما ينضم إليها الدولة العربية الشيعية التي تلتف حول الخليج، وأما عُمان والكويت، فتحتفظ كل منهما بأراضيها. ويفترض أن إيران، وفقا لهذا المشروع الجهنمي، ستفقد الكثير من أراضيها لصالح أذربيجان الموحدة، وكردستان الحرة، والدولة الشيعية العربية، وبلوشستان الحرة، لكنها تكسب أراضي من أفغانستان حول هيرات.

 المقص ينال من أوروبا أيضا

الدول الغربية نفسها لا تخلو من الانقسامات مثلما يحدث في أوكرانيا بعد الانشقاقات الأخيرة وضم روسيا شبه جزيرة القرم لأراضيها وسط عجز غربي واضح في هذه القضية.

وفي أوروبا الغربية ذاتها، تمضي خريطة أسبانيا نحو التغيير بسبب الاستفتاء على استقلال كاتالونيا، اما بلجيكا والمملكة المتحدة فتتعالى فيها أيضا أصوات القوى الانفصالية وذلك بعد 300 سنة من الاتفاق الذي يربط إنجلترا وويلز.

 الشعوب.. قوة منافسة جديدة

أصبح في حكم المؤكد الآن أن المنطقة العربية تتعرض لتغييرات تاريخية ويتم التخطيط لرسم خارطتها من جديد في الأروقة السياسية والجهات الاستخباراتية الغربية والعربية على السواء، غير أن الجديد هو دخول الشعوب العربية كقوة جديد قد تعارض تلك الخطط والخرائط وتعدل عليها – بالسياسة أو بالحرب أو بالثورة – وذلك بعد تنامي الإدراك والوعي لدى الشعوب نتيجة ثورات الربيع العربي والثورات المضادة لها. الأمر الذي يزيد من سخونة الصفيح الذي تتقلب عليه الدول العربية في الوقت الراهن، ومن المؤكد أنه ستزداد السخونة شيئا فشيئا حتى يتم الانتهاء من رسم جديد لخريطة المنطقة وتبرد عليه إلى حين.


 

 شؤون خليجية

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم العالم بالعربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

الذكاء الاصطناعي سيكون له تأثير هائل على الاقتصاد في المستقبل

يمكن للمؤسسات (الإعلامية والبحثية إلخ) الحصول على تقاريرنا حصريًا الآن. لمعرفة المزيد حول …