ماذا بعد؟ إشكالية استشراف المستقبل في الشرق الأوسط لـ العالم بالعربية منشور في 2 second read 0 شارك على Facebook شارك على Twitter شارك على Google+ شارك على Reddit شارك على Pinterest شارك على Linkedin شارك على Tumblr علاء البشبيشي يرأس رجل المخابرات الإسرائيلي جهاز الموساد، ويعيش سنوات طويلة داخل مطبخ المعلومات والعمليات والحرب النفسية، ثم يخرج بعدما شاب شعره بخلاصةٍ مفادها، أن: التحليل الوحيد المؤكد في منطقة الشرق الأوسط؛ هو أنه لا تحليلات مؤكدة. * نستعرض نموذجين للتوضيح: – مصر توقعات مضللة قبيل الإطاحة بالإخوان من حكم مصر بأشهر قليلة، وتحديدًا في 12 مارس 2013، نشر مركز “بيجن – السادات للدراسات الاستراتيجية” تحليلا للبروفيسور هيلل فريش، الباحث في المركز والمحاضر في جامعة بار إيلان، استبعد تمامًا أي تدخُّل للجيش المصري لحل الأزمة السياسية والأمنية، ووصف الآمال أو التوقعات بخصوص هذا التدخل بأنها “ربما تكون مضللة”. تديُّن الجيش ليس هذا وفقط، بل قال “فريش” صراحة: إن الجيش غير مستعد لمواجهة جماعة الإخوان المسلمين المنظمة جيدًا، كما أنه (الجيش) يريد تجنب فقدان الدعم المالي الذي يحصل عليه من أمريكا، التي لن تدعم انقلابًا عسكريًا. اللافت أنه استند في استبعاد حدوث صدام بين الجيش والإخوان إلى وجود تعاطف من الجنود مع الإسلاميين، أو ما وصفه سابقًا في تحليلٍ نشر بتاريخ نوفمبر 2011، بـ “طابع التدين الحقيقى الذى يميز الجيش المصرى وقيادته العليا”. اختلاف الطبقة الوسطى بعدها بأقل من ثلاثة أشهر، كان الجيش ممسكًا بزمام الأمور في مصر، وحكام مصر من الإخوان المسلمين بين السجون والمنافي وتحت الأرض حقيقة أو مجازًا. صحيحٌ أن ما يُنشَر في المؤسسات البحثية الإسرائيلية قد لا يكون ظاهره كباطنه، بل أحيانًا يكون ظاهره مناقضًا لباطنه، لكن هذه المفارقة تكررت قبيل انطلاق ثورة 25 يناير بأيام قليلة، حين وصف الباحث عمرو حمزاوي، خلال لقاء تلفزيوني مع “بي بي سي عربي”، أي حديث عن إمكانية حدوث شيء مشابه لثورة تونس في مصر بأنه “مبالغة”؛ استنادا إلى فروقٍ- سردها بالتفصيل- بين الطبقة الوسطى في البلدين. لكن بعدها بأسبوع واحد انطلقت الثورة في مصر. – اليمن التعامل مع الأمر الواقع في تمام الساعة 8:58 من يوم 25 مارس 2015، نشر مركز ستراتيجيك فوركاستينج (ستراتفور) تحليلا خلاصته: أن التدخل العسكري السعودي ضد الحوثيين في اليمن مستبعد، وأن الرياض ستضطر إلى إيجاد صيغة للتعامل مع التنظيم/الأمر الواقع، مستفيدة من حاجته إلى الدعم السياسي والاقتصادي لإعادة نفوذها المفقود في اليمن. في الوقت ذاته- بحسب توقعات ستراتفور حينئذ- ستحاول المملكة وضع مسافة بينهما (الحليفان المستبعدان) وبين المنافِسة إيران، وهي المعادلة الصعبة التي ستضطر المملكة إلى الموازنة بينها، في ظل عجزها عن التدخل في اليمن كما فعلت في البحرين. تجاوز الدور المصري لكن بعد يومٍ واحدٍ فقط، وتحديدًا في تمام الساعة 1:53 من صباح يوم 26 مارس، سمع سكان صنعاء دوي انفجارات تستهدف مواقع عسكرية حوثية. أي: ما حدث على الأرض هو النقيض تمامًا لما توقعه ستراتفور. صحيحٌ أن بعض ما ينشره ستراتفور بصيغة التوقعات هو في حقيقته توصيات أو تحذيرات مبطَّنة، بيد أن مشهدًا مشابهًا تكرر في آخر حوارات الصحفي المصري المخضرم محمد حسنين هيكل مع لميس الحديدي، حين استبعد التدخل العسكري في اليمن، وبنى معظم كلامه على رؤيته لدور مصر المحوري الذي لا يمكن تجاوزه، ودور الخليجيين الذي يتوقف عند حدود ضخ البترودولار. لكن بعدها بأيامٍ قليلة شَنَّت الرياض عاصفة الحزم. فضيلة إدراك الجهل يتبين من النماذج المشار إليها آنفًا أن الإشكالية في استشراف المستقبل أحيانًا لا تكون متعلقة بالمنهج الذي تستند إليه المؤسسات البحثية والمحللين السياسيين والمراقبين المخضرمين بل مرتبطة بطبيعة الشرق الأوسط ذاته. لكن في أحيان أخرى تكون الإشكالية مرتبطة بما أشار إليه وزير الدفاع الأمريكي الأسبق، دونالد رامسفيلد، قائلا: بعض الأشياء لا نعرفها، ونعلم أننا لا نعرفها. ذلك أن إدراكنا لجهلنا يصبح فضيلة؛ إذا دفعنا إلى السعي للمعرفة، أو على الأقل الحذر من المجهول. لكن هناك أشياء لا نعرفها، ولا نعلم أننا لا نعرفها؛ وهنا تكمن المشكلة. لأننا حينها لن نسعى لنعرف، ولن نحذر مما لا نعرف.