مجتمع أزمة المياه في اليمن لـ العالم بالعربية منشور في 0 second read 0 شارك على Facebook شارك على Twitter شارك على Google+ شارك على Reddit شارك على Pinterest شارك على Linkedin شارك على Tumblr ترجمة: علاء البشبيشي * الملخص برغم كثرة ما قيل عن “ندرة المياه”، كثيرًا ما يساء تفسير المصطلح. ما يحدث في الغالب هو تزايد صعوبة الوصول إلى المياه، أو ارتفاع تكلفتها؛ لكنها تبقى متوافرة في معظم الحالات. بيدَ أن بعض البلدان يقل فيها الماء تدريجيًا بالفعل.. أحد هذه الدول: اليمن. لو كان هناك حكومة مركزية قوية لكان بإمكانها إيجاد حلول والتكيف مع تدهور الموارد. لكن الحكومة المركزية في اليمن تعاني من الضعف ولا يمكنها ضمان الاستقرار الداخلي وتتضاءل احتمالية أن تستطيع البلاد حل، أو حتى تخفيف، مشاكل ندرة المياه في المدى القريب؛ ما يدفع العلماء المتخصصين في هذا المجال للتنبؤ بأن المياه قد تنفد في غضون عقد. صحيح أن دولًا كثيرة تستهلك من المياه ما يفوق المتاح لديها، إلا أن أوضاعها لم تصبح بعد وخيمة مثلما هو الحال في اليمن. وبرغم ذلك، يمكن أن تكون اليمن معيارا لتقييم التغييرات التي تتبناها دول أخرى في المنطقة فيما يتعلق بسياسة إدارة المياه. * التحليل: طيلة العصور القديمة وحتى التاريخ الحديث كانت اليمن نموذجا لهندسة المياه. يتضح ذلك من سد مأرب العظيم، أحد عجائب الهندسة في العالم القديم. وتاريخيًا، استخدم سكان اليمن تقنيات الري وإدارة المياه المتطورة بفعالية. لكن على عكس جيرانها في المنطقة، فإن إمدادات المياه في اليمن كلها داخلية؛ حيث لا تعتمد على الدول المجاورة للحصول على الموارد المائية. أزمة المياه في اليمن هنا تنتهي الأخبار الجيدة. حيث تعاني اليمن حاليا من “ندرة مياه شديدة”؛ وهو المصطلح الذي يُقصَد به: توافر أقل من 500 متر مكعب للفرد سنويًا. إذ يبلغ نصيب الفرد اليمني 88 مترا مكعبا فقط من المياه طيلة العام. ولطالما كانت الموارد ثمينة في المنطقة، لكن منذ النصف الثاني من القرن العشرين تحديدًا، بدأ النمو السكاني وتغيُّر مستويات الاستخدام يفرز ما سيصبح انخفاضا حادا في المياه المتاحة. بدءًا من السبعينيات، تطلب التوسع الزراعي المزيد من المياه الجوفية لأغراض الري. وعندما بدأت البلاد إنتاج النفط في الثمانينيات، أدى ارتفاع الإيرادات إلى اقتصاد نقديّ أسهم في زيادة استخدام “القات”؛ المخدر الشعبيّ. وتفاقمت المشكلة نتيجة النمو السكاني السنوي الذي بلغ قرابة 3% في عام 2011، قبل تراجعه قليلا إلى معدل النمو الحالي الذي يبلغ 2.3%؛ ما أدى إلى استهلاك كبير لموارد المياه الشحيحة. ورغم أن الأزمة التي تلوح في الأفق معروفة منذ الثمانينيات، استمرت البلاد على درب الممارسات غير المستدامة لإدارة المياه. موارد المياه الجوفية صحيح أن مخزون المياه، الموجود تحت الأرض في الطبقات الجوفية، يشكل نحو 70% من إمدادات المياه في اليمن، ويوفر جزءًا كبيرًا من الـ2.1 مليار متر مكعب من الموارد المائية المتاحة في البلاد سنويًا. إلا أن سحب 3.4 مليار متر مكعب سنويًا يخلق عجزا كبيرًا في مستوى المياه الجوفية. يضاف إلى ذلك مشكلات أخرى، مثل: تسرب المياه المالحة والتلوث؛ ما يدفع الخبراء إلى التنبؤ بأن أجزاء كبيرة من اليمن، بما في ذلك العاصمة صنعاء، يمكن أن تنفد منها المياه خلال العقد المقبل إذا لم يحدث أي تغيير. ومع انقسام اليمن بين عدد من الجماعات المسلحة؛ تبرز أهمية المياه باعتبارها موردًا أساسيًا لضمان النفوذ على الحكومة المركزية: لكن نتيجة الاستغلال المفرط لمعظم طبقات المياه الجوفية، عندما أحرز مسلحو الحوثي مؤخرًا مكاسب على الأرض، لم تغير الموارد المائية الجديدة التي حصلت عليها المجموعة ميزان السيطرة على الموارد. وفي المقابل، لم تتعرض طبقات المياه الجوفية في المنطقة الجنوبية الواقعة على طول الساحل، والتي يتواجد فيها انفصاليو الحراك الجنوبي، للاستغلال المفرط إجمالا من الناحية الفنية. ورغم ذلك، يعاني العديد من هذه الخزانات من تسرب المياه المالحة، ما يقلل من جودة المياه المتوفرة. ويقع جزء كبير من مجمع المكلا الكبير للمياه الجوفية في حضرموت، حيث يتواجد تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية بقوة. من الناحية الفنية، تعرض هذا الخزان الجوفي للاستغلال المفرط، لكن احتياطاته الهائلة تجعله مصدرا محتملا لمياه غير المتجددة عندما تنفد المصادر الأخرى. وهو ما يمكن أن يوفر للمجموعة المتشددة بعض النفوذ في المستقبل، رغم أن نقل المياه للمناطق الأكثر كثافة سيكون مكلفا للغاية. الآثار الاقتصادية يتركز جزء كبير من أراضي اليمن الصالحة للزراعة في المناطق المرتفعة على امتداد السهول الجبلية، وهي منطقة تستقبل كمية كبيرة من الأمطار. لكن يتركز معظم سكان البلاد في هذه المنطقة، وهو أحد أسباب نفاد المياه. ارتفع عدد الفدادين التي تُروى أكثر من عشر أضعاف على مدى 35 عاما، بداية من عام 1970، وأصبح لاستخدام المياه الجوفية في الزراعة أهمية متزايدة. ويعتبر القطاع الزراعي هو المستهلك الرئيسي للمياه في اليمن، ويمثل 90% من إجمالي عمليات السحب. ورغم أنه يوظف قرابة نصف السكان، فإنه يساهم فقط بقرابة 10% من الناتج المحلي الإجمالي. وتبقى اليمن معتمدة إلى حد كبير على الواردات الغذائية لدعم النمو السكاني السريع. السبب الرئيسي لإفراط القطاع الزراعي في استخدام المياه، هو: القات، المخدر الذي يتطلب يحتاج إلى مياهٍ كثيرة، ويشغل قرابة 20% من إجمالي المساحة الزراعية المرويّة. وتقدر بعض الدراسات أن زراعة القات تستخدم نصف استهلاك المياه في اليمن. ومع استمرار النمو السكاني في اليمن، يزيد الطلب المحلي على المياه أيضا. ومن أجل تلبية هذا الطلب؛ يجب أن تؤخذ موارد إضافية من حصة قطاع آخر. وسوف يستمر فقدان إمدادات المياه بسبب البنية التحتية المتهالكة وأنظمة الري غير الفعالة. وبينما تواصل اليمن مكافحة تزايد عدد السكان، في ظل الاضطرابات السياسية والاجتماعية الجارية، فإن الأثر الاقتصادي لفشلها في معالجة قضايا إدارة المياه أصبحت أكثر وضوحا. حيث يقدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، خسارة قرابة 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي لليمن بسبب استنزاف المياه الجوفية، وخسارة 2.4% إضافية نتيجة فشل البلاد في معالجة قضايا الصرف الصحي. كما تقيد مشاكل المياه في اليمن النمو الصناعي، خاصة في قطاعي النفط والغاز الطبيعي. صحيحٌ أن الصناعة تستهلك 2٪ فقط من استهلاك المياه في اليمن، لكن المياه لا تزال عنصرا حيويا لاستخراج الطاقة. ومع ذلك، يشهد إنتاج النفط في اليمن انخفاضًا منذ عام 2001، وصولا إلى 133 ألف برميل يوميا في عام 2013؛ بسبب نمو الحقول وتدهور الأوضاع الأمنية. وبينما بدأ الإنتاج التجاري للغاز الطبيعي في عام 2009، لا تزال البلاد تكافح للحفاظ على صناعة الهيدروكربونات، التي تعتمد عليها بشكل كبير لدعم اقتصادها، حيث توفر قرابة ثلاثة أرباع الإيرادات الحكومية. حلول محتملة وبينما تستمر معاناة البلاد من مشاكل المياه، ويرجح أن تزداد سوءا، فإن التحسينات اللازمة ستتكلف قرابة 12.7 مليار دولار. هذا التحديث للبنية التحتية من بين أهم التدابير التي يمكن أن تتخذها البلاد لضمان إمدادات المياه للسكان المتنامي عددهم. ولأن كثيرا من إمدادات المياه يأتي من الأرض؛ يجب على الحكومة تحسين إدارتها والسيطرة على عدد من الآبار التي تُحفَر. هذا سيكون مهمة ضخمة؛ بالنظر إلى أن منصات حفر الآبار المرخصة أقل من 10%، والآبار المسجلة أقل من 2٪. هذا العدد الهائل من الآبار غير القانونية، وضعف سلطة الحكومة المركزية؛ يجعل إدارة موارد المياه الجوفية مهمة مستحيلة. تَبَنِّي جهود الحفاظ على المياه، وتنفيذ مناهج بديلة لجلب المياه الصالحة للشرب مثل تحلية مياه البحر؛ يمكن أيضا أن يوفر حلولًا قصيرة ومتوسطة الأجل لمشاكل المياه في اليمن. لكن النفقات تجعل هذه الاستراتيجيات بعيدة المنال في اليمن. نظريًا، يمكن لبلدان مثل المملكة العربية السعودية توفير التمويل اللازم لمشاريع تحلية المياه. وفي حين أن هذا من شأنه أن يساعد في توفير المياه لسكان المناطق الساحلية، سيكون على المدن الداخلية مثل صنعاء ضخ المياه المحلاة لمسافات طويلة، وهي طريقة مكلفة للغاية، كما أنها ستخلق هدفا جذابا لأولئك الذين يريدون تهديد أمن اليمن. القيود السياسية نظرا لعدم استقرار اليمن؛ تظل كافة هذه الحلول مستبعدة. ذلك أن تنفيذ سياسات قوية لإدارة المياه، وضمان استمرار الصيانة؛ يتطلب وجود حكومة مركزية قوية، ووضعا أمنيًا مستقرًا، واليمن لا تمتلك أيًا من هذين. ومع صعود المتشددين الحوثيين، وتفاقم الاضطرابات الحالية، وحالة عدم اليقين السياسي في العاصمة، فإن الحكومة اليمنية لن تكون قادرة على تنفيذ أي شيء من ذلك. بل إن الحكومة المركزية غير قادرة أصلا على فرض سيطرتها على ربوع البلاد. ومن غير المرجح أن يتغير الوضع السياسي في اليمن خلال المستقبل القريب. وسوف تستمر القضايا الأمنية في تأريق البلاد. لذلك، تقع مسؤولية التغيير على عاتق الحكومات المحلية، التي غالبا ما تكون فاسدة، وغير فعالة، وتفتقر للتمويل. وبدون القدرة على تنفيذ المناهج اللازمة لإدارة المياه، يُرَجَّح أن يظل الوضع المائي في اليمن بالغ السوء، ويسهم في احتمال حدوث مزيد من الاضطرابات، ووضع المزيد من الضغوط على المملكة العربية السعودية؛ لاحتواء جارتها الجنوبية. البلدان الأخرى المعرضة للخطر تجدر الإشارة إلى أن بلدانًا أخرى في المنطقة تشارك اليمن محنتها. ذلك أن الأردن ومصر وأجزاء من الأراضي الفلسطينية تسحب من المياه سنويا ما يوازي المتاح المتجدد، وربما أكثر. وستواجه مصر حالة من عدم اليقين بشأن توافر إمدادات المياه من نهر النيل، خصوصا مع تقدم بناء سد إثيوبيا. والأردن، من ناحية أخرى، يرجح أن تعتمد على مساعدة إسرائيل لتوفير الموارد البديلة اللازمة. وسوف تواجه الأراضي الفلسطينية أيضا تحديًا يتمثل في تقاسم الموارد المائية مع جارتها المعادية؛ إسرائيل. وسوف يحدّ عدم الاستقرار الممتد في هذه الدول من قدرة حكوماتها على تنفيذ أي نوع من استراتيجية إدارة المياه في المستقبل. ويمكن للحكومات الضعيفة التي لديها سيطرة متواضعة على السكان أن تعاني من آثار مماثلة. وعلى المدى القصير، سيكون للفشل في إدارة هذا الملف آثار طويلة الأجل على توافر المياه. واليمن هي القضية الأولى، لكننا سنرى أيضًا هل ستكون البلدان الأخرى في المنطقة التي تواجه ضغوطًا مماثلة قادرة على تجنب ذات المصير أم لا.