ألقت التوترات الدولية الجديدة بظلالها على أسواق النفط العالمية… توترات لا يكاد يخلو جزء من عالم اليوم منها…توترات بشأن البرنامج النووي الإيراني، وأخرى في العراق، وثالثة على الحدود التركية مع حزب العمال الكردستاني، ورابعة في نيجيريا، حيث شن المتمردون هجومًا على منشأة نفطية، الأمر الذي تسبب في إيقاف إنتاج )50( ألف برميل يوميًا، وغيرها من التوترات الإقليمية والدولية. ويتوقع المحللون الاقتصاديون أن ذلك سيؤدي لقفز سعر برميل النفط ليصل إلى )100( دولار للبرميل الواحد، وهو الأمر الذي لم يعد بعيداً، بعد وصول سعره بالفعل إلى حاجز (92) دولارًا. 

وهو الأمر الذي سيؤثر على الاقتصاد العالمي، وعلى المواطن العادي. فالبترول يُعدّ سلعة إستراتيجية، واستهلاكية، له أهمية كبرى على الساحة الدولية، وعلى خريطة اهتمامات المواطن العادي في كافة دول العالم. 

التهديد التركي

“وهناك قضية التوغل التركي في شمال العراق، الإقليم الذي سيؤثر أي توتر فيه على إنتاجه من النفط ، ومن ثم سيؤدي لارتفاع أسعاره”. كانت تلك كلمات المتخصص (ريموند كاربون)، أحد العاملين في مجال النفط، تشخص مدى تأثير الأزمة الحالية بين تركيا ومتمردي حزب العمال الكردستاني شمال العراق، بعد سلسلة من الهجمات شنها مسلحو الحزب ضد أهداف تركية. الأمر الذي زاد من وتيرة ارتفاع أسعار برميل النفط في الأسواق العالمية. كما أثر ذلك على صناعة النفط العراقية، والتي ما زالت تناضل من أجل البقاء للتغلب على الدمار الذي أصابها جراء الحرب. 

ويبقى رئيس الوزراء التركي “رجب طيب إردوغان” بين المناشدات الدولية بعدم شن عملية عسكرية شمال العراق، وبين المطالبات الداخلية بوقف عمليات حزب العمال الكردستاني التي طفح كيل الشعب التركي منها. والتي جعلت “أردوغان” يقول مرارًا: إن تركيا لن تقبل المزيد من هجمات حزب العمال الكردستاني من شمال العراق. و قد قُتل نحو (40) شخصًا على أيدي المتمردين في الشهر الماضي. 

وبالفعل حشدت تركيا ما يصل إلى (100) ألف جندي تدعمهم طائرات مقاتلة، وهليكوبتر عسكرية، ودبابات، ومدافع (مورتر) عند الحدود قبل هجوم محتمل ضد متمردي حزب العمال الكردستاني. وقد ساهم ذلك – مع أسباب أخرى – في ارتفاع أسعار النفط من جديد، ليصل حالياً إلى حاجز (92) دولارًا للبرميل الواحد. 

الأزمة الإيرانية

وكذلك هناك التوتر العالمي بشأن البرنامج النووي الإيراني، وموقف روسيا التي مدت يدها من جديد لإيران لاستئناف التعاون النووي، في الوقت الذي تلوح أمريكا فيه بضربة عسكرية لمنشآت طهران النووية، أو للحرس الثوري. بل فرضت واشنطن بالفعل عقوبات جديدة على إيران. 

وفي هذا السياق الملتهب يقول المحلل الاقتصادي (إيان بورن): “في الوقت الذي يأتي التأكيد فيه على الحلول الدبلوماسية، يبقى الخيار العسكري ضد إيران مطروحًا، وهو الأمر الذي يضع سوق النفط على حافة الهاوية”. 

ويضيف: “إذا ما هوجمت إيران عسكرياً، عن طريق غارات جوية أو غيرها، مستهدفة منشآتها الحساسة، ومفاعلاتها النووية، فسيؤدي ذلك إلى ارتفاع صاروخي في أسعار النفط. سترتفع الأسعار حينها لتتخطى حاجز المائة دولار للبرميل الواحد”. 

ويختلف المحللون السياسيون حول أثر زيارة بوتين الأخيرة لطهران، ففي حين يرى البعض أنها حسنت جذريًا المناخ الجيوستراتيجي لصالح إيران، يخفف البعض من حدة التفاؤل، مشيراً إلى أن أمريكا ستفعل ما تشاء إذا ما وافق ذلك مصالحها الخاصة. ويبقى سوق النفط هو الخاسر الأكبر من تلك المجاذبات. 

بعض المحللين الماليين يعدّون الارتفاع الحالي في أسعار النفط كافياً لتهديد الاقتصاد العالمي. ففي أزمة البترول التي شهدتها سبعينيات القرن الماضي، وأوائل ثمانينياته، تعدى سعر برميل البترول حاجز الـ (75) دولاراً – بقيمته الحالية- وهو أقل مما وصل إليه سعر البرميل الآن”. 

ويرى المحللون أن أسعار البترول ستظل مرتفعة إلى حد ما خلال السنوات القادمة. صحيح أنه بعد نهاية آخر أزمة بترولية، هبط سعر برميل البترول لأقل من (20) دولارًا للبرميل – بقيمة الدولار اليوم – في الفترة ما بين عامي 1986- 1998. لكن الأمر مختلف بالنسبة للأزمة الحالية، التي سيكون من حسن المقادير أن هبط سعر البرميل حتى (50) دولارًا بعد انتهائها، ويؤيد هذا الطرح العديد من الأسباب والتطورات العالمية. 

فيما يرى البعض أن النفط يلعب دورًا أصغر في اقتصاديات العالم الحديث مما كان يلعبه في السابق، وهو الأمر الذي يخفف من وطأة هذا الارتفاع الجنوني إلى حد ما. لكن الخطر الحقيقي يختفي وراء أي نزاع مسلح جديد في منطقة الشرق الأوسط، ذلك لأنه سيؤدي إلى مزيد من الأزمات في أسواق النفط العالمية. 

مخاوف أمريكية

وسط هذا الارتفاع وجدت إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش نفسها في مأزق اقتصادي، ورأت في ارتفاع أسعار النفط “أمراً يبعث على القلق”، وهو الأمر الذي دفعها لوصف التطور في الأسعار بـالـ “مرتفع جداً أكثر مما ينبغي”. وهو التصريح الذي جاء على لسان المتحدثة باسم البيت الأبيض، (دانا بيرينو)، قائلة: “أسعار النفط مبعث قلق عمومًا، فإمدادات المعروض شحيحة جدًا، والطلب متزايد، وليس هذا من بلدنا وحده”. 

فيما طلبت إدارة بوش من منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) إلى زيادة إنتاجها مجددًا؛ من أجل تهدئة الأسواق التي تشهد أسعارًا ملتهبة تهدد بتقويض نمو الاقتصاد. 

يأتي ذلك مع تراجع الدولار إلى مستويات قياسية جديدة مقابل اليورو وسلة العملات يوم الجمعة، ومخاوف حول نقص الإمدادات، نتيجة الاضطرابات السياسية، وهبوط مخزون الخام الأمريكي. 

وقال (كريستوف ايبل)، مدير التداول لدى (تيبيريوس): “يبدو أن الجميع يريدون بيع الدولار وشراء أصول أخرى… أي أصول سواء أسهم أو سلع أولية… هكذا التداول الآن”. 

أضف إلى ذلك ما قامت به شركة (كونوكوفيليبس) من خفض معدلات الإنتاج في مصفاتها في (بيل تشيس) في ولاية (لويزيانا) يوم الخميس، بعد مشكلات في بعض وحداتها. 

فضلاً عما أظهرته أحدث البيانات حول انخفاض مخزون الولايات المتحدة من النفط الخام ومنتجات تكريره، الأمر الذي أذكى المخاوف من نقص إمدادات المعروض مع اقتراب فصل الشتاء. 

وحول التحرك الأمريكي المرتقب في مواجهة هذا الاضطراب، قال نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني: “إن دور احتياطي الطوارئ هو معالجة نقص المعروض، وليس محاولة التأثير في الأسعار”. ويبدو أن أمريكا توفر احتياطها الإستراتيجي من البترول، في حال وقعت “أي اضطرابات في الشرق الأوسط متسببة في انقطاع إمدادات النفط “، كما أعلن عن ذلك تشيني. هذا الاحتياطي الذي أنشأه الكونجرس بعد الحظر النفطي العربي عامي 1973 و1974، يبلغ 694 مليون برميل من الخام في أربعة خزانات تحت الأرض في تكساس ولويزيانا. 

أسباب الارتفاع.. وإجراءات أوبك

ولخّص الأمين العام لمنظمة أوبك “عبد الله البدري”، أسباب هذا الارتفاع الصاروخي في الأسعار قائلاً: “الوضع السياسي وقيمة الدولار واختناقات التكرير والاستثمارات المكثفة للمضاربين في أسواق النفط. هذه هي أسباب وصول الأسعار إلى هذا المستوى المرتفع”. مؤكداً أن أوبك بدأت بالفعل زيادة الإنتاج المقررة رسميًا من أول نوفمبر، بواقع (500) ألف برميل يوميًا، وأن الشركات تعدّ نفسها لهذا. 

وحول جهود أوبك قال (ريلوانو لقمان)، وهو مستشار شرفي في شؤون الطاقة للرئيس النيجيري: “إذا لم تكن أوبك موجودة لارتفعت الأسعار إلى (100) أو (120) دولارًا أو أكثر”. 

بينما قالت مؤسسة (وود ماكينزي) الاستشارية: إن من المنتظر أن يرتفع إنتاج النفط من الدول غير الأعضاء بمنظمة أوبك إلى (49ر46) مليون برميل يوميًا هذا العام وهو مستوى دون المتوقع؛ بسبب مشكلات إنتاجية بخط أنابيب (كاتس) في بحر الشمال. 

الذهب يلحق بالنفط

أدى ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية، وتراجع سعر صرف الدولار، وتصاعد التوترات السياسية، إلى تحفيز المستثمرين على شراء الذهب، مما ساهم في قفز سعر المعدن النفيس في التعاملات الفورية في أوروبا إلى أكثر من (780) دولارًا للأوقية. وهو السعر الأعلى للذهب منذ يناير 1980. 

وقال(جون ريدي)، كبير محللي المعادن لدى بنك الاستثمار (يو.بي.اس): “الصورة الاقتصادية المتدهورة تتجسد في ضعف الدولار وهذا يساعد الذهب”. 

ويلعب الإعلام دوراً مهماً في هذا الإطار، بل ساهم في رفع الأسعار وخفضها في بعض الأحيان. من أمثلة ذلك تنبؤ الكتّاب بقرب نضوب النفط، ونشر أخبار محدودية الاحتياطي البترولي، ووصول البترول إلى ذروته الإنتاجية. ويتزامن مع ذلك حملة إعلامية غربية تدعو إلى تقليص الاعتماد على البترول، خاصة المستورد من بلدان الشرق الأوسط، هذه الحملة لها أبعادها السياسية وأغراضها الإعلامية.

طالع المزيد من المواد
طالع المزيد من المواد المنشورة بواسطة العالم بالعربية
طالع المزيد من المواد المنشورة في قسم العالم بالعربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

طالِع أيضًا

كيف سيؤثر الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد في المستقبل؟

يمكن للمؤسسات (الإعلامية والبحثية إلخ) الحصول على تقاريرنا حصريًا الآن. لمعرفة المزيد حول …