التخلص من “القذافي” يتطلب أكثر من قتله.. ومَن توقَّع لوهلةٍ أن اليوم التالي لسقوطه سيشهد تَحوُّلا فوريا وتلقائيا من الصراع المسلح إلى البناء والإعمار، وانتقالا سلسًا من ميدان المعركة إلى مناخ الإنتاج، لم يستوعب حقيقة (الخراب) الذي خلفه القذافي، ولا تداعيات (عملية التجريف) الذي مارسها طيلة عقود أربعة، ولا صعوبة التحدي الذي يواجه الليبيين، في هذا المنحنى الخطير.

يؤكد ذلك استمرار التوتر، الذي تتباين حدته، بين السلطة الانتقالية في ليبيا، والمليشيات التي ترفض حتى الآن تسليم أسلحتها، وفلول أنصار القذافي، وغياب مؤسسات الدولة الفاعلة، مثل المحاكم وقوات الأمن النظامية، وعدم فرض السلطة الجديدة سيطرتها حتى الآن- أو بالأحرى عدم قدرتها على توفير الأمن- إلا في طرابلس، وتواتُر الأنباء عن فرض المليشيات، التي يرفض تسليم سلاحه، سيطرتها على مراكز الاعتقال التي تضم آلافًا من المتهمين بصلاتٍ مع النظام البائد، وتعرُّض قرابة 8 آلاف منهم للتعذيب، بحسب منظمات حقوقية. ما دفع فيروز مانجي”، رئيس تحرير موقع (Pambazuka.org) إلى القول بأن “ارتدت ليبيا ثوب الديمقراطية، لكن المجتمع لم يتشبع بالديمقراطية بعد”، مضيفًا لـ (روسيا اليوم): “بالنسبة للغالبية الساحقة من الليبيين لا يشبه ما يحدث حتى الآن أي لون من الديمقراطية.. اللهم إلا ديمقراطية الاختيار بين أن تٌقتَل أو تُعذَّب”.

ولا ينبغي في هذا السياق نسيان أن تدخل الناتو أعاد البلاد إلى العصر الحجري، وأن الحرب الأهلية كلفت ليبيا اقتصاديا أكثر من 40 مليار دولار، وتسببت تقريبًا في تبخُّر إنتاج النفط الخام، الذي يسهم بنصف الناتج المحلي الإجمالي. كما ينبغي التوقف طويلا أمام شرفة الألم التي لا يزال الليبيون يطلون منها على قبور 30 ألفًا من أبنائهم، وجراح 50 ألفًا من ذويهم، بينما يبحثون عن 4 آلاف مفقودٍ آخرين، وفق أولى إحصائيات المجلس الوطني الانتقالي للخسائر البشرية خلال 6 أشهر من الصراع، منذ منتصف فبراير 2011.

لكن يبقى أخطر مخلفات القذافي هو خلوّ ليبيا من أي آليات حكومية أو مؤسسات مدنية يمكنها تحريك عجلة البلاد، نتيجة التكتيكات الأحادية التي كان القذافي ينتهجها، وما زرعته ممارساته القمعية في نفوس الليبيين من الشعور بعدم الثقة في أي سلطة، وهذا هو السبب وراء عدم تعاون معظم المليشيات مع السلطة المؤقتة حتى الآن، بالإضافة إلى الوعود الكثيرة التي لم يفِ بها المجلس الوطني الانتقالي.. حتى أصبح أحد تكتيكات النجاة التي ينتهجها الليبيون هي التشاؤم؛ ذلك أن توقع الأسوأ يجعلك منيعا من الإحباط!

صحيحٌ أن بعض الانتقادات الموجهة للسلطة الانتقالية بنَّاءة، ويجب أخذها على محمل الجد، إلا أن جزءا كبيرا منها هو رد فعل عنيف من شعبٍ استعاد حريته بعد اختطافٍ دام 42 عامًا. لذلك ينبغي النظر إلى هذه السلطة الانتقالية باعتبارها أداة تشريعية لنقل ليبيا من الفوضى إلى الديمقراطية، كجزءٍ من خارطة طريقٍ تُنَفَّذ في إطارٍ زمنيّ محدد، ومن ثم ينبغي تقييم أدائها من هذا المنظور، في ظل الاعتراف بأن المجلس الوطني الانتقالي لا يمتلك عصا سحرية.

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم العالم بالعربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

الذكاء الاصطناعي سيكون له تأثير هائل على الاقتصاد في المستقبل

يمكن للمؤسسات (الإعلامية والبحثية إلخ) الحصول على تقاريرنا حصريًا الآن. لمعرفة المزيد حول …