الرئيسة مجتمع سكان المقابر المصريون الذين رقّت لهم قلوب الأجانب

سكان المقابر المصريون الذين رقّت لهم قلوب الأجانب

2 second read
0

كوكب “مدينة الموتى”

قبل أسابيع قليلة، اصطحب المراهق الأمريكي جاينام جيايمو قراء موقع فورين بوليسي جورنال في جولة داخل أروقة مدينة الموتى القاهرية كما أسماها، ليتعرفوا ليس على الأموات قطعا، ولكن على طريقة عيش الأحياء بداخلها.

مفاجأةٌ استقبلهم بها “أحمد”، الصبي مشرق العينين الذي لم يتجاوز بعدُ أعتاب السابعة: هنا ترقد جثة بداخل طاولة طعامنا. لكن لا بأس، هذا طبيعي.

مستنكرًا، سأل المراهق الأمريكيّ (17 عاما) أبيه الذي قضى فصل الصيف في مصر أثناء الدراسة الجامعية: على ظهر أي كوكب يكون مثل هذا طبيعي؟!

كرم الفقراء المدهش

لم يكن “أحمد” سوى مصريّ واحد من بين قرابة نصف مليون غيره يعيشون في ما وصفه “جيايمو” بـ “مدينة الموتى القاهرية” الشبحيّة، وهي إحدى مقبرتين ضخمتين يسكنهما عدد كبير من المصريين.

على مقربةٍ من تلال المقطم، وليس بعيدًا عن مسجد محمد علي الشهير، أظهر أحمد ورفاقه لطفًا يكفي لاصطحاب الزائر الأمريكيّ في جولةٍ، قدَّموه خلالها بفخرٍ إلى آبائهم وأصدقائهم الذين يعيشون في المقابر.

لدهشة الأمريكي الصغير القادم من كاليفورنيا، كان الكبار أيضًا كرماء، لكنهم شعروا بالحيرة حيال سبب الزيارة غير المفهوم.

كانوا يتعاملون مع طريقة حياتهم كما لو كانت اعتيادية، ومع الوقت أصبحت المقابر مجرد وطنٍ بالنسبة لهم.

لكن في تدوينةٍ أخرى نشرها موقع وورلد أفيرز جورنال، أعرب “جيايمو” عن أمله في أن يعود هؤلاء إلى عالم الأحياء قريبًا.

هربا من قسوة العاصمة

لم تكن هذه الزيارة سوى أحدث حلقة في سلسلة طويلة من الزيارات الشخصية والتغطيات الإعلامية التي خصصها الأجانب لسكان المقابر المصريين.

ففي مثل ذلك الوقت تقريبًا قبل عامٍ، اصطحبت ماليكا راو قراء موقع هافنجتون بوست الأمريكي في جولةٍ مشابهة، مستعينة بعدسة المصورة الصحافية الكندية-العراقية، تمارا عبد الهادي.

بطل القصة أيضا كان: سكان “مدينة الموتى”؛ الذين يعيشون داخل مقابر يعود تاريخها إلى القرن السابع، وتمتدّ لأميالٍ على مشارف القاهرة، تأوي نصف مليون فقيرٍ مصري، هربوا من قسوةِ العاصمة إلى حضن الموت.

إذ يعتبر بعض سكان هذه المقابر أنفسهم محظوظين؛ بالنظر إلى زحام القاهرة، وندرة السكن اللائق، ناهيك عن الأحياء الفقيرة المهددة بالإزالة.

الأحياء أكثر خطورة من الأشباح

بطبيعة الحال، فإن تقاسم الفضاء مع جثةٍ ليس أمرًا اعتياديًا بحالٍ، وإن اضطر إليه البعض تحت وطأة الفقر.

لكن بعض سكان “القرافة” يعربون عن تقديرهم لهذا القرب من الراحلين (وهو انعكاسٌ لتبجيل المصريين للموت)، بينما يقول آخرون إن هذا النمط من العيش يجعل سكان الخارج يعاملوهم كمنبوذين.

لكن الصعوبات الحقيقية أكثر شيوعًا من أن تخفيها الكلمات. حيث تغيب الرقابة الشرطية عن المنطقة، ما يؤدي إلى ارتفاع معدلات الجريمة. كانت هذه صيحة الأجانب الذين رقّت قلوبهم لحال فقراء مصر.

نقل التقرير شكوى أمٍ لثلاثة أبناء، وصفت حالتها لمراسلٍ كان في زيارة للمقابر، ساخرة: “لستُ خائفة من الموتى، بل من الأحياء”.

زيارات متكررة

زيارات أخرى تكررت خلال العام الماضي، وأكثر منها بالطبع خلال الأعوام الماضية.

في يناير 2016، كان قراء موقع ميدل إيست آي البريطاني على موعد مع جولةٍ في هذا الكوكب ذاته، بصحبة بلال دادار.

في آخر أيام ديسمبر 2015، نشرت صحيفة جلوب آند ميل البريطانية ألبومًا يضم عشر صور تُظهِر- كغيرها- أطفالا يبثون الحياة في قلب مدينة الموتى، وكبارا ينامون على الأرض ما بين شواهد القبور، أما ذوي الموتى فليسوا سوى زوار يأتون بين الفينة والأخرى ليودعوا أحبابهم، أو يزوروهم، ثم ينصرفون.

قلب الأجنبيّ

صحيحٌ أن موقع قناة العربية بالإنجليزية نشر تقريرًا أوائل العام الحالي رصد هذا اللقاء العجيب بين الحياة والموت على أرض مصرية، في تغطيةٍ اقتربت من تناول الأجانب.

قبلها بما يزيد قليلا عن عام، قام موقع اليوم السابع بجولةٍ داخل مقابر المماليك التي حين تنظر إليها من بعيد تظنها هادئة صامته، لكنها تحتضن مئات الأسر المصرية.

قريبًا من هذا التاريخ، نشر موقع رصيف 22 تغطية موجزة طعَّمها بـ 11 صورة، نقلت المأساة ذاتها.

حتى موقع الأهرام بالإنجليزية، اقترب من هذا الكوكب شبه المستقل على أرض مصر، لكنه ركَّز على الدور الذي يلعبه الفنانون في تجميل مدينة الموتى.

لكن يبقى السؤال: هل يليق أن يكون حظ سكان المقابر من بني جلدتهم زيارة عابرة كما لو كانوا سائحين؟ وهل يصحّ أن يهتم الإعلام الغربي بهؤلاء الفقراء، أكثر من اهتمام الإعلام المصري؟ أليس أمثال هؤلاء هم الأحق بأن تُسوَّد بأحوالهم صفحات الجرائد، وتُملأ بأخبارهم ساعات البث التلفزيونيّ؟

صورة بألف مقال

city of the dead cemetery

city of the dead cemeterycity of the dead cemeterycity of the dead cemetarycity of the dead cemeterycity of the dead cemeterycity of the dead cemeterycity of the dead cemeterycity of the dead cemetary

 

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم مجتمع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

ماذا كسب الغرب من انحطاط العالم الإسلامي؟

ألف  أبو الحسن الندوي كتاب “ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين”، ويشرح هذا التقر…