شارك على Facebook شارك على Twitter شارك على Google+ شارك على Reddit شارك على Pinterest شارك على Linkedin شارك على Tumblr ترجمة: علاء البشبيشي خمس سنوات مرّت على حرب العراق، ففي السادس عشر من مارس من العام 2003 نُصِح المفتشون الأمميون بمغادرة العراق خلال 48 ساعة، وبعد أقل من مائة ساعة، بالتحديد في العشرين من نفس الشهر، بدأت الضربة الأولى التي اتخذت من “الصدمة والرعب” شعارًا لها، وهي اللحظة التي خطط لها بوش طويلاً، وأعانه على ذلك توني بلير. “كينيث أديلمان”، نائب مستشار الأمن القومي السابق، تنبأ– قبل الهجمة الأولى بأسابيع- بأن الحرب ستكون سهلة للغاية، وسجّل ذلك بجملته الشهيرة: “أتوقع أن الإجهاز على قدرة صدام حسين العسكرية، وتحرير العراق سيكون أمرًا بالغ اليُسر”. وبالفعل حدث ما توقعه؛ ففي غضون شهر كان تمثال صدام حسين البرونزي، في ميدان الفردوس ببغداد قد أصبح ركامًا. لكن هذا كان آخر التوقعات الصحيحة، فكل ما توقعته إدارة بوش بعد ذلك أثبتت الأيامُ خطأه؛ فلم يتم العثور على أسلحة الدمار الشامل، التي كانت المبرر الرئيسي لبريطانيا في مشاركتها لأمريكا في هذه الحرب، كما أن البنتاجون قد اعترف الأسبوع الماضي بأن هناك 600 ألف وثيقة عراقية تمّ العثور عليها تثبت أن نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين لم يكن له علاقة بزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن. وفي العام الحالي 2008، يوجد من القوات الأمريكية في العراق ما يفوق العدد الذي كانت عليه أيام الغزو، وبلا أي إرهاصات للانسحاب تلوح في الأفق، في الوقت الذي أقرّت فيه وزارة الدفاع البريطانية بأنها غير قادرة على سحب كامل قواتها من العراق، حيث ما يزال 4 آلاف من جنودها متواجدين خارج البصرة، وحتى الآن لقي 3987 جنديًا أمريكيًا، و197 جنديًا بريطانيًا مصرعهم في العراق. المكاسب والخسائر! إذن من الذي كسب هذه الحرب؟ بالطبع ليس المدنيين العراقيين، الذين قُتل منهم 90 ألفًا على أقل التقديرات منذ العام 2003، وهناك دراسات تتوقع ضعف هذا العدد خمس أو ست مرات. ليس هذا فقط، بل هرب مليونا عراقي آخرون بحياتهم، وبقي ما يوازي هذا العدد، أو يربو عليه، كلاجئين في الوطن. وليست الأسرة العراقية التي كانت تعاني من انقطاع الكهرباء لثماني ساعات يوميًا في عهد صدام حسين، ثم أصبحت اليوم تحصل على الكهرباء لفترة أقل من 8 ساعات يوميًا في ظل الاحتلال. ومازالت معدلات الجريمة تصل إلى 26 حادثة في اليوم الواحد في قلب العاصمة، وقائمة الخسائر بعد ذلك تطول. كذلك لم يكسب الحرب مسعَرِّوها الأوائل، كالسيد أديلمان، سالف الذكر، والذي اعترف بحلول أكتوبر من العام 2006، قائلاً: “إننا نفقد العراق”، وبالطبع لم يربح الحرب أكثر المتعجرفين، ووزير الدفاع السابق “دونالد رامسفيلد”، والذي استغنى عنه بوش في فترة ولايته الثانية، أما نائبه السابق “باول وولفويتز”، فأُجبر على الاستقالة من رئاسة البنك الدولي، بعد الفضيحة المالية الشهيرة. ويبقى جون بولتون الذي رفض مجلس الشيوخ تعيينه كسفير لأمريكا لدى الأمم المتحدة. أما جورج بوش فهو الرئيس الأقل شعبية منذ بدأت استطلاعات الرأي، والسبب الرئيس في ذلك كان حرب العراق. وتوني بلير، شريكه في المغامرة الطائشة، قد ولَّت أيامه، وكانت الحرب بالنسبة له بمثابة القشّة التي قصمت ظهر البعير. وهكذا أصبحت واشنطن ولندن في موقفٍ لا يُحْسد عليه، فقد تضررا بصورة لا توصف، كما عملت كذبة أسلحة الدمار الشامل على رفع مستوى الشكوك الدولية، بصور عرقلت التعامل مع التهديدات النووية الأخرى، كما الحال مع كوريا الشمالية. أما إيران فقد مهّدت الحرب أمامها الطريق لتطلعات جديدة، رغم أن أمريكا ما زالت تتهمها بحيازة أسلحة دمارٍ شامل. أما القاعدة، فقد سهَّلت الحرب لها وجود موطئ قدمٍ في العراق، لم تكن لتحصل عليه دون الغزو الأمريكي. أصحاب المليارات! في أوائل العام 2003، تنبأ رامسفيلد، وعقول البيت الأبيض بأن تصل تكلفة الحرب إلى 50– 60 مليار دولار، لكن بعد مرور 5 سنوات، تعدت فاتورة الحرب 10 أضعاف ما توقعوه، بل وحذّرت هيئة الدفاع المشتركة من ارتفاع قدرته بـ 52% في كلفة العمليات العسكرية في العراق، بما يُوازي 1.45 مليار جنيه إسترليني، خلال السنة المالية الحالية، كل ذلك رغم تخفيض عدد القوات، كما مُوِّل القطاع الخاص بصورة لم يسبق لها مثيل، إذن فالرابح الأكبر من الحرب كان “أصحاب رؤوس الأموال”. فقد كان هناك جيش من الحرس الخاص يرافقون قوافل الإمدادات، ويؤمنون المعدات العسكرية في أنحاء العراق، بالإضافة إلى مستشارين تجاريين وحكوميين، ومهندسين، كثيرون منهم كانوا يعرضون حياتهم للخطر في الوقت الذي كانت الشركات التي يعملون لصالحها تجني المليارات. فوفقًا لتقديرات أكتوبر الماضي، وصل عدد المتعاقدين في العراق إلى 160 ألفًا، يعملون لصالح 300 شركة مستقلة، 50 ألفًا منهم يعملون كمرتزقة– أو كمتعاقدين أمنيين، كما يحلو للبعض تسميتهم، من باب “تسمية الخمر بغير اسمه”، أو بحجة “نحن لا نكذب ولكن نتجمل”– في شركات أمنية كـ”بلاك ووتر”، التي سلّط قتلُ مسلحيها لسبعة عشر مدنيًا عراقيًا في سبتمبر الماضي الضوءَ على عدم تحكم القوات الأمريكية في هذه الجيوش الخاصة، والذي يتقاضى كل متعاقد فيها 445 ألف دولار سنويًا. الشركات البريطانية كان لها من الكعكة نصيب؛ فقد أعادت شركة “ساند لاين انترناشيونال”، التي يرأسها العقيد البريطاني المتقاعد “تيم سبايسر”، الظهور كلاعب قوي، في العراق بعدما اتهمت بانتهاك الحظر الأممي ببيعها أسلحة لسيراليون؛ حيث فازت بعقد مع البنتاجون في العام 2004 قيمته 293 مليون دولار– مستقطعة من الأموال المخصصة للعراق– تم تجديده بعد ذلك، وظفت عن طريقه 1000 مرتزق في العراق. شركة بريطانية أخرى هي “جلوبال ستراتيجيز” كانت توظف متعاقدين بأسعار منخفضة من جزر فيجي للقيام بالعمليات المنوطة بها. شركة “أرمور جروب”، التي يرأسها وزير الخارجية البريطاني السابق، سير مالكولم ريفكيند، كانت تحصل على نصف عائداتها من العراق، عن طريق حماية القوافل العسكرية، بأجرة قدرت ما بين 8 آلاف إلى 12 ألف دولار في اليوم الواحد، كما ساعدت في تأمين مراكز الاقتراع خلال فترة الانتخابات التي جرت في البلاد. لكن الرابح الأكبر وسط هذه الشركات المتعاقدة في العراق كان “مجموعة هاليبورتن”، للخدمات النفطية واللوجستية، والتي كان يديرها ديك تشيني، أحد مهندسي الحرب، قبل أن يتولى منصب نائب الرئيس الأمريكي. وقد ساعدت العلاقة بين هذه الشركة وإدارة بوش على الفوز بعقود قيمتها 16 مليار دولار في العراق وأفغانستان خلال 3 سنوات فقط منذ بداية العام 2004، لتحقق بذلك 9 أضعاف ما حققته أي شركة أخرى!. مركز الوحدة الوطنية في واشنطن، والمتابع لنشاط الشركات الأمنية منذ بداية الحرب، أكّد وجود ارتفاع 50% ما بين عامي 2004 ، 2006 في نسبة التعاقدات الحكومية الأمريكية مع الشركات الأمنية، وهي النسبة التي تباطأت وتيرتها قليلاً في العام 2007، لكن التوقعات تقول: إن العمليات المسلحة في العراق تعني وجود المزيد من المهام لهذه الشركات بصورة أكثر من ذي قبل. تحت الطاولة! ويعمل الكثير من هذه الشركات على الضغط باتجاه تخصيص المزيد من الأموال لهذه المهام، وتمرير هذه الزيادة في الميزانية، فشركة بيرينج بوينت، وهي شركة استشارية مقرها الولايات المتحدة تعمل في العراق منذ عام 2003، دفعت مئات الآلاف من الدولارات للحزب الجمهوري، من بينها 117 ألف دولار خصصتها لحملتي بوش الانتخابيتين. لكن ما دفعته– من رشاوى- لا يكاد يُذكر بجانب ما تلقته من أموال نظير عملها في العراق، حيث حصلت على 240 مليون دولار، وفازت بعقد مبدئي من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية بعد أسابيع قليلة من سقوط صدام حسين. كما ثبت، العام الماضي، تورط أحد موظفيها، العاملين في السفارة الأمريكية ببغداد، في إعداد مسودة لقانون الهيدروكربون المثير للجدل، والذي أقرّه البرلمان العراقي في مارس الماضي، والذي فتح باب احتياطات النفط العراقية على مصراعيه أمام المؤسسات الأجنبية، لأول مرة منذ عام 1972. وهو الأمر الذي دفع شركات مثل شيل وإكسون موبيل وغيرهما للعودة إلى الاستثمار في العراق رغم تزايد وتيرة العنف في البلاد، وما زالت الحرب تسهم ببذخ لصالح أرباح هذه الشركات، نتيجة للارتفاع الصاروخي في أسعار البترول. فحينما كانت أمريكا تدق طبول الحرب، وتتجهز للتوجه إلى العراق كان سعر النفط الخام قد وصل إلى 37 دولارًا للبرميل، وهو السعر الذي رأى كثيرون استحالة ارتفاعه، لكن اليوم وصل سعر النفط إلى 110 دولار للبرميل الواحد. كبير الاقتصاديين في البنك الدولي، جوزيف ستيجليتز، الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد في أكتوبر 2001 من الأكاديمية السويدية الملكية للعلوم، يقول بأن الحرب أضافت من 5 إلى 10 دولار على سعر برميل البترول، والحقيقة ربما تكون أكبر من ذلك. الرابحون الكبار! (1) ديك تشيني: الوحيد من صقور واشنطن الذي لا يزال في السلطة، بعدما أثبتت الحرب فشلها، صحيح أن الإدارة التي ينتمي إليها أصبحت كسيحة، لكنه ما يزال يتطلع لتقاعدٍ مُرضٍ؛ فشركة هاليبورتن، التي كان يديرها، كونت ثروة من وراء عقودها في العراق. (2) إيران: هل كانت المراجع الإيرانية تتخيل يومًا أن يطيح الشيطان الأكبر (أمريكا) بعدوها اللدود (صدام حسين)، وأن تصل شيعة العراق للسلطة، وتجعل جنودهم (مسلحي الشيعة) رهن إشارة طهران؟ (3) سير جون سكارليت: مؤلف أكذوبة أسلحة الدمار الشامل سيئة السمعة، ذائعة الصيت، بالاشتراك مع الاستير كامبل، مسئول الاتصالات لدى رئيس الوزراء البريطاني. (4) القاعدة: صدام حسين لم يكن له باع أو ذراع في تنظيم القاعدة، ولم يكن له أدنى علاقة بأسامة بن لادن، ولا بصحبه، لكن ذلك لم يعرقل البيت الأبيض من إقناع الرأي العام الأمريكي بمثل هذه العلاقة بين صدام وأسامة. ومن ثم كان الغزو الذي أعطى القاعدة موطئ قدم في العراق على طبق من ذهب، وخفف من الوطأة عليها في أفغانستان وباكستان. (5) الأكراد: العراقيون الوحيدون الذين ما زالوا يساندون الاحتلال قلبًا وقالبًا، هم الأكراد، ولِمَ لا؟ وقد أطاحت أمريكا بعدوهم اللدود، الذي هاجمهم بالغازات السامة، وضمنت لهم تحقيق أبعد أحلامهم في أن يكونوا دولة مستقلة. (6) تيم سبايسر: الذي اقتحم غمار الحرب عن طريق شركته الخاصة “ساند لاين” في سيراليون وغينيا، ومن ثم فاز بتعاقد ضخم في العراق، أفزع حتى منافسيه الأمريكيين. الخاسرون الكبار (1) جورج بوش: الذي بفضل غزوه للعراق، أدخل المؤرخين في نقاش جدي مطول حول ما إذا كان يستحق لقب أسوأ رئيس في تاريخ الولايات المتحدة على الإطلاق. حتى ولو ألقينا باللوم الأكبر على تشيني ورامسفيلد، يبقى بوش الابن هو الذي يتحمل مسئولية الإضرار بصورة الولايات المتحدة في العالم. (2) توني بلير: والذي ربما لا يزال رئيسًا لوزراء بريطانيا لو لم تلطخ حرب العراق سجله، رغم أن كثيرين ربما يعتبرونه من الرابحين بالنظر للملايين التي يجنيها الآن. (3) الفلسطينيون: فقد شغلت العراق أمريكا للغاية، ولم تترك لها وقتًا للاهتمام بعملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين. (4) الإعلام الأمريكي: كيف يتسنى لإعلامٍ يتغنى بالدقة والتثبت، أن يروج لمثل هذه الحرب؟ (5) أفغانستان: صفق العالم لأمريكا حينما أطاحت بطالبان، وطردت ضيوفها من حركة طالبان، أما وقد حولت أمريكا ناظريها للعراق، فقد سنحت الفرصة لطالبان والقاعدة أن يستعيدا قوتهما، وفي الوسط بقي الشعب الأفغاني هو الخاسر الأكبر. (6) الأمن القومي البريطاني: تفجيرات 7/7 جعلت من مشاركة بريطانيا في حرب العراق حجة لها، ومازالت السلطات منهمكة لمنع ثورة شباب مسلمي بريطانيا عليها.