ترجمة: علاء البشبيشي
ارتفعت كُلفة حربي العراق وأفغانستان لمعدلات قياسية، جعلت المتابعين والمحللين يؤكدون أن “إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش كانت مخطئة بشأن مكاسب الحرب، بنفس القدر الذي أخطأت فيه بشأن تكلفتها”.
صحيفة ” ذا تايمز” البريطانية نشرت تقريرًا حول هذا الموضوع، لاثنين من أشهر المتخصصين في مجال الاقتصاد في العالم؛ وهما “جوزيف ستيجلتز”- الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد وأستاذ الاقتصاد في جامعة كولومبيا، وكبير اقتصادي البنك الدولي- والخبيرة الاقتصادية “ليندا بيلمز”، والتي عملت مساعدة لوزيرة التجارة الأمريكية خلال فترة رئاسة “بيل كلينتون”، وفيما يلي ترجمة التقرير:
لقد توقع الرئيس الأمريكي وإدارته أن تكون الحرب خاطفة وغير مكلفة، لكن على النقيض، جاءت الحرب بكلفة لم يتخيلها أحد؛ فقد تخطت تكلفة العمليات العسكرية الأمريكية المباشرة– وهذا لا يتضمن التكاليف طويلة الأمد؛ مثل العناية الصحية بالجنود الجرحى، والمرضى– ما تكلفته حرب فيتنام، التي استمرت 12 عامًا، وضعف ما تكلفته الحرب الكورية. حتى في أفضل السيناريوهات، فإن هذه التكاليف تقدر بما يوازي عشرة أضعاف ما تكلفته حرب الخليج الأولى، أو ضعف ما تكلفته الحرب العالمية الأولى.
الحرب الوحيدة في تاريخنا، التي تخطت تكلفة حرب بوش هي الحرب العالمية الثانية؛ حيث انخرط في عمليات القتال 16.3 مليون جندي أمريكي، بتكلفة تقدر– وفق سعر الدولار في العام2007- بـ 5 تريليون دولار( 5 مليون مليون دولار، أو 2.5 مليون مليون جنيه استرليني). وعلى عكس الحروب السابقة، ارتفعت تكلفة الجندي الواحد في حرب العراق، لتصل إلى 400 ألف دولار.
معظم الأمريكيين لم يشعروا بعدُ بهذه التكاليف؛ فالثمن إما أن المتطوعين والمتعاقدين قد دفعوه من دمائهم، أو تكفلت به عملية الاقتراض المالي. فيما لم تُرفع الضرائب، بل على النقيض انخفضت نسبتها، وهو الأمر الذي أعطى الانطباع الخاطئ أننا بإمكاننا شراء السلاح والزبد معًا، دون أن يكون لذلك تأثير على اقتصادنا القومي. لكن الحقيقة تقول: إن التأثير الاقتصادي السلبي لهذه الحرب على المواطن الأمريكي لم يتبخر، بل ربما تم تأجيله للأجيال القادمة.
تقديرات خاطئة!
في مطلع الحرب، طُرِحت نقاشات حول التكاليف المحتملة، وتوقع “لاري ليندسي”، المستشار الاقتصادي للرئيس بوش، ورئيس المجلس الاقتصادي القومي، أن تصل إلى 200 مليار دولار. لكن هذه التقديرات تم تجاهلها من قبل وزير الدفاع “رونالد رامسفيلد”، حيث توقع مستشاره “بول وولفويتز” أن تغطي عملية الإعمار بعد انتهاء الحرب التكاليف، عن طريق زيادة عائدات النفط.
“ميتش دانيال”، وزير الخزانة في البيت الأبيض، و”رامسفيلد” وزير الدفاع، توقعا كذلك أن تكون تكاليف الحرب ما بين 50 – 60 مليار دولار (57 – 69 مليار دولار بأسعار العام 2007، بعد تقدير نسبة التضخم)، جزء منها ستقوم دول أخرى بتمويله.
وهكذا كانت اللامبالاة هي السمة الغالبة على مجمل الإدارة الأمريكية، وكأن التكاليف المتوقعة كانت شيئًا لا يُذكَر. حتى “ليندسي”، الذي توقع أن تصل تكلفة الحرب إلى 200 بليون دولار، أردف قائلاً: “نجاح هذه الحرب سيكون له تأثيراته الإيجابية على الاقتصاد الأمريكي”. وقد أظهرت الأيام أن “ليندسي” أخطأ بشدة في تقدير كلفة الحرب، وتأثيرها على الاقتصاد.
وعلى افتراض أن الكونجرس قد أقرّ الـ 200 مليار دولار الإضافية، المخصصة للسنة المالية الحالية 2008، فربما تتعدى التكاليف حاجز 845 مليار دولار، من أجل العمليات العسكرية، وإعادة الإعمار، وتمويل برامج المساعدات الأجنبية في العراق وأفغانستان.
ومن المتوقع أن تفوق نفقات الحرب المباشرة في العام الحالي 12.5 مليار دولار شهريًا في العراق وحده، وهي النسبة التي ارتفعت بشدة مقارنة بـ 4.4 مليار دولار في العام 2003، أما في أفغانستان فتبلغ تكاليف الحرب 16 مليار دولار شهريًا، وهي نفس الميزانية السنوية للأمم المتحدة.
نفقات غير معلنة!
كل هذه الإحصائيات لا تتضمن بالطبع الـ 500 مليار دولار التي ننفقها سنويًا على وزارة الدفاع، ولا غير ذلك من النفقات الغير معلنة؛ مثل الإنفاق على عمليات جمع المعلومات الاستخباراتية، أو التمويلات المتداخلة في ميزانية أكثر من إدارة.
ولأن هناك الكثير من النفقات التي لم تُحصِها الإدارة، فإن التكلفة الحقيقية للحرب ربما تفوق بكثير الأرقام المعلن عنها رسميًا، فعلى سبيل المثال نجد المسئولين في الحكومة كثيرًا ما يتحدثون عن دماء جنودنا وكأنها بدون ثمن، رغم أن هذه الدماء الرخيصة تقدر حسب إحصائيات البنتاجون نفسه بـ500 ألف دولار.
أما الخسائر التي وقعت على المجتمع فهي أكبر بكثير من الأرقام التي ظهرت في الميزانية الرسمية؛ حيث توجد مشكلة لدى الإدارة الأمريكية في توصيف الخسائر العسكرية، فوزارة الدفاع في إحصائياتها تركز على الخسائر الناتجة عن أعمال عسكرية عدائية، وهكذا فلو أصيب الجندي أو توفى في حادث تصادم ليلي، فلن يدرج على سجلات الإصابات العسكرية التابعة لوزارة الدفاع، رغم أن التنقل في رابعة النهار له خطورته الشديدة على الجنود، (وهو الأمر الذي يدفعهم للتنقل ليلاً).
في حقيقة الأمر يحتفظ البنتاجون بإحصائيتين مختلفتين؛ الأولى هي قائمة الخسائر الرسمية، وهي التي يتم التصريح بها، وقائمة أخرى، عزيزة المنال، ولا يمكن الحصول عليها إلا وفق قانون حرية تداول المعلومات. هذه القائمة الأخيرة تُظهر أن إجمالي الجنود المصابين والمرضى تضاعف الأعداد المعلن عنها رسميًا.
وربما يحتج البعض بأن الإصابات التي يتعرض لها الجندي في غير ميدان القتال، ربما كان سيتعرض لها ولو لم يكن في العراق أو أفغانستان، لكن أبحاثنا الحديثة أظهرت أن الغالبية العظمى لهذه الإصابات والأمراض يمكن ربطها مباشرة بالخدمة في ميدان الحرب، لذلك فلابدّ من إدراجها على القائمة الرسمية للخسائر الأمريكية. ش

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم العالم بالعربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

الذكاء الاصطناعي سيكون له تأثير هائل على الاقتصاد في المستقبل

يمكن للمؤسسات (الإعلامية والبحثية إلخ) الحصول على تقاريرنا حصريًا الآن. لمعرفة المزيد حول …